كيف سقطت أسطورة “الحصانة الرقمية” الإسرائيلية تحت أقدام الهاكرز الإيرانيين؟

كتب: الترجمان

بينما تضج منصات التواصل الاجتماعي بمقاطع الفيديو عالية الدقة التي تنشرها القيادة المركزية الأمريكية لاستعراض القوة العسكرية التقليدية، من حاملات طائرات تجوب البحار ومقاتلات “أف-35” التي تشق عنان السماء، تدور خلف الشاشات وفي أعماق الشبكات العنكبوتية حرب من نوع آخر؛ حرب لا تُسمع فيها أصوات الانفجارات التقليدية، لكن نتائجها باتت تسلب النوم من جفون كبار القادة الأمنيين وتغير وجه الصراعات الحديثة.

في هذا الصراع السيبراني المحتدم بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، لم يعد الفضاء الرقمي مجرد وسيلة للدعم أو أداة ثانوية، بل تحول إلى ساحة معركة رئيسية وجبهة قائمة بذاتها، قادرة على شل قدرات الخصم وإصابته بـ “العمى الإستراتيجي” قبل أن تتحرك الدبابات أو تبدأ المدافع بالعمل. 

إن ما يشهده العالم اليوم هو ولادة عقيدة عسكرية جديدة، يكون فيها “الهاكر” جنديا في الخطوط الأمامية، ويكون فيها “الخادم (Server) هو الحصن الذي يجب حمايته أو تدميره.

استراتيجية “الإعماء” المتبادل والتمهيد الرقمي للحرب

تعد العمليات السيبرانية اليوم الركيزة الأساسية لما يسمى بـ “الاستعداد ما قبل الحرب” (Pre-war staging). وبحسب تسريبات وتقارير عسكرية استخباراتية، فإن الهجمات الرقمية التي شنتها واشنطن وتل أبيب ضد طهران لم تكن وليدة اللحظة، بل كانت نتاج سنوات من التسلل الهادئ والممنهج إلى البنية التحتية الإيرانية.

الهدف الأساسي من هذه الاختراقات هو خلق حالة من “العمى” لدى القيادة العسكرية الإيرانية؛ حيث استهدفت الهجمات أنظمة الرادار المتطورة، وشبكات الاتصالات العسكرية المشفرة، وحتى أبراج الهواتف المحمولة المدنية التي تُستخدم أحياناً كبدائل في حالات الطوارئ. 

هذا التكتيك يهدف إلى عزل الوحدات القتالية عن قيادتها المركزية، مما يجعل القوة العسكرية التقليدية، مهما بلغت ضخامتها التقنية، مشلولة وغير قادرة على رصد التحركات الجوية أو البحرية المعادية أو تنسيق رد فعل فعال.

وفي هذا السياق، جاءت تصريحات وزير الحرب الأمريكي “بيت هيغسيث” لتؤكد أن القوات السيبرانية والفضائية كانت “الطليعة الأولى” في المواجهات الأخيرة، حيث وصفت العمليات بأنها جعلت العدو “أعمى ومضطربا”، مما قلل من مخاطر المواجهة المباشرة للقوات التقليدية. 

ولا يقتصر الأمر على التعطيل الفني، بل يمتد إلى استخدام الفضاء السيبراني كأداة للتجسس اللحظي عبر اختراق كاميرات المراقبة والمرور داخل المدن الكبرى، مما يوفر بيانات استخباراتية حيوية تساهم في دقة عمليات الاغتيال وتحديد الأهداف العسكرية بتكلفة زهيدة جداً مقارنة بالجاسوسية التقليدية.

Image

مجموعة “حنظلة” وكسر أسطورة الحصانة الرقمية

في المقابل، لم تقف إيران وجماعاتها السيبرانية موقف المتفرج. فقد برز اسم مجموعة “حنظلة” كلاعب رئيسي ومقلق في هذه المواجهة، متمكنة من تحطيم “أسطورة الحصانة” الرقمية التي طالما تفاخرت بها إسرائيل. لم تكتفِ المجموعة بالهجمات السطحية مثل تعطيل المواقع الإلكترونية (DDoS)، بل نفذت عمليات اختراق “عميقة” وصلت إلى هرم القيادة العسكرية والأمنية.

لعل الصدمة الأكبر في تل أبيب كانت نجاح المجموعة في اختراق حسابات وملفات “هرتزي هليفي”، رئيس أركان الجيش الإسرائيلي السابق، ونشر آلاف الصور والوثائق والفيديوهات الشخصية والعسكرية من مكتبه الخاص. 

Image

هذه العملية لم تكن مجرد اختراق تقني، بل كانت زلزالا أمنيا أثبت أن أرفع القيادات العسكرية وأكثر الغرف تحصينا باتت مكشوفة تماما. شملت التسريبات لقطات تجمع هليفي بمسؤولين عسكريين إقليميين، مما أحرج المؤسسة الأمنية الإسرائيلية وكشف عن ثغرات هائلة في جدار الحماية الرقمي لأفراد النخبة.

ولم تتوقف ضربات “حنظلة” عند الأفراد، بل امتدت لتطال البنية التحتية الدفاعية الحيوية عبر استهداف “شركة “PSK WIND Technologiesوهي العقل المدبر لأنظمة القيادة والسيطرة المتكاملة للدفاع الجوي الإسرائيلي. 

إن امتلاك الخصم لبيانات فوق سرية تتعلق بمراكز الإدارة وشفرات الاتصال العسكرية يعني عمليا أن أنظمة الدفاع الجوي مثل “القبة الحديدية” و”مقلاع داوود” باتت ملفاتها “مكشوفة”، مما يسهل على الوحدات الصاروخية في “محور المقاومة” برمجة مسيرات وصواريخ قادرة على تجاوز الرادارات والوصول إلى أهدافها بدقة.

Image

سلاح “الماسح” (Viper) وحرب تدمير البيانات الشاملة

انتقلت الحرب السيبرانية من مرحلة التجسس وجمع المعلومات إلى مرحلة “التدمير الرقمي الشامل” عبر استخدام برمجيات “الماسح” أو (Viper). هذا السلاح، الذي تشتهر إيران باستخدامه منذ هجوم “شمعون” على شركة أرامكو عام 2012، عاد ليظهر بقوة في الصراع الحالي كأداة للردع والانتقام الاقتصادي.

أكدت الإدارة الوطنية للسايبر في إسرائيل تسجيل أكثر من 50 هجوما موفقا تم خلالها “مسح وقذف” بيانات شركات إسرائيلية بالكامل، مما أدى إلى فقدان سجلات تجارية وبيانات عملاء حساسة لا يمكن استعادتها. 

وعلى الجانب الآخر، شنت المجموعات الإيرانية هجوما كبيرا على شركة “استرايكر” (Stryker) الأمريكية المتخصصة في التكنولوجيا الطبية، حيث تم مسح بيانات الموظفين وتغيير واجهات الأنظمة، في رسالة واضحة بأن الشركات الحيوية التي تدعم الجهد العسكري واللوجستي الأمريكي هي أهداف مشروعة وغير بعيدة عن المنال.

هذا النمط من الهجمات لا يهدف فقط إلى التدمير المادي، بل يمثل “حرب استنزاف رقمية” تكبد الخصوم خسائر بمليارات الدولارات وتجبرهم على إعادة تخصيص موارد ضخمة للأمن السيبراني على حساب المجهود الحربي التقليدي.

تفكيك شبكات النفوذ وكشف “الوحدة 9900”

من أخطر العمليات السيبرانية التي هزت الهيكل الاستخباري الإسرائيلي كانت عملية كشف هوية 50 ضابطا رفيعا في “الوحدة 9900”. هذه الوحدة تُعد النخبة في مجال المعلومات الجيوفضائية، وهي المسؤولة عن تزويد الجيش بالصور ثلاثية الأبعاد وخرائط المسيرات المستخدمة في “الاغتيالات المستهدفة”.

إن نشر أسماء هؤلاء الضباط وبياناتهم الشخصية يعد ضربة قاصمة للأمن العملياتي؛ إذ تحول هؤلاء “الصيادون” الذين يديرون العمليات من خلف شاشاتهم إلى أهداف مكشوفة وملاحقة رقمياً، مما أفقد الوحدة هيبتها السرية وأربك حسابات المؤسسة العسكرية التي باتت تخشى على سلامة ضباطها وعائلاتهم.

ولم تقتصر الحرب على الجبهة العسكرية، بل شملت تصفية الحسابات مع الأذرع الإعلامية؛ حيث أعلنت مجموعة “حنظلة” عن اختراق كامل لشبكة “إيران إنترناشيونال” وموقع “إيران واير”، واستخرجت قوائم كاملة بأسماء المراسلين والمتعاونين والمصادر الميدانية. 

هذا النوع من العمليات يهدف إلى تجفيف منابع المعلومات الاستخباراتية التي تختبئ خلف الستار الإعلامي، وكشف هوية “أصحاب النفوذ” العاملين لصالح الأجهزة الغربية، مما يحول الفضاء السيبراني إلى أداة تصفية حسابات سياسية واستخباراتية واسعة النطاق.

Image

دماء أطفال “ميناب”: ضرب العمق الرقمي الإسرائيلي 

في تطور ميداني لافت يعكس انتقال الصراعات الإقليمية إلى الفضاء السيبراني، أعلنت مجموعة “حنظلة” عن تنفيذ هجوم إلكتروني واسع النطاق استهدف البنية التحتية الرقمية لـ 27 شركة إسرائيلية. الهجوم الذي وُصف بـ “التحذير الأولي”، لم يقتصر على التعطيل الفني فحسب، بل حمل رسائل سياسية وإنسانية حادة ربطت بين الفضاء الرقمي وأحداث ميدانية دامية.

أوضحت مجموعة “حنظلة” في بيان رسمي أن هذا الهجوم يأتي كرد فعل مباشر على ما وصفته بـ “جريمة ميناب التي لا تُنسى، مؤكدة أن “صوت أطفال ميناب” كان الدافع الأساسي وراء اختراق وتشويه  المواقع الإلكترونية التابعة للشركات الإسرائيلية. وجاء في نص بيان المجموعة الذي نقلته وسائل إعلام دولية أن دماء أطفال ميناب لن تُنسى؛ كانوا صغاراً، لكن انتقامهم سيكون كبيراً.

وبحسب التقارير التقنية، فإن العملية تضمنت اختراق قواعد بيانات حساسة وتغيير واجهات المواقع الرسمية للشركات المستهدفة، في خطوة يراها مراقبون محاولة لفرض معادلة “الردع الرقمي”. وتأتي هذه التطورات في وقت تشهد فيه المنطقة توترات متصاعدة، حيث باتت المجموعات السيبرانية تلعب دوراً محورياً في تسليط الضوء على القضايا الإنسانية عبر استهداف المصالح الاقتصادية والتقنية للأطراف الفاعلة.

Image

اعترافات العجز واستمرار الحرب في زمن “الهدنة”

تجمع كافة المعطيات على حقيقة مرة يقر بها المسؤولون الإسرائيليون: لا يوجد وقف إطلاق نار في الفضاء السيبراني. كان قد أقر “يوسي كارادي”، رئيس الإدارة الوطنية للأمن السيبراني الإسرائيلي، بأن الكابوس بات متبادلا، واصفا حالته بعبارة صريحة: “أنا لا أنام ليلا”، كاشفا عن وجود 20 مجموعة هجومية إيرانية تعمل باستمرار وبمشاركة مئات الهاكرز المحترفين لاستهداف قطاعات الطاقة والمياه والمال.

وتشير الإحصائيات إلى أن الهجمات السيبرانية تتضاعف في الأيام التي تلي إعلان أي هدنة عسكرية ميدانية، مما يعني أن الفضاء الرقمي هو الساحة التي لا تلتزم بحدود جغرافية أو اتفاقات دبلوماسية. إن الصمت الرسمي الأمريكي والإسرائيلي حيال العديد من هذه الهجمات يقابله استعراض قوة سيبراني إيراني يهدف إلى إثبات الندية وفرض قواعد اشتباك جديدة.

Image

نحو عقيدة عسكرية رقمية

في الختام، يظهر هذا التحليل الشامل أن ما نراه من هجمات صاروخية أو تحركات بحرية ليس إلا قمة جبل الجليد. أما الجزء الأكبر والأخطر، فهو تلك الحرب القائمة بين “الظلال الرقمية”؛ حيث تسعى كل قوة لفرض هيمنتها عبر الكود والبرمجيات الخبيثة.

لقد أعادت الحرب السيبرانية تعريف مفهوم “القوة”؛ فبينما كانت الجيوش تُقاس بعدد الدبابات والمدافع، باتت اليوم تُقاس بصلابة جدران حمايتها الرقمية وقدرة مهندسيها على اختراق “خوادم” القيادة لدى الخصم. إن وصول المجموعات الهجومية إلى أسرار رئيس الأركان الإسرائيلي وضباط وحدات الاغتيال، يقابله التسلل الصامت للولايات المتحدة في أعماق الشبكة الإيرانية، يؤكد أننا أمام حرب استنزاف طويلة الأمد لن تنتهي بتوقيع المعاهدات.

يبقى السؤال الكبير: هل ستؤدي هذه الهجمات السيبرانية في النهاية إلى ردود فعل عسكرية تقليدية شاملة ، أم أنها ستبقى “صمام أمان” يفرغ شحنات الغضب والتوتر بين القوى المتصارعة بعيدا عن الانفجار الكبير؟ الأكيد هو أن المعركة القادمة ستُحسم في غرف السيرفرات المظلمة، وأن “ساعات الرعب” التي يعيشها قادة السايبر هي الدليل الأكبر على أن الكود البرمجي بات أمضى من السيف في صياغة موازين القوى في الشرق الأوسط.

كلمات مفتاحية: