خبير إيراني: لا اتفاق بعد.. ووقف النار قد يكون مجرد هدنة مؤقتة

ترجمة: دنيا ياسر نور الدين 

نشرت صحيفة “اعتماد” الإيرانية الإصلاحية، الخميس 26 يونيو/حزيران 2025، ما أفاد به رحمان قهرمان بور، الخبير الإيراني في الشؤون الدولية، في الحوار الذي أجرته معه حول أبعاد التحول في موقف إدارة ترامب من التصعيد العسكري إلى إعلان وقف إطلاق النار وتحليل مستقبل العلاقات بين إيران والولايات المتحدة وسيناريوهات ما بعد الهدنة.

ذكرت الصحيفة أن الهجمات المُنسَّقة التي شنتها إسرائيل والولايات المتحدة على المنشآت النووية الإيرانية أوصلت المنطقة إلى شفير صدام شامل، قبل أن يفاجئ الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، بحديثه عن “سلام مضمون” ووقف إطلاق نار “دائم”. 

وأردفت أن هذا التغير المفاجئ في مواقف البيت الأبيض جاء مصحوبا بتصاعد الجدل الداخلي حول فعالية الضربات ومآل سياسة “الضغط الأقصى”، في وقت حاولت وسائل الإعلام الأمريكية، ومن بينها شبكة “سي إن إن” المنتمية تقليديا إلى أجندة الحزب الديمقراطي، التشكيك في نتائج قصف منشآت نطنز وفردو  وأصفهان.

وتابعت أن البرلمان الإيراني، برئاسة محمد باقر قاليباف، صادق على تعليق التعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، في ردّ على تقاعس الهيئة الرقابية عن اتخاذ إجراءات حاسمة حيال الاعتداءات. ولفتت إلى أن خطوة التعليق هذه قد تُحد من مسار التعاون الفني مع الهيئات الدولية وتؤثر على هيكلية أي مفاوضات مستقبلية.

وأضافت الصحيفة نقلا عن مقابلة مع ستيف ويتكوف، المبعوث الأمريكي إلى الشرق الأوسط، ودرجته كخبير تفاوضي، قوله إن “إحياء البرنامج النووي الإيراني بات صعبا للغاية”، مؤكدا في الوقت ذاته أن المفاوضات “تسير بشكل واعد”، لكنه شدد على أنه “لن يُمنح أي ترخيص لتخصيب اليورانيوم”.

ثم أشارت إلى تصريحات عباس عراقجي، وزير الخارجية الإيراني، ووصفته بأنه “رئيس الجهاز الدبلوماسي الفعلي”، حيث أضاف أن طهران “تلقت رسائل من واشنطن عبر وسطاء”، لكنها “لن تعود إلى طاولة المفاوضات ما دام العدوان مستمرا”.

وتابعت أن فشل إسرائيل في تحقيق هدفها بوقف الأنشطة النووية الإيرانية نهائيا، إلى جانب التوقف المؤقت للأعمال القتالية، أدخل المشهد في مزيد من الغموض. وأشارت إلى أن أي انفراجة دبلوماسية مرهونة “بإرادات سياسية تتجاوز حدود وقف إطلاق النار”.

ثم استعانت الصحيفة بتحليل رحمان قهرمانبور، الخبير في الشؤون الدولية ، الذي أوضح أن النظام السياسي الأمريكي نظام رئاسي يُعطي للرئيس الأميركي الكلمة العليا، رغم دور الكونغرس الرقابي. وأردف أن “الكونغرس، وإن كان قائما على مبدأ (الموازنة والرقابة)، فقد شهدنا خلال العقود الثلاثة الماضية أن الرؤساء عندما يصممون على شيء، يستطيعون تجاوزه”. واستشهد بقصف العراق عام 2003 في عهد الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش؛ لإظهار قدرة الرئيس على تجاوز معارضة بعض أعضاء الكونغرس.

تابع قهرمان بور، أن الخلافات الحزبية بين الديمقراطيين والجمهوريين “ليست عقبة جدية أمام إرادة الرئيس”، وأن سياسة ترامب في إطار “حركة ماغا” تقوم على مبدأ “السلام عبر القوة”، بمعنى أنه يجب استخدام الأداة العسكرية لتحقيق السلام، وأن كل من يقف في وجه هذه الإرادة سواء كان رئيس وزراء إسرائيل، بنيامين نتنياهو، أو إيران، أو حتى السعودية ينبغي أن يخضع لها.

وأردف قهرمان بور أن ترامب “يسعى للظهور كقائد يُروّض اللاعبين الإقليميين”، مضيفا أن هدفه هو أن يقمع إسرائيل ويكبح إيران ليتمخض عن ذلك سلام دائم يتيح للولايات المتحدة التفرغ لمواجهة الصين، مؤكدا أن “دبلوماسية الإكراه” التي تجمع بين القوة العسكرية والضغوط الدبلوماسية تشكل العمود الفقري لاستراتيجيتها.

وأوضح أن التقارير حول فشل الضربات الأمريكية أولا عبر “سي إن إن” لا تُعد تقييما فنيا دقيقا، إذ إن الاختصاص الحقيقي يقع على عاتق الوكالة الدولية للطاقة الذرية، التي تحتاج إلى وصول فعلي للمواقع المستهدفة خاصة المنشآت تحت الأرض في “نطنز” و”فوردو” للإدلاء بتقرير موثوق.

