” زاد إيران” يفتح ملف شركة انتخاب… من دعم الصناعة الوطنية إلى السيطرة على السوق الإيراني

Image

شهد الاقتصاد الإيراني خلال العقدين الأخيرين تحولات عميقة، لم تكن نتائجها محصورة في مؤشرات النمو أو التضخم، بل امتدت إلى بنية الأسواق نفسها، وعلى رأسها سوق الأجهزة الكهربائية. ففي هذا السوق الذي يفترض أن يكون تنافسيا بطبيعته، برزت كيانات صناعية كبرى أعادت رسم قواعد اللعبة، وغيرت العلاقة التقليدية بين المنتج والمستهلك. 

بينما كان الهدف المعلن للسياسات الاقتصادية هو دعم الإنتاج المحلي وتقليل الاعتماد على الخارج، خصوصا مع وضع العقوبات المفروضة على إيران، ظهرت في الواقع ظواهر جديدة من التركز والهيمنة، وربما الاحتكار، وفي هذا السياق، تبرز شركة انتخاب الصناعية بوصفها أحد أكثر النماذج إثارة للجدل، سواء من حيث توسعها السريع، أو نفوذها في السوق، أو الملفات المرتبطة بأدائها المالي والإداري.

كيف أحكمت انتخاب سيطرتها على السوق الإيراني؟

لم تتشكل هيمنة شركة انتخاب على سوق الأجهزة الكهربائية بشكل مفاجئ، بل جاءت نتيجة مسار طويل تداخلت فيه قرارات اقتصادية حكومية مع استراتيجيات توسع خاصة بالشركة، فقد بدأت انتخاب نشاطها في سوق كان يشهد حضورا قويا للمنتجات الأجنبية، لا سيما الكورية والأوروبية، ما فرض على المنتجين المحليين في تلك المرحلة منافسة صعبة من حيث الجودة والسعر.

ومع تشديد القيود على الاستيراد، ولاحقا حظر دخول معظم الأجهزة الكهربائية الأجنبية، تغيرت موازين القوى داخل السوق، فقد خلق هذا التحول فراغا كبيرا في العرض، استغلته انتخاب بدورها بسرعة عبر زيادة الإنتاج، وتوسيع خطوط التجميع، وطرح علامات تجارية متعددة تخاطب مستويات مختلفة من الدخل، لتتحول من لاعب محلي إلى مورد شبه شامل للسوق.

Image

هذا فيما اتبعت الشركة نموذجي توسع، التوسع الأفقي، وذلك من خلال امتلاك أو السيطرة على شركات متعددة تعمل تحت مظلتها، ما منحها القدرة على احتكار حصص سوقية كبيرة في فئات متنوعة مثل الثلاجات، والغسالات، والأفران، وأجهزة التكييف، هذا التنوع جعل المستهلك يواجه في كثير من الأحيان علامات مختلفة ظاهريًا، لكنها تعود في الجوهر إلى مجموعة واحدة.

بالتوازي مع ذلك، اعتمدت انتخاب على توسع عمودي واضح، شمل حلقات أساسية في سلسلة التوريد، فإلى جانب الإنتاج، لعبت الشركة دورا محوريا في استيراد القطع والمواد الأولية، مستفيدة من تخصيصات كبيرة من العملة الأجنبية، كما طورت شبكة توزيع وخدمات ما بعد البيع واسعة النطاق، غطت معظم المحافظات الإيرانية.

هذه الشبكة لم تضمن فقط وصول منتجات انتخاب إلى المستهلكين بسرعة وكلفة أقل، بل شكلت أيضا عائقا أمام دخول منافسين جدد، خصوصا الشركات الصغيرة التي تفتقر إلى البنية اللوجستية ذاتها، ومع مرور الوقت، أصبحت قدرة هذه الشركات على البقاء في السوق محدودة، في ظل المنافسة غير المتكافئة.

Image

كذلك، فقد أسهمت السياسات الحكومية الداعمة للإنتاج المحلي، من حيث الإعفاءات والتسهيلات والقيود المفروضة على الاستيراد، في تعزيز موقع انتخاب، ورغم أن هذه السياسات كانت تهدف، نظريا، إلى حماية الصناعة الوطنية، فإن تطبيقها العملي أدى إلى تقليص المنافسة، ومنح الشركات الكبرى أفضلية واضحة.

ومع تراجع الخيارات المتاحة أمام المستهلك، تحولت انتخاب إلى لاعب مهيمن يملك قدرة مؤثرة على توجيه السوق، سواء من حيث حجم العرض أو طبيعة المنتجات أو حتى مستويات الأسعار، هذه السيطرة لم تكن مطلقة في البداية، لكنها ترسخت تدريجيا مع انسحاب العلامات الأجنبية وتراجع المنتجين المحليين الأصغر.

ملف فساد انتخاب… بين الوثائق والاتهامات

ارتبط اسم شركة انتخاب خلال السنوات الأخيرة بسلسلة من الملفات الجدلية التي شغلت الرأي العام والإعلام الاقتصادي في إيران، ذلك استنادا إلى وثائق رسمية وبيانات مالية منشورة على منصات الإفصاح التابعة لمنظمة البورصة، ولا سيما موقع كدال، المنصة الرسمية للإفصاح المالي للشركات المدرجة في سوق رأس المال الإيراني، وتعد هذه البيانات وثائق رسمية تقوم الشركات نفسها بنشرها بعد اعتمادها من المدققين والمراجعين القانونيين، وهي متاحة للاطلاع العام، ما يمنحها وزنا قانونيا ومهنيا في تقييم أداء الشركات الكبرى.

Image

وقد شكلت هذه الوثائق أساسا لطرح تساؤلات جدية حول طبيعة الأرباح المحققة داخل مجموعة انتخاب، وآليات التسعير المعتمدة، ومدى التزامها بالقوانين المنظمة للسوق، فبحسب ما تظهر البيانات المالية المدققة، فقد سجلت الشركة فروقات لافتة بين كلفة الإنتاج المعلنة وهوامش الربح المحققة، تجاوزت في فترات محددة السقوف التي تسمح بها الجهات المختصة بحماية المستهلك، الأمر الذي دفع مراقبين وخبراء اقتصاديين إلى الحديث عن ممارسات تسعير لا تنسجم مع القوانين والضوابط المعمول بها.

وفقا للجداول المستخرجة من البيانات المالية المدققة للسنة المالية المنتهية في مارس/آذار 2021، بلغت كلفة البضاعة المباعة نحو 32.24 مليون دولار، وبحسب قرارات منظمة دعم المستهلك، يسمح للشركات بتحقيق هامش ربح أقصى يبلغ 17% فوق كلفة البضاعة المباعة، أي ما يعادل نحو 5.48 مليون دولار فقط، غير أن البيانات تظهر أن الشركة قامت بتسجيل أرباح بلغت نحو 20.56 مليون دولار، أي بزيادة تقارب 15.8مليون دولار ناتجة عن بيع بأسعار مبالغ فيها خلال عام مالي واحد.

كما تظهر البيانات المتعلقة بالفترة اللاحقة، أي الأشهر الستة الأولى من السنة المالية التالية، الممتدة من يناير/كانون الثاني 2021 حتى يونيو/حزيران 2021، أن كلفة البضاعة المباعة بلغت نحو 36.76 مليون دولار، وبحساب سقف الربح القانوني، فقد كان من المفترض ألا تتجاوز الأرباح نحو 6.25 مليون دولار، إلا أن الأرباح المسجلة وصلت إلى نحو 15.80 مليون دولار، ما يعني تحقيق نحو 9.56 مليون دولار إضافية من التسعير المبالغ فيه خلال فترة قصيرة نسبيا.

وتشير هذه الأرقام، إلى أنه في حال استمرار النهج نفسه في النصف الثاني من عام 2021، فإن حجم البيع المبالغ فيه بحق المستهلك خلال فترة لا تتجاوز عامين يمكن أن يصل إلى نحو 34.2 مليون دولار، الرقم يعكس حجم العبء الذي تحمله المستهلك في سوق يفترض أن يخضع لرقابة صارمة لحمايته من الممارسات الاحتكارية.

Image

ومن بين أبرز الأساليب التي أُثيرت حولها شبهات تحايل، ما يتعلق باستخدام الشركات التابعة داخل المجموعة كوسيط لإعادة توزيع الأرباح، فبحسب هذه الروايات، تقوم الشركة الأم ببيع منتجاتها إلى شركاتها التابعة بأسعار تزيد بنسب تتراوح بين 40 و50% عن السعر المعتمد من منظمة دعم المستهلك، ثم تقوم تلك الشركات ببيع المنتجات للمستهلك النهائي ضمن الهامش القانوني المسموح به، ما يسمح بتسجيل أرباح ضخمة داخلية، مع الحفاظ على واجهة قانونية في البيع النهائي.

كما أُثيرت شبهات حول تضخيم الأرباح من خلال إعادة تصنيف بعض البنود المالية أو تحميل تكاليف معينة بطريقة تؤثر في النتائج النهائية للقوائم المالية، ورغم أن هذه القضايا تحتاج إلى أحكام قضائية حاسمة للفصل فيها، إلا أنها أثارت جدلا واسعا حول مستوى الشفافية داخل واحدة من أكبر المجموعات الصناعية في البلاد.

إلى جانب ذلك، فقد طرحت تساؤلات بشأن استفادة شركة انتخاب من تسهيلات مصرفية كبيرة وتخصيصات ضخمة من العملة الأجنبية مقارنة بشركات أخرى تعمل في القطاع نفسه،ويرى منتقدون أن هذه الامتيازات لم تكن متاحة على قدم المساواة للجميع، ما ساهم في تعميق فجوة المنافسة داخل السوق.

وفي السياق نفسه، برز تناقض واضح بين الخطاب المعلن حول تعميق التصنيع المحلي ورفع نسبة المكون المحلي إلى 70 أو 80%، فمن بين البيانات المنشورة كانت تلك التي تظهر أن المجموعة قامت خلال النصف الأول من عام 2021 فقط بشراء قطع ومواد أولية بقيمة تقارب 37.7 مليون دولار، خصص منها نحو 30.16 مليون دولار، أي ما يقارب 80%، للاستيراد من الصين وكوريا وتركيا وإيطاليا، وهو ما يشير عمليا إلى أن نسبة التصنيع المحلي الفعلية لا تتجاوز 20%.

وبحسب هذا التفسير، فإن طبيعة النشاط تقترب من التجميع أكثر مما تعد إنتاجا صناعيا متكاملا وفق المعايير العالمية، وهو ما كان يستوجب، بحسب خبراء، إخضاع هذه الأنشطة لأحكام القوانين الجمركية ذات الصلة، هذا وتزداد خطورة هذه القضايا في ظل غياب البيانات المالية قبل عام 2019، ما يستدعي تدخل الجهات المختصة، مثل مصلحة الضرائب وهيئات الرقابة والتعزيرات، لكشف الصورة الكاملة وتقديمها للرأي العام.

تاريخ التأسيس ومسار التحول

تأسست نواة شركة انتخاب في أواخر تسعينيات القرن الماضي، حين بدأت كنشاط عائلي مرتبط بصناعة بعض الأجهزة المنزلية الأساسية، في تلك المرحلة، كان السوق الإيراني مفتوحا نسبيا أمام الاستيراد، ما جعل المنافسة شديدة، وحد من قدرة الشركات المحلية على التوسع السريع.

التحول الحقيقي بدأ مع توسع تدريجي في خطوط الإنتاج، مستفيدا من الطلب المحلي المتزايد، ثم تسارع هذا التحول مع فرض قيود متتالية على الاستيراد، هذه القيود شكلت نقطة انعطاف، حيث تحولت انتخاب من منتج محلي متوسط إلى لاعب رئيسي يملك القدرة على سد جزء كبير من الفجوة التي تركها انسحاب العلامات الأجنبية.

Image

مع مرور الوقت، لم تعد انتخاب مجرد شركة واحدة، بل تحولت إلى مجموعة صناعية قابضة تضم عشرات الشركات التابعة. هذا التحول المؤسسي منحها مرونة أكبر في إدارة الأصول، وتوزيع المخاطر، وتعظيم الأرباح عبر قطاعات متعددة.

إلا أن هذا النمو السريع أثار في الوقت نفسه تساؤلات حول آليات الحوكمة، وحدود الرقابة، ومدى انسجام هذا التوسع مع مبادئ المنافسة العادلة، فبينما كانت الشركة تروج لنفسها بوصفها نموذجا للنجاح الصناعي المحلي، كان منتقدون يرون في مسارها مثالًا على الاحتكار المدعوم بالسياسات.

محمد رضا دياني.. من الحوزة العلمية إلى فضاء سوق الأجهزة الكهربائية

ولد محمد رضا دياني، مؤسس مجموعة انتخاب الصناعية، عام 1975 في مدينة أصفهان، وينحدر من أسرة متدينة ذات خلفية صناعية، ومنذ سنواته الأولى، ارتبط اسمه بنشاط والده في مجال تصنيع الأجهزة المنزلية، ولا سيما أفران الغاز، وهو ما شكّل الأساس لدخوله هذا القطاع.

Image

بعد حصوله على شهادة الثانوية، التحق دياني بالدراسة في الحوزة العلمية، لكنه لم يبتعد عن المجال الاقتصادي، وبناء على توصية من أحد علماء قم، بدأ العمل إلى جانب والده، بهدف تطوير النشاط الصناعي العائلي وتوسيع فرص العمل للشباب، هذا الجمع بين الدراسة الدينية والعمل الصناعي شكل جزءا من صورته العامة لاحقا.

