“ملف الأوقاف” يعود ليواجه جدار الصمت في البرلمان الإيراني

كتب: الترجمان

بعد ركود دام دورة برلمانية كاملة، عاد ملف “التحقيق والتقصي” في شؤون هيئة الأوقاف والشؤون الخيرية إلى الواجهة في أروقة البرلمان الإيراني، حاملا معه إرثا ثقيلا من علامات الاستفهام التي لم تجد إجابة، ومثيرا أزمة رقابية جديدة تُسلط الضوء على حدود سلطة الهيئة التشريعية في مواجهة مؤسسات الدولة المحورية.

ويُجسد هذا الملف، الذي وقّع على استئنافه نحو 70 نائبا في البرلمان الحالي، صراعا مريرا من أجل الشفافية والمحاسبة، حيث يصر نواب على ممارسة حقهم القانوني في الرقابة على كيان يُدار بمليارات من الأصول، بينما يواجهون عائقا وحيدا ومستمرا:  “عدم تعاون الهيئة”.

الرقابة المُجهضة: من الدورة السابقة إلى الدورة الحالية 

لم يكن ملف الأوقاف غريبا على البرلمان الإيراني. فقد شهدت الدورة السابقة محاولة مماثلة للتحقيق والتقصي، وصلت إلى طريق مسدود رغم حصولها على موافقة ما يقرب من 80% من النواب.

كشف النائب في البرلمان الإيراني، جليل ميرمحمدي ميبدي، الذي كان من أبرز المتابعين للملف سابقا وحاليا، عن عمق الأزمة القديمة المتجددة. ففي الدورة الماضية، أعد النواب مشروعا شاملا تضمن 16 سؤالا جوهريا تتعلق بإدارة الهيئة وعائداتها وتصرفاتها، لكن الهيئة لم تبدِ التعاون اللازم ولم تُقدم إجابات شافية على أي من هذه التساؤلات.

وشدد ميرمحمدي على أن العائق لم يكن سياسيا أو خارجيا، بل كان يتمثل في “عدم تعاون هيئة الأوقاف نفسها”، نافيا مزاعم سابقة حول اشتراط الحصول على إذن من المرشد الأعلى علي خامنئي.

وأكد النائب أن هيئة الأوقاف تتبع إداريا لـ وزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي ورئيسها يُعيّن بقرار وزاري، ما يعني أنها تخضع بشكل طبيعي للرقابة البرلمانية دون الحاجة لاستثناءات دستورية خاصة. هذا التأكيد يضع المسؤولية القانونية والسياسية للمساءلة مباشرة على عاتق الجهات التنفيذية ذات الصلة.

Image

70 توقيعا لاستعادة الحق الرقابي

مع انتهاء ولاية البرلمان الدورة السابقة، ظن كثيرون أن مصير الملف هو النسيان، لكن الدورة الحالية شهدت إحياء قويا للقضية.

فتح الله توسلي، النائب وعضو اللجنة الاقتصادية، أكد أن المشروع الجديد للتحقيق والتقصي، الذي طُرح العام الماضي، قد حصل على توقيع نحو 70 نائبا، وتمت إحالته إلى اللجنة الثقافية. 

هذا الإجماع الكبير نسبياً على المتابعة يعكس مدى القلق البرلماني والشعبي المتزايد حول شفافية إدارة الأصول الوقفية التي تُعد جزءاً أساسياً من الثروة الوطنية الإيرانية.

ومع ذلك، لم تسِر الأمور بسلاسة في البرلمان الحالي أيضا. فقد أشار توسلي إلى تعثر المشروع داخل اللجنة الثقافية بسبب وجود جزء من الموضوعات المطروحة يقع خارج نطاق المهام المباشرة لهيئة الأوقاف، ما دفع اللجنة إلى الاستعلام من مؤسسات أخرى، ليظل المشروع معلقا بلا نتيجة حتى اللحظة.

Image

صراع السلطات الخفي

تُعيد تعثرات التحقيق والتقصي طرح التساؤل القديم حول حدود سلطة البرلمان في مواجهة المؤسسات المالية والإدارية الكبرى في البلاد. فبالرغم من نفي النواب الحاليين، ممثلين بميرمحمدي وتوسلي، لحاجة البرلمان إلى إذن المرشد الأعلى للتقصي في شؤون الأوقاف، إلا أن استمرار الجمود يُشير إلى وجود “فيتو” غير مُعلن أو “جدار بيروقراطي صلب” يصعب اختراقه.

ويستند النواب في موقفهم إلى رؤية عليا داعمة للشفافية. حيث يعرب توسلي عن اعتقاده بأن المرشد الأعلى لا يعارض مسألة الشفافية والرقابة على الأجهزة، حتى تلك التي تخضع لإشرافه المباشر، وقد أكد دائما على الأداء الصحيح والشفاف.

وفي سياق محاولة إيجاد حلول، يكشف توسلي عن وجود أربعة مشاريع أخرى للتحقيق والتقصي تخص الأوقاف، وأنهم التقوا مهدي خاموشي، رئيس هيئة الأوقاف، الذي وعد بالتعاون. 

ويسعى النواب لحل هذه القضايا عبر التفاوض قبل المصادقة الرسمية على التحقيق والتقصي، وذلك من منطلق أن التعاون كان سيمنع التحقيق برمته.

يُلخص النائب توسلي جوهر الأزمة بالقول: “لو حدث التعاون، لما كان التحقيق والتقصي ليحدث أصلاً ولما كنا وصلنا إلى هذه المرحلة”. إلا أنه يعترف بأن المنظمة لم تستجب بشكل كافٍ حتى في الدورة الحالية، على الرغم من أن جهود رئيس المنظمة الحالية “كانت ملحوظة مقارنة بالسابق”.

ملف وطني بأبعاد اقتصادية وإدارية معقدة

ما يزيد من تعقيد الملف هو تباين المسؤوليات. فكما يوضح توسلي، فإن وزارة الإرشاد، بصفتها الجهة المسؤولة إداريا، “تقول إنها لا تستطيع الإجابة على كل أداء الأوقاف”. هذا التشتت في الصلاحيات يضع العقارات والأصول الوقفية التي تواجه مشاكل عديدة في الدوائر الانتخابية للنواب، في منطقة رمادية بعيدة عن المساءلة الواضحة.

ويؤكد توسلي أن المشروع الذي أعده مع زملائه هو مشروع “شامل تقريبا وعلى المستوى الوطني”، ويهدف إلى كشف ما يجري في هذه المنظمة وإعلانه للجمهور، داعيا إلى أن يتم الوفاء بالوعود التي قطعها رئيس الهيئة. وفي حال استمرار عدم التعاون، يشدد النائب على أن “البرلمان سيعمل بواجبه” في نهاية المطاف.

إن تجدد الصراع حول ملف الأوقاف في البرلمان الحالي ليس مجرد خلاف إجرائي أو إداري، بل هو مؤشر على معركة أعمق تخوضها إيران حول الشفافية في إدارة الأصول العامة والخاصة، وإعادة ترسيم العلاقة بين السلطة التشريعية والمؤسسات ذات الطابع شبه الحكومي والخيري، التي تملك نفوذا اقتصاديا واسعا وموارد مالية هائلة. وفي انتظار استجابة المنظمة لـ “الـ 16 سؤالاً” القديمة المتجددة، يبقى ملف الأوقاف “يعلوه الغبار” في انتظار الفصل التشريعي الذي يُعيد له الحياة والوضوح.

كلمات مفتاحية: