- محمود شعبان
- 639 Views
أجرت صحيفة اعتماد الإصلاحية، الثلاثاء 2 سبتمبر/أيلول 2025، حوارا مع نذر شفيعي، الخبير في الشؤون الدولية، حول دلالات زيارة الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان للصين للمشاركة في قمة منظمة شنغهاي للتعاون، في ظل تصاعد ضغوط الغرب وتفعيل آلية الزناد.
الصين تتحرك لمواجهة آلية الزناد
نقلت الصحيفة عن شفيعي، قوله بشأن نتائج زيارة بزشكيان للصين بالتزامن مع تصاعد ضغوط الغرب وتفعيل آلية الزناد، إن زيارة بزشكيان للصين، رغم تزامنها مع تفعيل هذه الآلية من قبل الترويكا الأوروبية، كان قد خُطّط لها قبل التطورات الأخيرة أي الهجوم الإسرائيلي وتفعيل آلية الزناد، ومع ذلك، من الطبيعي أن يُطرح موضوع آلية الزناد في هامش هذه الزيارة.
وأضاف أن هناك نقطتين أساسيتين في هذا السياق: الأولى، أن جزءا من زيارة بزشكيان جاء بهدف عرض وجهات نظر إيران حول القضايا المفصلية، وكان تفعيل آلية الزناد إحدى هذه القضايا، والثانية، أن الصين، بصفتها إحدى الدول الأعضاء في الاتفاق النووي، لها دور مباشر في هذا الملف، وإلى جانب ذلك، فإن الصين كونها عضوا دائما في مجلس الأمن، ودولة تمتلك السلاح النووي، وثاني أكبر اقتصاد في العالم، تستطيع أن تلعب دورا مؤثرا.
وتابع أن بكين دائما ما سعت للقيام بدور فعال في التطورات الدولية، كما أنها عارضت كثيرا من السياسات والأعراف الليبرالية للنظام الدولي، بما في ذلك الإجراءات الأخيرة للولايات المتحدة وأوروبا ضد إيران.
وأكّد أن دخول الصين في موضوع تفعيل آلية الزناد أمر لا مفر منه، ومن المتوقع أن تطرح بكين رؤيتها في مجلس الأمن وأن تعارض تنفيذ هذه الآلية، وأردف أن الصين سعت باستمرار من خلال مبادرات مثل مبادرة الأمن العالمي، ومبادرة التنمية العالمية، ومبادرة الحضارة العالمية، إلى سدّ الفجوات الموجودة في النظام الدولي الليبرالي، والسير نحو بديل قائم على إصلاح الأنماط السلوكية غير العادلة في النظام الدولي.
وأوضح أن دخول الصين في مسألة تفعيل آلية الزناد، سواء كان مرتبطا بإيران أو بأي دولة أخرى، أمر محتوم.
منظمة شنغهاي وموقف الصين من آلية الزناد
ذكرت الصحيفة أن شفيعي قال حول إمكانية تناغم دول منظمة شنغهاي للتعاون في دعم إيران، إن قدرات أي دولة تُسمى بالقوة الوطنية حين يتم النظر إليها بشكل منفرد، بينما حين تكتسب الدولة إمكانات ونفوذا جديدا عبر علاقاتها مع دول أخرى فإنها تُسمى بالقوة العلائقية، أما الانضمام إلى المنظمات الإقليمية أو الدولية فيتيح كسب القوة المؤسسية، وهي القوة الناتجة عن القدرات الجماعية للمؤسسات الدولية.
وأشار إلى أن “زيارة بزشكيان وحضوره في قمة شنغهاي مثال على استفادة إيران من هذه القوة المؤسسية للتأثير في القضايا الدولية، ما يجعل عضوية إيران في منظمة شنغهاي فرصة مهمة لإبطال التهديدات ضد مصالحها الوطنية، ومع ذلك، فإن نقاط ضعف هذه المنظمة لا يمكن إغفالها، إذ لا يعمل أعضاؤها دائما بصوت واحد”.
وأفاد بأن تجربة مجموعة بريكس أظهرت أن أهداف هذه المنظمات أحيانا تتوافق مع المصالح الوطنية للدول الأعضاء وأحيانا تتعارض معها، على سبيل المثال، منعت الهند صدور قرار عن بريكس يدين رسميا الهجمات الأمريكية والإسرائيلية على إيران، ومثل هذا السلوك جعل نيودلهي تُوصف في التحليلات السياسية بأنها حصان طروادة للولايات المتحدة، أي دولة تُربك أحيانا وحدة المنظمات الإقليمية في مواجهة المصالح الأمريكية.
وبيَّن أنه من هذا المنطلق، ثمة احتمال الآن أن يحدث أمر مشابه داخل منظمة شنغهاي للتعاون أيضا.
وأبرز تأثير عودة عقوبات مجلس الأمن على العلاقات بين طهران وبكين، قائلا أن الصين تعيش وضعا حساسا على الساحة العالمية؛ فهي من جهة لا تستطيع أن تكون غير مبالية تجاه التطورات الدولية، ومن جهة أخرى لا يمكنها التدخل المباشر في الأحداث العالمية بما يعارض مصالح الولايات المتحدة وأوروبا، ومع ذلك، فإن موقف بكين من آلية الزناد سلبي.
وأضاف أن الصين ستحاول في المرحلة الأولى منع تفعيل هذه الآلية، وإذا ما عادت العقوبات فستسعى لإيجاد طرق لتقييد تنفيذها أو تجاهلها.
وأبلغ أنه رغم صعوبة هذا الأمر، فإن الصين تدرك أن الضغوط الغربية على إيران جزء من مشروع أكبر يهدف إلى إضعاف موقع الصين، إذ تسعى الولايات المتحدة إلى إبعاد دول مثل إيران عن الشراكة الاستراتيجية مع بكين، وانتزاع هذا المحور منها، بل وربما دفعه نحو الغرب، ومن هنا، تحاول الصين أيضا الحيلولة دون التفعيل الكامل لآلية الزناد، وإن جرى تنفيذها فستبحث عن سبل لتقليص أو تجاهل التزاماتها.
إيران تستثمر توترات الهند–الولايات المتحدة لتعزيز مصالحها
وأفادت الصحيفة بأن شفيعي صرّح عن الموقف المحتمل لروسيا إزاء تصاعد الضغوط الغربية على إيران، قائلا إن “الصين وروسيا والولايات المتحدة من بين القوى الكبرى في العالم، وقد أظهر التاريخ أن هذه الدول تتوصل أحيانا إلى تسويات حول بعض القضايا، غير أن تلك التسويات لا تمنع استمرار تضارب المصالح بينها”.
وأظهر أنه في الظروف الراهنة التي يشهد فيها النظام الدولي مرحلة انتقالية، يبدو أن اتباع استراتيجية إسكات أو التبعية من جانب القوى الكبرى سيكون خيارا خاطئا.

وضرب مثالا لتصور أن الولايات المتحدة والغرب يتوصلان إلى تفاهم مع روسيا بخصوص أوكرانيا بغية كبح نفوذ هذا الفاعل ومنعه من المشاركة في ملفات تتعلق بدول مثل إيران، ولكن مثل هذه الخطوة من الغرب قد لا تفصل إيران عن روسيا فحسب، بل قد تُستخدم لاحقا ضد روسيا نفسها.
وأكَّد أن انتهاج سياسة الصمت أو التبعية يُعد نهجا خاطئا، لأنه بعد أن تحقق الولايات المتحدة – باعتبارها القوة المهيمنة – مصالحها، لا يُعرف ما سيكون موقفها طويل الأمد تجاه القوى الصاعدة مثل الصين وروسيا، وبعبارة أخرى، فإن ظل المستقبل يمنع بكين أو موسكو من التوصل إلى تسوية حقيقية مع الولايات المتحدة بشأن إيران، وأي اتفاق محتمل سيكون قصير الأمد، بينما قد يشكل تهديدا لمصالحهما الاستراتيجية على المدى الطويل.
واسترسل بالحديث عن تقييم الموقف الحالي للهند إزاء إيران، في الوقت الذي تشهد فيه علاقات نيودلهي مع الولايات المتحدة توترات، والدور المحتمل لطهران في استغلال هذا الشرخ، مؤكدا أن الاستراتيجية القائمة على استثمار الخلافات بين اللاعبين الآخرين تُسمى استراتيجية الوجينغ أو استراتيجية شق الصفوف.
وأفاد بأن إيران قد تستفيد من التوترات الأخيرة بين الهند والولايات المتحدة لتحقيق مصالحها، لكن الواقع هو أن الهند في اختيارها بين إيران والولايات المتحدة تميل أساسا إلى الولايات المتحدة، ويتضح هذا التوجّه في رد فعلها على هجمات 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023؛ إذ سارعت إلى إدانة هجمات حماس ضد النظام الإسرائيلي قبل الولايات المتحدة، لكنها التزمت الصمت إزاء هجمات إسرائيل على إيران، وفي النهاية دعت الطرفين إلى ضبط النفس.
وأبرز أن هذا يبين أن الهند، رغم عضويتها في منظمة شنغهاي للتعاون، ما زالت تعرّف موقعها في الاستقطابات الدولية ضمن المعسكر الغربي، ومع ذلك، فإن الهند ما زالت في بداية مسار التعاون مع الغرب، وتحت ضغط المحافل الاستراتيجية الداخلية، تتجه نحو سياسة الاستقلال الاستراتيجي.
وفسر السبب في ذلك بأنه عندما طلبت الولايات المتحدة من الهند وقف شراء النفط من روسيا، واصلت الهند شراءه، كما أنها امتنعت عن إدانة هجوم روسيا على أوكرانيا، في حين أن العديد من الدول فعلت ذلك، لأن جزءا مهما من علاقاتها يرتبط بروسيا ولا تريد أن تقطع هذه الصلة بسرعة، ومن ناحية أخرى، فإن الهند منذ ما بعد الحرب الباردة أصبحت جزءا من المعسكر الغربي سياسيا.
وأورد أن الهند تتعاون مع إيران في المجالات التي تتوافق مع مصالحها الوطنية، مثل الدخول في ميناء تشابهار والتعاون في ممر الشمال–الجنوب، لكنها تمتنع عن التعاون في المجالات التي تتعرض فيها لضغوط شديدة من الولايات المتحدة.
الترويكا الأوروبية وفقدان مصداقية الاتفاق النووي
أكدت الصحيفة على لسان شفيعي بشأن المواقف الأخيرة للترويكا الأوروبية حول تفعيل آلية الزناد، أن أساس أي اتفاقية يقوم على التزام جميع الأطراف بها، ولا يكفي التزام طرف واحد فقط.
ورأى أن “هذا الاتفاق كان التزاما ثنائيا؛ فجزء منه على عاتق إيران والجزء الآخر على عاتق مجموعة 5+1، وكما ظهر، فإن انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق وحده كفيل بأن يضرّ بمصداقيته بالكامل، ومع ذلك، وبعد انسحاب واشنطن، تعهدت أوروبا بمواصلة تعاونها في إطار الاتفاق النووي، لكنها عمليا لم تتخذ أي خطوة ملموسة تحقق منفعة حقيقية لإيران”.
وأوضح أنه عندما لا يفي طرف من أطراف الاتفاق بالتزاماته القانونية، فكيف يمكن مطالبة الطرف الآخر بالوفاء بها؟
ولفت إلى أن الاتفاق النووي فقد موضوعيته ومصداقيته نتيجة عدم التزام بقية الأعضاء، ومن هذا المنظور فإن الضغوط السياسية والاقتصادية والعسكرية من الدول الأوروبية لتفعيل آلية الزناد –التي تستند في الأصل إلى الاتفاق النووي– تفتقر إلى الأساس الفني والقانوني، ويجب النظر إليها ضمن التحليلات السياسية لا التحليلات الفنية.