وأشار إلى أن السماح لخبراء الوكالة بالدخول المباشر سيُسفر عن نتائج رسمية فورية، وربما تشارك إيران في صياغتها، مشيرا إلى أن تقييد الوصول سيؤخر نشر التقرير أو يزيد من غموضه.

وتابع أن هناك سيناريوهين لمستقبل العلاقات بين طهران وواشنطن: الأول يرى أن وقف القتال جاء نتيجة اتفاق شامل ينتقل بعدها الطرفان إلى مرحلة التنفيذ؛ والثاني يعتبره تهدئة مؤقتة تمهد لمفاوضات لاحقة. 

وأضاف أن “غياب معلومات قطعية في الوقت الراهن يجعل من الصعب الحكم على دقة أي من الروايتين”، مشيرا إلى أن “رفع بعض العقوبات أو السماح للصين بشراء النفط الإيراني سيكونان مؤشرين على الاتفاق الكامل، فيما يعني استمرار القيود بقاء الخلافات”.

وأشار إلي أنه في حالة عدم وجود اتفاق شامل، حيث ذكر أن إيران لا تزال تملك أوراق ضغط لكنها أضيق من ذي قبل، وستجبر على الدخول في محادثات محددة الزمان والإطار، متوقعا أن “طهران قد تدرك عدم وجود ما تخسره فتُظهر مزيدا من المرونة، بينما قد يُجبر ترامب على تقديم تنازلات لتحقيق السلام المضمون”.

وتابع أن الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، “هو صاحب الكلمة الفصل” في النظام الرئاسي الأمريكي، مؤكدةً أن التغيرات الأخيرة في مواقف البيت الأبيض، مثل تحديه لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بشأن الحرب على إيران، تتماشى تماما مع سياساته. وأردفت أن ترامب يتبع نموذجا يسعى من خلاله إلى “الظهور كبطل الرواية” الذي يفرض النظام على اللاعبين الإقليميين، بحيث “يُرويض إسرائيل ويكبح إيران” للخروج بسلام دائم يحرر واشنطن من الانغماس في الشرق الأوسط ويركزها على مواجهة الصين.

وأردف أن “الإطار الفكري لترامب يُسمّى (دبلوماسية الإكراه)، والتي تقوم على مزيج متكامل من القوة العسكرية والدبلوماسية، فلا يعني اللجوء المحتمل للقوة أن الاستراتيجية قد وصلت إلى طريق مسدود، بل هو جزء مدروس من خطة البيت الأبيض لتعزيز نفوذ الولايات المتحدة عالميا”.

وتابع أن شبكة “سي إن إن” الأمريكية هي أول من بثّ أن الضربات الأمريكية على المواقع النووية الإيرانية “لم تحقق النجاح المرجو”، لافتةً إلى أن هذه التقارير، لكون الشبكة متقاربة مع التيار الديمقراطي، تعكس جانبا من الخلافات الحزبية الداخلية في الولايات المتحدة أكثر من كونها تحليلا فنيا دقيقا. وأردفت أن الجهة المخولة حصرا لتقييم الأضرار هي الوكالة الدولية للطاقة الذرية، إذ يتطلب ذلك وصولا مباشرا إلى المنشآت المستهدفة، خاصةً تلك المدفونة تحت الأرض في “نطنز” و”فوردو”.

ثم ذكر أنه إذا سمحت إيران لوكالة الطاقة الذرية بالدخول الفعلي إلى المواقع، فستصدر الوكالة نتائج رسمية سريعة قد تُشارِك طهران في صياغتها، أما إذا قيدت الوصول، فسيتأخر الإعلان أو يكتنفه الغموض.

وبين وجود “روايتين” بشأن آفاق العودة إلى طاولة المفاوضات بعد 12 يوما من الحرب: الأولى ترى أن وقف القتال تمّ نتيجة “اتفاق شامل” أدخل الأطراف فورا في مرحلة التنفيذ، بينما تعتبر الثانية أن ما جرى هو “هدنة مؤقتة” تمهّد لجولات تفاوض لاحقة.

وأكد أن غياب “معلومات قطعية” حاليا لحسم أي من الروايتين، مشيرا إلى أن “رفع بعض العقوبات أو السماح للصين بشراء النفط الإيراني سيكون دليلا على التوصل لاتفاق شامل، أما استمرار القيود فيعني بقاء الخلافات”.

واختتم  كلامه عن أوراق الضغط التي لا تزال بحوزة إيران في حال عدم التوصل لاتفاق شامل، لكنها “أضيق من السابق”، مشيرا إلى أن المفاوضات القادمة، إن انطلقت، فستكون “ضمن إطار زمني وضوابط أكثر تحديدا”.

 وتابع أن طهران قد ترى أنه “لم يعد لديها ما تخسره”، فتُظهر “مرونة أكبر”، فيما قد يضطر ترامب، لضرورة الحفاظ على “السلام المضمون”، إلى تقديم تنازلات تشمل رفعا جزئيا للعقوبات أو تسهيلات اقتصادية.