- زاد إيران - المحرر
- متميز
- 800 Views
في إيران، لا تقتصر مراكز القوة على مؤسسات الدولة التي نص عليها الدستور أو يهيمن عليها المرشد الأعلى بصفته صاحب الولاية المطلقة، بل هناك شبكة موازية من النفوذ تمتد في عمق المجتمع عبر مراجع التقليد. هؤلاء المراجع، الذين يتوزعون بين قم ومشهد داخل إيران، وبين النجف في العراق، لا يشكلون فقط رموزا دينية يستفتى رأيهم في شؤون الحلال والحرام، بل يمثلون قوة اقتصادية واجتماعية وسياسية متكاملة، تتجاوز في بعض الأحيان قدرة الدولة نفسها على فرض قراراتها.
تعود قوة هذه المرجعيات إلى قاعدة جماهيرية عريضة من المقلدين الذين لا يترددون في الالتزام بفتاوى مراجعهم، حتى وإن تعارضت مع توجهات السلطة. والأهم من ذلك، أن هذه المرجعيات تتمتع بموارد مالية ضخمة تتدفق عبر نظام الخمس والزكاة والتبرعات، ما يمنحها استقلالية اقتصادية قل نظيرها في العالم الإسلامي، ويتيح لها بناء مؤسسات تعليمية وخيرية وإعلامية تجعلها لاعبا حاضرا في كل تفاصيل الحياة الإيرانية.
هذا التحقيق يحاول أن يفتح واحدة من أكثر الملفات حساسية في المشهد الإيراني، هل يعيش الإيرانيون في ظل دولة داخل الدولة؟ وهل استطاع نظام ولاية الفقيه أن يخضع هذه المرجعيات لسلطته، أم أنه مضطر للتعايش مع قوة دينية مالية يصعب ترويضها؟ من خلال تتبع جذور المؤسسة المرجعية، ومواردها الاقتصادية، وأساليب توظيف خطابها الديني، وصولا إلى علاقتها الملتبسة مع النظام السياسي، سنحاول تفكيك شبكة النفوذ التي تجعل من مراجع التقليد شركاء خفيين وربما منافسين في صناعة القرار الإيراني.
جذور المؤسسة المرجعية
عند محاولة فهم النفوذ الذي يتمتع به مراجع التقليد في إيران اليوم، لا بد من العودة إلى الجذور التاريخية التي أسست لهذا الدور، فالمرجعية الشيعية لم تولد مع الثورة الإسلامية عام 1979، بل تمتد إلى قرون سابقة، عندما تشكلت الحوزات العلمية كمراكز للتعليم الديني، وأخذ العلماء على عاتقهم مسؤولية الإفتاء وتوجيه المجتمع، ومع مرور الوقت، تطورت المرجعية إلى مؤسسة متكاملة تمثل القيادة الدينية العليا، وتستمد قوتها من عنصرين أساسيين وهما الثقة الشعبية والاستقلال المالي.
في مدينة النجف العراقية، والتي تدعى النجف الأشرف عند عموم الشيعة وكانت المركز الأبرز للحوزة الشيعية على مدى قرون، تبلورت فكرة مرجع التقليد كقائد ديني يتبعه المقلدون، التابعون، في شؤون حياتهم اليومية والفقهية. هذا الموقع لم يكن منصبا رسميا تمنحه الدولة، بل مكانة اجتماعية تفرضها مكانة العالم نفسه وكفاءته العلمية، وهو ما منح المرجعية نوعا من الشرعية الطبيعية، بعيدة عن تدخل الأنظمة السياسية. ومع انتقال الثقل تدريجيا إلى مدينة قم الإيرانية خلال القرن العشرين، بدأت المرجعية تأخذ طابعا أكثر تنظيما، حيث تحولت الحوزة القمية، أي بمدينة قم، إلى مركز رئيسي لتخريج علماء الدين وصناعة المراجع.
قبل انتصار الثورة، كانت المرجعية تعد سلطة أخلاقية ومجتمعية مؤثرة، لكنها لم تكن جزءا من الدولة بشكل مباشر، روح الله الخميني نفسه، وهو قائد الثورة ومؤسس الجمهورية بصيغتها الإسلامية، كان نتاج هذه المدرسة المرجعية، لكنه حمل مشروعا مختلفا، إذ لم يكتف بدور المرجع التقليدي، بل طرح نظرية ولاية الفقيه التي تمنح رجل الدين ولاية سياسية مباشرة، وبهذا المعنى، مثل الخميني نقطة التحول التي دفعت المرجعية إلى قلب المعادلة السياسية.
لكن المفارقة أن هذا التحول لم يلغ استقلالية المراجع الآخرين، فبينما أصبح المرشد الأعلى، الولي الفقيه، يمثل المرجعية السياسية العليا، ظل هناك مراجع كبار يرفضون الانضواء الكامل تحت عباءته، متمسكين بدور المرجع التقليدي الذي يستند إلى الشرعية الفقهية والجماهيرية فقط، ومن هنا بدأت العلاقة المعقدة بين النظام السياسي والمرجعيات، علاقة قائمة على التعاون حينا والصدام حينا آخر.
اليوم، ورغم مرور أكثر من أربعة عقود على الثورة، ما زالت المؤسسة المرجعية تحتفظ بجذورها التقليدية التي تمنحها استقلالا عن الدولة، هذه الجذور التاريخية تفسر كيف استطاع المراجع بناء سلطتهم الموازية، وكيف تحولت الحوزات الدينية إلى ما يشبه الدولة المستقلة داخل المجتمع الإيراني، بعلمائها وطلابها ومؤسساتها ومصادر تمويلها.
أهم رجال المرجعية الذين مروا على إيران
إن تاريخ المرجعية في إيران هو تاريخ رجال تركوا بصمتهم في وجدان المجتمع الإيراني، وصاغوا بفتاواهم ومواقفهم مسارات سياسية واجتماعية ودينية، فمنذ القرن التاسع عشر، ومع انتقال ثقل الحوزات العلمية من النجف وكربلاء إلى قم وأصفهان وكاشان، أخذت المرجعية الإيرانية تبني لنفسها حضورا متمايزا، ليتحول بعض فقهائها إلى رموز عابرة للحدود.
من أوائل الأسماء التي لا يمكن تجاوزها هو الشيخ مرتضى الأنصاري، الذي يعد المؤسس الحقيقي للفقه الإمامي المعاصر، ورغم أن مدرسته تركزت في النجف، إلا أن معظم تلامذته الذين حملوا إرثه كانوا من الإيرانيين، وضع الأنصاري قواعد علم الأصول الحديثة، وبفضله صار التقليد الفردي مرتبطا بمؤسسة كبرى قادرة على إنتاج فقهاء من طراز سياسي وفكري مؤثر.
بعده برز ميرزا حسن الشيرازي، الذي رسخ فكرة المرجعية بوصفها سلطة اجتماعية وسياسية، ففتواه الشهيرة عام 1891 بتحريم التبغ، لم تكن مجرد حكم شرعي، بل تحولت إلى حركة احتجاج شعبية شلت الاقتصاد الإيراني، وأجبرت الشاه ناصر الدين القاجاري على التراجع عن امتياز التنباك الممنوح لشركة بريطانية، بهذا الفعل، صار المرجع الديني لاعبا سياسيا أساسياً، وفتحت التجربة الباب أمام تدخل المراجع في القضايا الوطنية.
ومع مطلع القرن العشرين، ظهر محمد كاظم الخراساني، الذي لقب بالآخوند، مرجع الحركة الدستورية في إيران، أحد الحركات الثورية التي قامت في إيران، فمن مقره في النجف، أصدر بيانات وخطابات تدعو لتقييد سلطة الشاه بدستور يضمن مشاركة الأمة. دعمه لحركة المشروطية جعل منه رمزا للفقيه الإصلاحي الذي يرى في الدستور وسيلة لتحقيق العدالة، وقد دفع حياته ثمنا لذلك حيث توفي في ظروف غامضة عشية دخول القوات الروسية إلى طهران.
لاحقا، ومع أفول القاجاريين وصعود الأسرة البهلوية، كان لا بد للمرجعية من إيجاد قاعدة جديدة داخل إيران نفسها، وهنا يبرز اسم عبد الكريم الحائري اليزدي الذي أسس الحوزة العلمية في قم عام 1922، فبفضل جهوده، أصبحت قم المركز العلمي الأول للفقهاء الإيرانيين، ومن رحمها خرجت المرجعيات الكبرى المعاصرة، كما ركز الحائري على التعليم وضبط الحوزة، مبتعدا عن الصدام السياسي المباشر، لكنه وضع الأساس لمؤسسة ستتحكم لاحقا بمسار البلاد.
وفي النصف الأول من القرن العشرين، صعد نجم حسين البروجردي الذي ورث الحوزة بعد الحائري، وصار المرجع الأعلى بلا منازع، وقد عرف بصرامته العلمية وبمحاولاته لتوحيد خط التقليد الشيعي تحت قيادته، في عهده، تعاظمت مكانة قم كمركز عالمي، وأقيمت جسور مع الأزهر في القاهرة بفضل جهوده في الحوار السني الشيعي، كان البروجردي آخر المراجع الكبار الذين فضلوا الابتعاد عن السياسة اليومية، مكتفيا بالتأثير الهادئ في المجتمع.
بعد وفاة البروجردي، توزعت المرجعية بين عدة شخصيات، أبرزهم روح الله الخميني، فرغم بدايته كأستاذ في الفقه والأصول، فإن الخميني سرعان ما تحول إلى مرجع ثوري بامتياز، خطبه وكتبه، خصوصا حول ولاية الفقيه، ألهمت جيلا جديدا من الإسلاميين، وكان لفتاواه ومواقفه الدور الحاسم في تعبئة الشارع ضد نظام الشاه، وصولا إلى ثورة 1979، وقد جمع الخميني بين المرجعية والكاريزما السياسية، وترك أثرا لا يزال يحدد شكل المرجعية الإيرانية حتى اليوم.
في موازاة الخميني، كان هناك مراجع كبار آخرون مثل كاظم شريعتمداري الذي مثل تيارا أكثر اعتدالا، ودعا إلى إصلاحات دستورية بدلا من الثورة، ورغم مكانته العلمية، فإن الصراع مع الخميني أضعف موقعه وانتهى بعزله من المرجعية، كذلك برز حسين علي منتظري أحد كبار تلامذة الخميني، الذي كان مرشحا لخلافته، لكنه دخل في صدام مع النظام لاحقا بسبب مواقفه الحقوقية وانتقاداته للإعدامات السياسية.
أما في العقود الأخيرة، فقد ظهر جيل جديد من المراجع، من بينهم محمد رضا الكلبايكاني الذي كان له حضور قوي بعد وفاة الخميني، وكذلك محمد فاضل اللنكراني الذي عرف بفتاواه المحافظة، إلى جانبهم برزت أسماء مثل ناصر مكارم الشيرازي الذي اشتهر بكتاباته الفقهية المبسطة وفتاواه المثيرة للجدل، خصوصا في قضايا الإنترنت والحداثة.
ومن المراجع الذين تمتعوا بمكانة خاصة لدى طلاب الحوزة والجمهور هو لطف الله صافي كلبايكاني، الذي تميز بمواقفه الناقدة لبعض سياسات الدولة، مع حرصه على البقاء داخل الإطار التقليدي للمرجعية، كذلك حسين وحيد الخراساني الذي يعتبر اليوم من أعمق الفقهاء نظريا وأكثرهم تأثيرا داخل الأوساط الحوزوية، وإن كان بعيدا نسبيا عن الأضواء الإعلامية.
وفي الوقت الراهن، يظل المشهد المرجعي الإيراني متعدد الأقطاب، فبعض المراجع يختار القرب من مؤسسات الدولة مثل نوري همداني، بينما يصر آخرون على الاستقلال مثل وحيد الخراساني، لكن القاسم المشترك بينهم أنهم يمثلون امتدادا لتقليد طويل من الفقهاء الذين لم يكتفوا بالاجتهاد في النصوص، بل صاغوا بفتاواهم تاريخ إيران السياسي والاجتماعي.
العلاقة بين المراجع والنظام السياسي
كما ذكرنا، فمنذ قيام الجمهورية بصورتها الحالية، ظلت العلاقة بين المراجع والنظام السياسي علاقة شديدة الالتباس، تقوم على مزيج من التعاون والصراع المكتوم. فالنظام الذي أسسه الخميني جعل من ولاية الفقيه المرجعية العليا للدولة، واضعا المرشد في قمة هرم السلطة باعتباره الفقيه الجامع للشرائط الذي يحتكر القرار السياسي والديني معا، ومع ذلك، فإن المراجع الآخرين لم يذوبوا في هذا الإطار، بل حافظوا على مكانتهم التقليدية كمرجعيات مستقلة، وهو ما خلق ثنائية سلطة قلّ نظيرها في العالم الإسلامي.
أدرك النظام الإيراني حينها أن شرعيته الدينية تحتاج إلى غطاء واسع من المؤسسة المرجعية، لذلك، نراه فيما بعد يلجأ في كثير من المناسبات إلى الاستعانة بمواقف المراجع لتبرير سياساته، سواء في الداخل أو الخارج، فخلال الحرب العراقية الإيرانية مثلا، شكل الدعم العلني لبعض المراجع غطاء شرعيا لتعبئة المجتمع وإرسال آلاف الشباب إلى جبهات القتال. وفي مراحل التوتر مع الغرب، لم يتردد النظام في الترويج لخطابات مراجع متشددة تدعو إلى الصمود والرفض، باعتبارها سندا دينيا يقيّد أي معارضة داخلية.
لكن في المقابل، هناك لحظات تظهر فيها استقلالية المراجع بشكل واضح، بل وتتحول إلى مصدر إزعاج للسلطة. فبعض المراجع البارزين في قم أو النجف لم يترددوا في انتقاد سياسات الدولة الاقتصادية أو الاجتماعية، مثل محمد صادق الروحاني، الذي انتقد أوضاع إيران بعد الحرب، فيما برزت مواقف لافتة لمراجع كبار رفضوا الانخراط الكامل في مشروع ولاية الفقيه، مثل كاظم شريعتمداري، متمسكين بالتصور التقليدي لدور المرجع كقائد ديني لا سياسي. هذا الرفض وإن لم يصل إلى حد المواجهة المباشرة، إلا أنه يترك أثرا بالغا في الشارع الإيراني، خاصة لدى المقلدين الذين قد يختارون الالتزام بفتوى مرجعهم، حتى لو تعارضت مع قرارات الحكومة.
من جانب آخر، حاول النظام مرارا تطويق استقلالية المرجعية عبر أدوات متعددة، حيث أنشأ مؤسسات رسمية مثل منظمة الأوقاف ومؤسسة الحوزات العلمية، في محاولة لوضع اليد على موارد المرجعية وتنظيمها. لكنه لم ينجح كليا، إذ ظلت مكاتب المراجع الكبرى في قم والنجف تملك شبكاتها المالية الخاصة التي يصعب إخضاعها للرقابة، هذه الازدواجية المالية انعكست في شكل ازدواجية سياسية، حيث يمكن للمرجع أن يمارس ضغوطًا غير مباشرة على الدولة من خلال مؤسساته ومقلديه.
الأكثر حساسية هو أن بعض المراجع ينظر إليهم كبدائل محتملة للولي الفقيه نفسه، ففي كل مرة يثار النقاش حول خلافة المرشد الأعلى، تعود أسماء مراجع كبار إلى الواجهة، بما يعكس أن المرجعية ليست مجرد سند للنظام، بل مصدر قلق محتمل يهدد تماسكه، ولعل هذا ما يفسر حرص القيادة الإيرانية على إبقاء علاقة الود الحذر مع المراجع، الاستفادة من شرعيتهم حينا، ومراقبة استقلاليتهم بحذر شديد حينا آخر.
هذه العلاقة الملتبسة تجعل من المرجعية سلطة موازية يصعب على النظام الاستغناء عنها أو السيطرة الكاملة عليها، فهي بمثابة الحليف والخصم في آن واحد: تمنحه الشرعية عند الحاجة، لكنها تذكّره دائمًا بأن هناك قوة أخرى في قلب المجتمع الإيراني قادرة على سحب البساط من تحت قدميه إذا ما قررت أن تلعب دورها المستقل.
المرجعيات كمؤسسات مالية واقتصادية
لا يمكن فهم قوة المرجعية الدينية في إيران دون التوقف عند البعد المالي الذي يمنحها استقلالا قل نظيره، فالمراجع ليسوا موظفين يتقاضون رواتب من الدولة، بل يقفون على رأس منظومة اقتصادية موازية تستند إلى نظام ديني اجتماعي راسخ، وهي الخمس والزكاة والتبرعات.
الخمس، وهو فرض ديني يقضي بدفع خمس الفائض من الأرباح إلى المرجع أو من ينوب عنه، يشكل الركيزة المالية الأهم للمرجعية، حيث يلتزم ملايين المقلدين في إيران وخارجها بهذا الواجب الشرعي، مما يدر ملايين الدولارات سنويا على مكاتب المراجع، إلى جانب ذلك، هناك أموال الزكاة والتبرعات والنذور والوصايا التي تصرف لصالح مؤسسات الحوزة، إضافة إلى شبكة واسعة من الأوقاف التي تملك أراض شاسعة وعقارات ومراكز تجارية.
هذه الموارد الضخمة لا تبقى جامدة في خزائن المراجع، بل تستثمر في مجالات متعددة كالمؤسسات تعليمية بمئات المدارس والحوزات الدينية التي تستقطب آلاف الطلبة، والمؤسسات خيرية، كالمستشفيات، جمعيات إغاثة، مراكز دعم للفقراء والأيتام، والمؤسسات الإعلامية، كالصحف، قنوات تلفزيونية، إذاعات ومواقع إلكترونية تروج للخطاب المرجعي، وأيضا في الاستثمارات الاقتصادية، مثل المشاريع العقارية والزراعية والتجارية التي تدر أرباحا مستمرة تعزز استقلال المرجعية.
هذه الشبكة المالية جعلت المرجعية لاعبا لا يقل أهمية عن الدولة نفسها، ففي الوقت الذي تعتمد فيه الحكومة الإيرانية على الضرائب وعائدات النفط، يعتمد المراجع على تدفقات مالية مستقلة، غير خاضعة لرقابة البرلمان أو مؤسسات المحاسبة الرسمية. وهذا ما يمنحهم حرية حركة واسعة، ويجعلهم بمنأى عن أزمات الاقتصاد الحكومي أو العقوبات الدولية.
الأخطر أن هذه الاستقلالية المالية تتحول إلى نفوذ سياسي غير مباشر، فالمراجع الذين يملكون القدرة على تمويل آلاف الطلبة والمؤسسات قادرون على إنتاج خطاب ديني مؤثر، وصناعة قاعدة اجتماعية صلبة تدافع عنهم وتتبنى مواقفهم. كما أن هذه الأموال تتيح لهم التوسع في الخارج، حيث تُرسل المساعدات إلى المجتمعات الشيعية في لبنان والعراق وأفغانستان والخليج، ما يمنح المرجعية بعدا عابرا للحدود.
الخطاب الديني كأداة سياسية
إذا كانت الموارد المالية تمنح المراجع استقلالا اقتصاديا، فإن الخطاب الديني هو سلاحهم الأشد تأثيرا في المجال السياسي، فالمرجع لا ينظر إليه فقط باعتباره عالمًا في الفقه والشريعة، بل كصوت يمتلك القدرة على توجيه المجتمع، وتحريك ملايين المقلدين وفق ما يصدر عنه من فتاوى وخطابات.
في إيران، يتضح هذا الدور بجلاء خلال الانتخابات البرلمانية والرئاسية، فالكلمة التي تصدر عن مرجع تقليد بارز يمكن أن تحسم توجهات كتلة واسعة من الناخبين، وبينما يلتزم بعض المراجع بالحياد، آخرين لا يترددون في إبداء الرأي الصريح، سواء بالدعوة إلى المشاركة الكثيفة لتثبيت شرعية النظام، أو بالتحذير من المرشحين الذين يرونهم خطرا على القيم الدينية. وهكذا، يصبح صوت المرجع أحيانا أكثر تأثيرا من الحملات الانتخابية الرسمية.
الأمر نفسه ينسحب على ملفات السياسة الخارجية، خصوصا الموقف من التفاوض مع الغرب، ففي حين يميل النظام الإيراني إلى استخدام المفاوضات كأداة تكتيكية، يذهب بعض المراجع إلى التشديد على ضرورة الحذر من خداع الغرب، في مقابل أصوات مرجعية أخرى تتحدث عن أن الانفتاح ليس من المحرمات إذا كان في مصلحة الأمة، هذا التباين يجعل الخطاب المرجعي عاملًا مؤثرًا في صياغة المزاج الشعبي، وبالتالي يقيّد هامش حركة السلطة السياسية.
ولا يقتصر تأثير المرجعيات على الشأن السياسي المباشر، بل يمتد إلى القضايا الاجتماعية والثقافية، ففتاوى المراجع بشأن الحجاب، والفنون، والإنترنت، والاختلاط كثيرا ما تحدد اتجاهات الدولة أو تضطرها إلى مراجعة سياساتها، حين يصدر مرجع كبير فتوى ضد ظاهرة اجتماعية معينة، غالبا ما تتحرك السلطات لإظهار التماهي مع موقفه، خشية أن يفسر صمتها على أنه تحد للشرعية الدينية.
إضافة إلى ذلك، يتخذ الخطاب المرجعي أحيانا طابعا تعبويا مباشرا، كما حدث في فترات الحرب أو الأزمات الوطنية، حيث وظّف بعض المراجع خطابهم لحشد المقاتلين أو تشجيع الصمود الاقتصادي. في المقابل، هناك حالات لجأ فيها مرجع إلى توجيه نقد علني لسياسات الدولة، ما أدى إلى ارتباك في مؤسسات الحكم.
باختصار، الخطاب الديني ليس مجرد وعظ وإرشاد، بل أداة سياسية فاعلة تُستخدم في رسم مواقف الرأي العام، وتحديد العلاقة بين المجتمع والسلطة. وهو ما يجعل المرجعية قادرة على لعب دور “البرلمان الموازي” الذي لا يُنتخب بالاقتراع، لكنه يحكم بفتوى يلتزم بها ملايين الأتباع.
تناقض مرجعية قم والنجف
حين نتأمل المشهد الديني والسياسي في إيران والعراق، يتضح أن التناقض بين مدرستي قم والنجف ليس مجرد اختلاف جغرافي، بل هو صراع فكري فقهي انعكس بقوة على الداخل الإيراني، فقم، بما تمثله من قرب جغرافي وسياسي من مؤسسات الدولة الإيرانية، باتت الحاضنة الطبيعية لفكرة ولاية الفقيه التي طرحها الخميني، بينما احتفظت النجف بمرجعيتها التاريخية المستقلة، رافضة إدخال الفقيه في لعبة الحكم المباشر، هذا التباين أوجد شرخا عميقا، ربما في الداخل الحوزوي أكثر مما هو على السطح، في فهم دور المرجعية، وخلق حالة من التنافس على الشرعية داخل العالم الشيعي.
ففي قم، ينظر إلى المرجع على أنه شريك للنظام، بل أحيانا يستخدم كذراع شرعية تساند سياسات الدولة. المراجع القميون الذين اقتربوا من دوائر السلطة استفادوا من الدعم الرسمي، وحصلوا على نفوذ واسع داخل إيران، وفي المقابل، قدموا للنظام ما يحتاجه من غطاء ديني لتثبيت شرعيته أمام الشعب، بهذا الشكل، أصبحت قم مرجعية مؤمنة سياسيا، أقرب إلى الدولة العميقة منها إلى المرجعية التقليدية المستقلة.
أما النجف، بقيادة شخصيات بارزة مثل السيد علي السيستاني، فقد اختارت طريقا مختلفا، فالمرجعية النجفية لطالما رفضت الانخراط المباشر في الحكم، متمسكة بفكرة أن وظيفة المرجع هي توجيه المجتمع أخلاقيا ودينيا، لا إدارة الدولة سياسيا، هذا الموقف لا يعني غياب التأثير السياسي، بل على العكس، السيستاني مثلا لعب دورا محوريا في العراق بعد 2003، لكن من موقع المرجعية المستقلة التي تتدخل فقط عند الضرورة الوطنية الكبرى، لا من خلال مؤسسات الدولة.
هذا التناقض بين قم والنجف انعكس بوضوح على الداخل الإيراني، فبينما تحاول الدولة الإيرانية فرض ولاية الفقيه باعتبارها المرجعية الوحيدة الشرعية، هناك شريحة من المجتمع الشيعي في إيران، خاصة في المحافظات الحدودية والمناطق ذات الروابط التاريخية مع العراق، تفضل تقليد مراجع النجف. هذا الخيار الديني يحمل في طياته موقفا سياسيا ضمنيا، إذ يعني أن هناك قطاعات من الإيرانيين لا ترى في المرشد الأعلى السلطة المطلقة، بل تعتبره واحدا من عدة مراجع، لا أكثر.
النظام الإيراني ينظر بعين الريبة إلى هذا الميل الشعبي تجاه النجف، لأنه يقوض احتكار الشرعية الدينية الذي تسعى إليه ولاية الفقيه، فالتقليد النجفي، بطابعه المستقل، يزرع فكرة أن الإسلام الشيعي لا يقتصر على النموذج الإيراني، وأن المرجعية يمكن أن تكون قوية ومؤثرة من دون أن تتورط في الحكم المباشر، هذا التناقض يفتح الباب أمام تساؤلات خطيرة، فماذا لو ازداد نفوذ مرجعية النجف بين الإيرانيين؟ هل سيؤدي ذلك إلى إضعاف ولاية الفقيه من الداخل؟
من جانب آخر، تستغل المعارضة الإيرانية هذا التباين لتقويض شرعية النظام، فهي تشير، حتى لو همسا، إلى أن النجف يمثل النموذج الأصلي والأكثر أصالة للمرجعية، وأن قم ليست سوى نسخة مسيسة خضعت لمتطلبات السلطة. هذا الخطاب يجد صداه لدى قطاعات من المثقفين والناشطين، الذين يرون أن احتكار الدين عبر ولاية الفقيه يخالف روح المرجعية الشيعية التاريخية.
إذن، التناقض بين قم والنجف ليس مجرد اختلاف فقهي، بل صراع على النفوذ والشرعية، قم تمثل المرجعية الرسمية ، أو شبه الرسمية، التي تتماهى مع الدولة، بينما تمثل النجف المرجعية المستقلة التي تذكر دائما بأن الدين أوسع من أن يختزل في مؤسسة سياسية واحدة. هذا الصراع المستتر يظل عاملا مؤثرا في توازنات الداخل الإيراني، وقد يتحول في لحظة ما إلى تحدٍ وجودي لولاية الفقيه إذا ما توسع نطاق تقليد النجف داخل إيران.
المواطن بين الدولة والمرجعية
في قلب هذا المشهد المليء بالتشابكات، يبقى المواطن الحلقة الأهم والأضعف في آن واحد، فهو الذي يعيش يوميا نتائج الصراع بين سلطة الدولة وسلطة المرجعية، وهو الذي يضطر إلى الموازنة بين طاعة القانون باعتباره ملزما رسميا، وبين الالتزام بفتوى المرجع باعتبارها أمرا دينيا لا يرد، هذه الازدواجية لا تترجم فقط في مساحة الفكر أو الاعتقاد، بل تتحول إلى واقع عملي يفرض نفسه على تفاصيل حياة الإيرانيين من المهد إلى اللحد.
أول ما يواجه المواطن هو ازدواجية الطاعة، من جهة، الدولة تفرض قوانينها بصرامة، سواء عبر القضاء أو الشرطة أو مؤسسات الرقابة؛ ومن جهة أخرى، المرجع يحدد عبر فتاواه ما يجوز وما لا يجوز، في قضايا قد لا تلتقي مع القانون الوضعي أو الدستوري. فالمواطن إذن يتحرك على حبل مشدود، يخشى أن يخالف القانون الرسمي فيتعرض للعقوبة، أو يتجاوز فتوى المرجع فيشعر أنه ارتكب معصية تهدد مكانته الدينية والاجتماعية.
هذه الازدواجية تتجلى بوضوح في القضايا اليومية، ففي الزواج مثلا، قد تبيح القوانين المدنية زواجا معينا، لكن المرجع يرفضه لأسباب فقهية، فيجد المواطن نفسه مضطرا للامتثال لرأي المرجع حتى لا يتعرض لضغط أسرته ومجتمعه. وفي المواريث، قد تفرض الدولة نظاما محددا لتوزيع التركة، بينما يقدم المرجع تفسيرا فقهيا مختلفا يجعل العائلة أمام خيارين متناقضين، أما الضرائب، فهي نموذج صارخ للصدام، إذ تطلب الدولة دفع ضرائب على الدخل والأرباح، فيما يطلب المرجع إخراج الخُمس أو الزكاة من المال نفسه، ما يجعل المواطن يدفع مرتين، إحداهما للسلطة الرسمية والأخرى للسلطة الدينية. وحتى في القوانين المدنية، مثل القروض البنكية أو قوانين التأمين، يتردد المواطن بين الالتزام بالقرارات الحكومية أو اتباع فتاوى المرجع التي قد تحرم بعض هذه المعاملات.
وسط هذا الواقع، تبرز ظاهرة المقلدين باعتبارها كتلة اجتماعية وسياسية قائمة بذاتها، فالمقلدون ليسوا مجرد أفراد متدينين، بل هم جماعة منظمة تلتزم بفتاوى مرجع محدد، وتعتبر نفسها ملزمة أمام الله وأمام المجتمع باتباعه، هؤلاء يشكلون قوة ضغط هائلة على الدولة، إذ يمكن لأي فتوى من مرجع كبير أن تدفع مئات الآلاف إلى الامتناع عن قرار حكومي، أو حتى إلى التظاهر ضده. بهذا المعنى، يصبح المقلدون دولة غير مرئية داخل الدولة، لهم التزاماتهم المالية والدينية الخاصة، ولهم زعامتهم التي لا تخضع للانتخابات أو للدستور، بل لسلطة العلم الشرعي.
هذه الأمثلة لا تكشف فقط عن أزمة تطبيق القانون، بل تؤكد أن المواطن الإيراني يعيش يوميًا حالة انقسام في الولاء. فهو يتعامل مع الدولة كجهة رسمية تفرض العقوبة، ومع المرجع كجهة دينية تحدد مصيره الأخروي ومكانته في مجتمعه. وبين هذين القطبين، يتشكل نمط حياة قائم على الموازنة الدائمة بين الطاعة المزدوجة، بما يرهق المواطن ويضعه في دائرة الالتباس المستمر.
النتيجة أن المواطن الإيراني لا يمارس المواطنة بالمفهوم الحديث الذي يجعل الدولة المرجع الأعلى والوحيد، بل يعيش حالة مركبة من “المواطنة المزدوجة”: قانونية أمام الدولة، ودينية أمام المرجعية. وهذا ما يكرّس سلطة المراجع كدولة داخل الدولة، ويجعل الفرد عالقًا بين قوتين لا يستطيع الانفكاك منهما.
قراءة استقصائية.. هل المراجع دولة داخل الدولة؟
حين نتتبع خيوط النفوذ التي يملكها مراجع التقليد في إيران، سرعان ما نصطدم بشبكة متداخلة من المال والسياسة والدين، تشكل في مجموعها ما يشبه دولة موازية. فالمراجع ليسوا مجرد فقهاء يقدّمون الفتاوى، بل هم مدراء لمؤسسات مالية كبرى تستمد مواردها من الخُمس والزكاة والتبرعات، ولديهم مدارس حوزوية ضخمة في قم ومشهد، فضلا عن مستشفيات ومؤسسات خيرية وإعلامية تابعة لهم. هذه الشبكة تمنحهم سلطة تتجاوز سلطة الوعظ الديني، وتجعلهم قادرين على التأثير المباشر في الحياة العامة، من الاقتصاد إلى التعليم والإعلام.
هذا الحضور المكثف يثير مقارنة مع مفهوم الدولة العميقة الذي يستخدم في أدبيات السياسة لوصف القوى الموازية التي تتحكم في مفاصل الدولة دون أن تظهر رسميا في واجهة الحكم. المرجعية في إيران تؤدي وظيفة شبيهة، وإن بغطاء ديني، فهي لا تحتل موقعا رسميا في الدستور، باستثناء ولاية الفقيه، لكنها تتحرك كقوة فاعلة خلف الستار، تؤثر في الشارع وفي صناع القرار على حد سواء. الفرق الجوهري هنا أن الدولة العميقة في بلدان أخرى غالبا ما تكون مؤسسات أمنية أو عسكرية، أما في إيران فهي مؤسسة دينية تمتلك مواردها الخاصة وتستمد شرعيتها من العقيدة والفقه.
هذا النفوذ يطرح سؤالا جوهريا، إلى أي مدى يشكل المراجع تهديدا لولاية الفقيه نفسها؟ فعلى الرغم من أن الدستور حسم السلطة العليا بيد المرشد، فإن وجود مرجعيات مستقلة وقوية ماليا وشعبيا يجعل السلطة موزعة أكثر مما تبدو عليه، فولاية الفقيه تحتاج إلى غطاء المرجعية لتثبيت شرعيتها، لكنها في الوقت ذاته تخشى من استقلالية هذه المرجعيات وقدرتها على منافسة المرشد في التأثير على الرأي العام. هذا التوتر يظهر بوضوح في الفارق بين مرجعية قم، التي غالبا ما تكون أقرب إلى الدولة وأكثر اندماجا معها، ومرجعية النجف ذات الطابع المستقل، التي تحرص على البقاء خارج المعادلة السياسية الإيرانية لكنها تمثل نموذجا مقلقا لصناع القرار في طهران.
في ضوء هذا التحليل، يبدو أن المراجع لا يشكلون مجرد سلطة دينية تقليدية، بل بالفعل دولة داخل الدولة، بمواردها، وقواعدها الشعبية، وشبكاتها الاقتصادية والإعلامية، وقدرتها على التأثير في القرارات المصيرية. هذا الواقع يجعل أي محاولة لفهم السياسة الإيرانية ناقصة إذا لم تُقرأ بعين فاحصة لدور المراجع كفاعل مستقل وموازٍ لسلطة الدولة الرسمية.
شراكة قسرية وصراع مكتوم
يبقى السؤال المركزي الذي يفرض نفسه بعد تتبع خيوط هذا التحقيق من يحكم إيران فعلا؟ هل هي الدولة التي يمثلها النظام وولاية الفقيه، أم المرجعيات التقليدية التي تملك أدوات نفوذ لا تقل قوة وتأثيرا؟ الإجابة ليست حاسمة، لكنها تكشف عن واقع مركب تتعايش فيه سلطتان متوازيتان، الأولى دستورية رسمية، والثانية دينية اجتماعية، وكلتاهما تسعى إلى فرض السيطرة على المجتمع.
المرجعيات التقليدية لم تعد مجرد مؤسسات دينية تهتم بالشأن الفقهي والدعوي، بل تحولت إلى قوة اجتماعية واقتصادية وسياسية مكتملة الأركان، فهي تمتلك شبكة موارد مالية هائلة، وتدير مؤسسات تعليمية وإعلامية وخيرية، ولها جمهور واسع من المقلدين يشكلون قاعدة ضغط مستقلة، بهذا المعنى، فإن المراجع يمارسون دور الدولة داخل الدولة، قادرين على تعطيل أو تمرير قرارات كبرى، ومؤثرين في توجهات الرأي العام بشكل مباشر.
لكن العلاقة بين ولاية الفقيه وهذه المرجعيات تظل علاقة غامضة، فهي شراكة قسرية وصراع مكتوم في الوقت نفسه، النظام بحاجة إلى غطاء المرجعية لإضفاء الشرعية على سياساته، لكنه يخشى استقلاليتها وقدرتها على منافسته. أما المرجعية، فتحتاج إلى الدولة لضمان نفوذها العام، لكنها تحرص على إبقاء مسافة تحفظ لها استقلالها التقليدي. هذا التوازن الهش بين الطرفين هو ما يجعل النظام الإيراني فريدًا في بنيته، ومليئًا بالتناقضات التي قد تتحول في أي لحظة إلى صدام علني.
إن استمرار هذه الثنائية بين سلطة الدولة وسلطة المرجعية سيبقى أحد أسرار بقاء النظام أو بوادر انهياره المحتملة، فإما أن يظل التعايش قائما في إطار تقاسم النفوذ، أو ينفجر الصراع حين يعجز أحد الطرفين عن ضبط الآخر، في النهاية، يظل مستقبل إيران مرهونا بقدرة هذا التوازن على الصمود في وجه الأزمات الداخلية والتحديات الخارجية.