إيران تواجه ضغوط الغرب وتؤكد حقها في التخصيب النووي
سلَّطت الصحيفة الضوء على قول شفيعي حول السيناريوهات المحتملة لنهج طهران وواشنطن، موضحا أن حل أي مسألة يقوم على عنصرين أساسيين: الإرادة السياسية وحسن النية، ويبدو أن أوروبا والولايات المتحدة تفتقران إليهما، لأنهما تطرحان مطالب قصوى، في حين أن المفاوضات يجب أن تكون منصفة، ونزيهة، وعادلة وقائمة على مبدأ رابح-رابح، وإلا فإن العملية تتحول إلى دبلوماسية الإكراه حيث تفرض القوى الكبرى شروطها على الدول الأضعف.
واعتقد أنه ما دامت الدول الغربية لا تدرك الظروف ولا توفر مساحة للمرونة، فإن إيران لن تقبل بالتسليم، ومع ذلك، إذا وُجدت إرادة حقيقية من أوروبا والولايات المتحدة لحل القضايا، فإن باب التعاون من جانب إيران مفتوح، وخطوات رمزية مثل الاعتراف بحق إيران في التخصيب يمكن أن تمهّد الطريق لشراكات طويلة المدى.
وأضاف أن ثمة أسئلة مفتاحية حول مستقبل العلاقات بين إيران والولايات المتحدة، أولا، هل لدى الولايات المتحدة رغبة في التفاوض؟ ثانيا، هل ستقدّم ضمانات أمنية؟ ثالثا، هل ستجري مفاوضات منصفة؟ ورأى أنه من المستبعد تحقق هذه الشروط، لأن واشنطن، تحت سقف مطالبها القصوى، تسعى إلى تفكيك كامل المنشآت النووية الإيرانية، وهذا الموقف لن يتغير تحت ضغط إسرائيل.
وشدّد على أن دور الصين في هذا الملف مرتبط بوجود إرادة حقيقية لدى الولايات المتحدة للتفاوض، ويمكن توقع قيام الصين بدور الوسيط بين طهران وواشنطن فقط إذا رأت الولايات المتحدة أن لديها مصلحة ملموسة في التفاوض مع إيران، وإلا فإنها ستواصل ممارسة الضغوط والتهديد بقصف المنشآت النووية الإيرانية، بالتوازي مع دعمها لإسرائيل وفي إطار منافستها مع الصين.
وأوضح بشأن رد إيران على خطوات الغرب لتفعيل آلية الزناد، خاصةً احتمال خروج إيران من معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية (NPT)، قائلا إن “نصوص هذه المعاهدة تسمح للدول بالانسحاب منها متى ما اقتضت مصالحها العليا ذلك، وبالتالي، فإن انسحاب إيران من المعاهدة ليس أمرا غريبا، بل هو وارد في إطارها، وسلوك إيران، سواء في شكل قرارات البرلمان أو قرارات المجلس الأعلى للأمن القومي، يأتي كرد فعل؛ إذ إن هذه المعاهدة تفرض التزامات على الدول لكنها لا تضمن لها حقوقها، مما يجعل العضوية فيها بلا جدوى”.
وتابع أن هذه المؤسسة لم تلتزم فقط بتعهداتها، بل تصرفت أيضا بخلافها، فالمادة الرابعة من معاهدة حظر الانتشار النووي تعترف بحق الدول في امتلاك المعرفة النووية السلمية باعتباره حقا أصيلا يوازي حق الحياة، من دون تحديد قيود على نسبة التخصيب أو نوع الأنشطة، وإنما تنص فقط على أن لا يكون لها طابع عسكري.
وأبرز أن أوروبا والولايات المتحدة وحتى الوكالة الدولية للطاقة الذرية، خالفت هذا النص الواضح، وفرضت ضغوطا على إيران، بل إن تقارير الوكالة كشفت معلومات سرية إيرانية لدول أخرى لتتحول إلى أداة للضغط ضد إيران.
وفي الختام نوَّه إلى أن انسحاب إيران من المعاهدة يعد أمرا طبيعيا من ناحية القواعد، كما أنه خطوة سياسية ورد فعل على الإجراءات غير الفنية من قبل هيئة الضمانات والغرب، خصوصا في ظل امتناع هذه الدول حتى عن إدانة الهجمات على المنشآت النووية الإيرانية.