أظهر دياني قدرة واضحة على الإدارة والتوسع، فعمل على تحديث خطوط الإنتاج، وتوسيع نطاق المنتجات، وبناء شبكة علاقات واسعة داخل الأوساط الاقتصادية والاجتماعية، ومع مرور الوقت، أصبح من أبرز الأسماء في قطاع الأجهزة المنزلية، وتولى رئاسة مجلس إدارة الجمعية النقابية لمنتجي الأجهزة المنزلية في إيران.

لم يقتصر نشاطه على هذا القطاع، بل امتد إلى مجالات أخرى مثل البتروكيماويات والصلب، إضافة إلى حضوره في أنشطة اجتماعية وخيرية واسعة، وقد تم تكريمه مرات عدة بوصفه رائد أعمال نموذجيا ومصدرا متميزا وصاحب عمل داعما للعمال.

أسس دياني مراكز خيرية لدعم آلاف المرضى، كما أنشأ مؤسسة تعليمية تهدف إلى تدريب المهندسين وإعادة تأهيلهم، وتطوير تقنيات صناعية جديدة. هذه الأنشطة عززت صورته كشخصية تجمع بين النجاح الاقتصادي والعمل الاجتماعي، ومع توسع أعمال انتخاب، أصبح محمد رضا دياني واحدا من أغنياء إيران البارزين، هذا التحول في الثروة أثار نقاشا عاما حول العلاقة بين النجاح الفردي والبيئة الاقتصادية والسياسية التي سمحت بتراكم هذه الثروة في فترة زمنية قصيرة نسبيا.

سوق الأجهزة الكهربائية في إيران… أزمة مستمرة

في خلفية هذا المشهد يعاني سوق الأجهزة الكهربائية في إيران اليوم من ركود عميق، نتيجة تضافر عوامل متعددة، أبرزها التضخم المرتفع وتراجع القدرة الشرائية للأسر. فقد أصبحت الأجهزة الكهربائية، بوصفها سلعًا معمّرة، خارج أولويات الإنفاق لدى شريحة واسعة من المجتمع.

تشير التقارير الرسمية إلى ارتفاعات كبيرة في الأسعار خلال السنوات الأخيرة، حتى بالنسبة للمنتجات المحلية، هذه الارتفاعات لم تترافق مع تحسن ملموس في الجودة أو الابتكار، ما زاد من شعور المستهلكين بالضغط والإحباط.

Image

في ظل هذا الواقع، تغير نمط الاستهلاك بشكل واضح، فبدل شراء أجهزة جديدة، باتت الأسر تفضل إصلاح الأجهزة القديمة، ما أدى إلى ازدهار نشاط ورش الصيانة مقابل ركود محال البيع، هذا التحول يعكس أزمة ثقة في السوق بقدر ما يعكس ضيقا اقتصاديا.

كما يعاني المنتجون أنفسهم من مشكلات هيكلية، مثل صعوبة تأمين العملة الأجنبية، واختلال توازن الطاقة، وارتفاع تكاليف الإنتاج. غير أن هذه الأعباء لا تقع بالتساوي على جميع الفاعلين، إذ تتمتع الشركات الكبرى بقدرة أكبر على امتصاص الصدمات مقارنة بالمصانع الصغيرة والمتوسطة، كما أسهمت سياسات تقييد الاستيراد في تقليص المنافسة ورفع الأسعار، دون أن تؤدي بالضرورة إلى تحسين الجودة أو خفض الكلفة، وفي غياب رقابة فعالة، وجد المستهلك نفسه محاصرا بين خيارات محدودة وأسعار مرتفعة.

Image

تكشف تجربة شركة انتخاب عن صورة مركبة لسوق الأجهزة الكهربائية في إيران، حيث يتقاطع النجاح الصناعي مع إشكاليات الاحتكار والشفافية، فبينما لا يمكن إنكار الدور الإنتاجي للمجموعة وقدرتها على سد جزء من احتياجات السوق، فإن حجم نفوذها يطرح أسئلة جوهرية حول مستقبل المنافسة، وعدالة توزيع الفرص، وحماية المستهلك.

وفي ظل استمرار الركود وارتفاع الأسعار، تبدو الحاجة ملحّة إلى مراجعة شاملة للسياسات الصناعية والتنظيمية، بما يضمن توازنا أفضل بين دعم الإنتاج المحلي ومنع تحوّل هذا الدعم إلى أداة لترسيخ الهيمنة، فمصير هذا السوق، كما يرى كثير من المراقبين، لن يتحدد فقط بقدرة الشركات الكبرى على التوسع، بل بمدى قدرة الدولة والمجتمع على فرض قواعد عادلة وشفافة للجميع.

كلمات مفتاحية: