- محمود شعبان
- 660 Views
ترجمة: يسرا شمندي
نشر موقع فرارو، السبت 28 يونيو/حزيران 2025، تقريرا أفاد فيه بأن بكين بدأت بإعادة تقييم موقفها في أعقاب الهجوم الأمريكي على إيران والهدنة الهشة القائمة بين طهران وتل أبيب. وأضاف أن استمرار حالة التوتر قد يدفع قوى دولية كبرى أخرى، إلى جانب الولايات المتحدة، إلى الانخراط المباشر في الصراع.
وذكر في هذا السياق، أن مجلة فورين بوليسي طرحت تساؤلات حول مدى تأثير هذه المواجهات على مصالح الصين، متسائلة: هل تنسجم الخطوات الصينية بالفعل مع بياناتها الرسمية الداعية إلى خفض التصعيد والتوصل إلى وقف لإطلاق النار، أم أن بكين، بشكل غير معلن، لا تمانع في تصعيد إضافي يخدم توازناتها الاستراتيجية؟
وبيَّن أن الإجابة عن هذا السؤال تتطلب تحليلا مزدوجا، ينبغي أن يشمل كلا من استراتيجية الصين في الشرق الأوسط والمنافسة الاستراتيجية الأوسع نطاقا بينها وبين الولايات المتحدة.
وتابع أنه للوهلة الأولى، قد يبدو أن الصراع بين إسرائيل وإيران لا علاقة له بالصين، لكن هذا الصراع قد يعطّل مبادرة الحزام والطريق العالمية، ويهدد أمن الطاقة الصيني، بل قد يؤثر أيضا في المنافسة بين الصين والولايات المتحدة. بعبارة أخرى، فإن مصالح الصين تواجه خطرا حقيقيا في هذا الصراع.
وأردف أن استراتيجية الصين في الشرق الأوسط تتركز بشكل أساسي على تأمين أمن الطاقة، إذ تعتمد الصين اعتمادا كبيرا على واردات النفط من دول الخليج وإيران. أما الأولوية الثانية للتنين الأصفر فهي مصالحه الاقتصادية في المنطقة، لا سيما تنفيذ مشاريع مبادرة الحزام والطريق، في حين تتمثل الأولوية الثالثة في التعاون السياسي مع الدول العربية وإيران، والذي يصب في خدمة الهدفين الأولين.
وأوضح أنه لو لم تكن الصين تعتمد على نفط الشرق الأوسط أو بحاجة إلى تصدير فائضها الصناعي إلى هذه المنطقة، لما كانت لديها دوافع قوية للحفاظ على علاقات وثيقة مع دول الشرق الأوسط أو للعب دور الوسيط بين إيران والسعودية. ورغم أن الصين زادت من وارداتها من النفط الخام الروسي بعد حرب أوكرانيا، فإن الجزء الأكبر من احتياطياتها النفطية لا يزال يُستورد من الشرق الأوسط.
وأبرز أنه في حال انهيار الهدنة وتوسع رقعة النزاع، فإن مشاريع الصين ضمن مبادرة الحزام والطريق في المنطقة ستتأثر حتما. فقد شهدت المبادرة خلال السنوات العشر الأخيرة تقدما ملحوظا في الشرق الأوسط، متجاوزة بذلك مناطق عديدة أخرى. وأي تراجع أو توقف في التعاون بسبب الحرب سيُلحق ضررا مباشرا بصادرات الصين واقتصادها.
وأورد أن هذا السيناريو لا يُعد أسوأ الاحتمالات بالنسبة لبكين. فالمصدر الأكبر للقلق الصيني هو مشروع تغيير النظام المزعوم الذي قد تسعى إليه الولايات المتحدة وإسرائيل. وفي حال تحقق هذا التغيير، رغم ضآلة احتماله، فإن الاستثمارات والاتفاقات التي راكمتها الصين في إيران على مدى عقود قد تنهار، وهو ما من شأنه أن يُعزز المخاوف القديمة لدى بكين من الثورات المدعومة أمريكيا.
وأكَّد أن تقارب بكين الحالي مع طهران قد ألقى بظلاله على علاقاتها مع إسرائيل، مما أدى إلى توتير تلك العلاقات. وأي تهديد لهذا التقارب من شأنه أن يُقصي الصين عن المشهد، وهو ما سيكون بمثابة ضربة قاسية لمكانتها، ليس فقط في إيران، بل في عموم الشرق الأوسط. ومن منظور الاستراتيجية الصينية في المنطقة، فإن بكين لا ترغب في تصعيد هذه الحرب، لا سيما تحوّلها إلى صراع إقليمي شامل.
وصرَّح بأن دعوات الصين إلى وقف إطلاق النار وتحقيق الاستقرار الإقليمي، إضافة إلى إدانتها للهجمات الأمريكية على إيران، لا تنبع فقط من مواقف أخلاقية، بل تعكس قلقا حقيقيا لدى القيادة الصينية.
وأبلغ أن تأثير الصراع بين إسرائيل وإيران يَظهر أيضا في علاقات الصين مع الولايات المتحدة. فقد تطغى أهمية تحقيق النصر في هذه المنافسة على استراتيجية الصين الإقليمية. وإذا ما أسهم تصعيد النزاع في تقوية جهود بكين لمواجهة النفوذ الأمريكي، فقد تميل الصين إلى تحمّل هذا التصعيد أو حتى دعمه بشكل محدود، ولو على حساب خسائر اقتصادية قصيرة المدى؛ وذلك على نحو مشابه لما تقوم به الولايات المتحدة من خلال دعمها لإسرائيل.
ونقل الموقع أن باحثين، مثل الأكاديمي الأمريكي جون ميرشايمر، أدلوا برأي، مفاده أن الغارات الجوية الإسرائيلية على المنشآت النووية الإيرانية، إلى جانب تدخل الولايات المتحدة لدعم إسرائيل، تصب في نهاية المطاف في مصلحة الصين وتُلحق الضرر بمكانة الولايات المتحدة.
كما أفاد بأن ميرشايمر وجَّه انتقادات في مقابلة حديثة، إلى إسرائيل وإدارة ترامب بسبب تأجيج الأزمة، واعتبر أن التهديد الاستراتيجي الأكبر الذي تواجهه واشنطن هو من الصين، وبالتالي يجب على الولايات المتحدة أن تركز مواردها في شرق آسيا بدلا من إهدارها في الخليج العربي.
وأوضح أن واشنطن كانت تعتزم نقل أسطولها البحري والجوي من الخليج العربي إلى شرق آسيا، لكن تصعيد التوترات من جانب إسرائيل دفعها إلى إعادة حاملة طائرات وقاذفات إلى الخليج. ومن شأن حرب إقليمية أوسع أن تُجبر الولايات المتحدة على تحويل مزيد من مواردها العسكرية من شرق آسيا، مما يؤدي إلى استنزاف مخزوناتها من الذخيرة ويُضعف قدرتها على الردع في مواجهة الصين.
وبيَّن وفقا لوجهة نظر ميرشايمر، أن تطورات الشرق الأوسط لا تصبّ بوضوح في مصلحة الولايات المتحدة.
وصرَّح بأنه إذا أدى تصعيد التوترات إلى إطالة أمد النزاع، فقد يُقيّد القوات الأمريكية ويحول دون وجودها في شرق آسيا، مما يُضعف قدرة الولايات المتحدة على المنافسة طويلة الأمد مع الصين. ومع ذلك، فإن ما يُلحق الضرر بالولايات المتحدة لا يكون بالضرورة مفيدا للصين.
واعتبر أن منطق ميرشايمر يظل ساريا فقط إذا اقترن تصعيد النزاع ببقاء الحكومة الإيرانية الحالية، واستمرار قدرتها على خوض مواجهة عسكرية طويلة الأمد. وإلا، فلا يُعرف ما إذا كانت التحولات ستُبقي على عدو عنيد للولايات المتحدة أم لا. ومن جهة أخرى، ليس من الواضح ما إذا كان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مستعدا، على المدى الطويل، لتخصيص الموارد العسكرية لصراع مستمر.
وأكّد، من وجهة نظر بكين، أنه إذا كان من المقرّر أن يتحوّل الصراع بين إسرائيل وإيران إلى أفغانستان ثانية تُبقي الولايات المتحدة منشغلة، فلا بد من الحفاظ على القدرة العسكرية الإيرانية لمواصلة المقاومة.
ولفت إلى أن تحقيق هذا السيناريو يتطلب نوعا من الدعم العسكري، سواء بشكل مباشر، أو عبر وسطاء مثل باكستان، أو من خلال دعم الصناعات الدفاعية المحلية الإيرانية. ورغم أن الدعم العسكري العلني من بكين غير مرجح، فإن تقديم مساعدات سرّية لتعزيز الاكتفاء الذاتي العسكري لإيران يبدو أمرا محتملا.
ورأى، باختصار، أنه من أجل تقليل الضغط الاستراتيجي الأمريكي في شرق آسيا، قد ترى بكين في تصعيد محدود للصراع بين إسرائيل وإيران مصلحة لها. غير أن هذا يبقى صحيحا فقط ما دامت إيران لا تُغلق مضيق هرمز، وما دامت الولايات المتحدة وإسرائيل لا تتجهان نحو خيار تغيير النظام.
وأشار إلى أن استئناف القتال سيجعل من الصعب التنبؤ بنقطة نهايته. ورغم أن موقف بكين ينطوي بطبيعته على بعض التناقضات، فإن دعواتها إلى وقف إطلاق النار تبدو، على الأقل إلى حدّ ما، صادقة.
وصرَّح بأن بكين عبّرت عن موقفها من الصراع الأخير بشكل واضح. ففي قمة الصين وآسيا الوسطى التي عُقدت مؤخرا في أستانا عاصمة كازاخستان، ناقش الرئيس الصيني شي جين بينغ، المسألة مع رئيس أوزبكستان شوكت ميرضيايف، وأدان العمليات العسكرية الإسرائيلية بسبب تأجيجها للتوترات الإقليمية.
كما أفاد بأن شي تطرّق إلى هذه المواجهات في محادثاته مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، ودعا كلا الطرفين، لا سيما إسرائيل، إلى خفض التصعيد والعودة إلى القنوات الدبلوماسية.
وأخبر بأن وزير الخارجية الصيني، وانغ يي، أجرى محادثات مع نظيريه الإيراني عباس عراقجي والإسرائيلي جدعون ساعر، وكذلك مع وزراء خارجية دول أخرى في الشرق الأوسط، ووجّه انتقادات شديدة لإسرائيل. وقال لساعر، إن الهجوم الإسرائيلي على إيران يُعد انتهاكا للقانون الدولي. كما أدانت بكين بشدةٍ الغارات الجوية الأمريكية التي استهدفت المواقع النووية الإيرانية.
وأقرَّ بأن رسالة بكين كانت واضحة: فهي تقف دبلوماسيا إلى جانب إيران، وتدين إسرائيل والولايات المتحدة، وتدعو إلى ضبط النفس لتفادي زعزعة أوسع لاستقرار المنطقة. ومع ذلك، تسعى في الوقت ذاته إلى الحيلولة دون اندلاع حرب شاملة، وتشجّع على العودة إلى المسار الدبلوماسي.
وفي الختام، أكّد أن بعض الأصوات في الصين قد تدعو سرا إلى التصعيد، إلا أن تركيز بكين المستمر على السلام- خاصة في ظل المخاطر المحتملة على مبادرة الحزام والطريق وأمنها النفطي- يُشير إلى أن الصين، على الأقل في الوقت الراهن، لا ترغب في خروج هذا النزاع عن السيطرة.

