انتقادات قانونية وأخلاقية لأساليب نقل السجناء السياسيين

يعود ملف المعتقلين السياسيين في إيران إلى الواجهة مجددا مع نقل مجموعة منهم من سجن طهران الكبير إلى سجن إيفين، بعد فترة مؤقتة قضوها بعيدا عن إيفين عقب هجوم إسرائيلي على الأخير، عملية النقل التي أثارت موجة من الجدل والقلق في الأوساط الحقوقية والسياسية لتطرح تساؤلات حول أسباب النقل وظروفه، خاصة مع انتشار تقارير وشهادات حية عن سوء المعاملة والاعتداءات التي تعرض لها المعتقلون أثناء عملية النقل.

السياق الأمني والسياسي لنقل المعتقلين

كان قرار نقل المعتقلين السياسيين من سجن إيفين إلى سجن طهران الكبير قد جاء كإجراء أمني اضطراري عقب الهجوم الإسرائيلي على سجن أوين في 23 يونيو/حزيران 2025 حيث أصابت المقذوفات الإسرائيلية المباني الإدارية، وقاعة الزيارات، والمستوصف داخل السجن، وتسببت موجة الانفجار في أضرار بشرية ومادية للمباني المجاورة راح ضحيتها 79، من بينهم موظفون إداريون في السجن، وجنود احتياط، وسجناء مدانون، وعائلات السجناء التي جاءت للزيارة أو متابعة القضايا القضائية، وسكان المناطق المجاورة للسجن.

هذا فيما أكدت السلطات القضائية حينها أن هذا النقل تم تحت ضغوط الظروف الاستثنائية والظروف القسرية الناتجة عن الأزمة الأمنية.

بعدها أمرت السلطة القضائية، الجمعة 8 أغسطس/آب 2025، بإعادة السجناء إلى محبسهم في سجن إيفين، حيث أصدرت إدارة العلاقات العامة لمصلحة السجون في محافظة طهران بيان رسميا السبت 9 أغسطس/آب 2025، تقول فيه: “بتوجيهات رئيس السلطة القضائية وبجهود ليلية ويومية ومنظمة لسجون وقوى الحماية والاستخبارات في السلطة القضائية، وبمساندة النيابة العامة في طهران ومراقبة لجنة حقوق الإنسان، تم خلال أقل من شهر ونصف إزالة الأنقاض من السجن بعد الهجوم الإسرائيلي على السجناء، وأُعد مقر جديد لإيواء النزلاء”.

ولكن لم تكن عملية النقل لتمر بسلام، حيث صرحت عائلات بعض السجناء السياسيين بأن عملية النقل ترافقت مع ضرب وتعنيف، الأمر الذي نفته إدارة العلاقات العامة في بيانها مؤكدة أن النقل تم وفق القوانين المعمول بها، واصفة الحملة الإعلامية بأنها فشل جديد لنظام الاحتلال الصهيوني هذه المرة في القصف الدعائي ضد السجن.

زوجة تاج زادة تطالب بالتحقيق في اعتداءات السجن

بهذا الشأن، دعت فخر السادات محتشمي بور، زوجة المعتقل السياسي مصطفى تاج زادة، السلطة القضائية إلى التدخل العاجل في قضية الاعتداء على السجناء السياسيين أثناء نقلهم من سجن طهران الكبير إلى سجن إيفين، مطالبة بضرورة مشاهدة تسجيلات كاميرات المراقبة التي توثق الحادثة كاملة، وعدم الإكتفاء بالفيديوهات التي نشرت مؤخرا والتي تظهر فقط لحظة دخول السجناء إلى القسم 7 دون الكشف عن تفاصيل الاعتداء.

وأضافت محتشمي‌ بور في حديثها لوكالة خبر أونلاين 11 أغسطس/آب 2025 بأنّ نقل السجناء السياسيين في ظل ظروف الحرب أمر غير مألوف وغير مقبول، خاصة أن هناك قرارا صادرا عن السلطة القضائية يقضي بمنح هؤلاء السجناء إجازات في ظروف الأزمات والحروب، إلا أن هذا القرار لم ينفذ، رغم طلب السجناء أنفسهم ومسؤولي سجن أوين.

وأشارت محتشمي بور خلال حديثها، إلى أن تجاهل هذا الطلب تسبب في أضرار كثيرة للسجناء وعائلاتهم، إضافة إلى الأشخاص الذين يزورون السجن لإنجاز معاملات إدارية، كما أدى إلى إصابة عدد من موظفي السجن، وخصوصا الجنود الأبرياء، نتيجة التوتر و الازدحام الناجم عن زيادة أعداد السجناء في ظروف غير مناسبة.

فيما أكدت أنَّ نقل السجناء السياسيين تم بطريقة تخالف الأعراف المتبعة، فبرغم ما أكده الرئيس الإيراني، مسعود بزشكيان، سابقا عن أن هؤلاء السجناء ساعدوا في إنقاذ آخرين أثناء الهجوم الإسرائيلي الوحشي على سجن إيفين ولم يحاولوا الفرار، إلا أنهم نقلوا ليلا وهم مكبلون بالأصفاد والأغلال إلى سجن طهران الكبير، حيث لم تكن هناك ظروف مناسبة لاستقبالهم.

وأضافت أن عددا كبيرا من السجناء احتجزوا في غرفة واحدة، ما خلق مشاكل صحية ونفسية كثيرة، بالإضافة إلى بعد السجن عن عائلاتهم، مما زاد من معاناة الأسر، وأوضحت أن السجناء رفضوا الانتقال وهم مكبلون، لكن المسؤولين أصروا على ذلك بحجة الظروف الأمنية والحرب، رغم أن هذا الإجراء غير ضروري في الظروف العادية وينتهك كرامة السجناء.

ولفتت إلى أن صورة نشرت من قبل وكالة میزان، التابعة للسلطة القضائية، تظهر لحظة دخول السجناء إلى الحافلة بدون أصفاد، لكن بعد ذلك جاء قائد الحراسة وأمر بارتدائها، مما أدى إلى وقوع اعتداءات جسدية على بعض السجناء.

وعن حالة زوجها مصطفى تاج زادة، قالت محتشمي‌ بور إنه لم يتعرض للضرب، مؤكدة أن توقعها كان أن تتدخل السلطة القضائية للتحقيق ومعاقبة المخالفين، لكنهم لم يفعلوا ذلك، بل أنكروا الحادثة برمتها، وهو ما أثار استغرابها واستنكارها الشديد.

وأشارت إلى أنها زارت سجن إيفين شخصيا للاطلاع على وضع الزيارات، ووجدت أن المكان قد أُعيد ترتيبه جزئيا، لكن هناك قيودا شديدة على الزيارات، مع وجود نقص في الأدوية، خاصة لبعض المرضى مثل السيد محموديان الذي يعاني من مرض قلبي ولم يتمكن من الحصول على دوائه.

وختمت محتشمي‌ بور حديثها بتأكيد أن مطلبهم الأساسي هو إطلاق سراح السجناء السياسيين أو على الأقل منحهم إجازات لتسهيل الإجراءات القانونية للإفراج، مؤكدة أن التعبير عن الرأي بالكلمة أو الكتابة، طالما لم يصحبه حمل سلاح، لا يشكل تهديدا أمنيا يستوجب الحبس، ونبهت إلى أن السلطات تركز حاليا على مراقبة المعارضين السلميين والنشطاء الذين لا ينوون الإطاحة بالنظام، بينما تغض النظر عن العملاء والخونة الحقيقيين، داعية المسؤولين إلى التمييز بين الأصدقاء والأعداء، وعدم تعريض الأفراد ذوي النوايا الحسنة وعائلاتهم للمعاناة والضغط.

محامي تاج زادة: تعديات ارتكبت أثناء النقل

من جانبه، كشف هوشنج بور بابایی، محامي مصطفى تاج زادة، في حديث له مع صحيفة هم ميهن، السبت 9 أغسطس/آب 2025، عن تجاوزات في نقل السجناء السياسيين إلى سجن إيفين، مشيرا إلى أن مسؤولي مراقبة السجون تصرفوا بشكل غير لائق، متبعين التعليمات بشكل أعمى دون مراعاة اختلاف أوضاع السجناء وطبيعة تهمهم وشخصياتهم، وأكد أن السجناء السياسيين مثل تاج زاده هم شخصيات ذات دوافع شريفة وانتقادهم للنظام سياسي وليسوا مجرمين عاديين، مما يجعل معاملة نقلهم بالأصفاد والأغلال غير مبررة.

وأوضح بور بابایی أن اللوائح قد تسمح بوضع الأصفاد أثناء النقل، لكن في حالة السجناء السياسيين المعروفين الذين لا يشكلون خطر هروب، كان ينبغي تجنب ذلك، خصوصا أن سيارات النقل مجهزة بحواجز أمنية والموظفون حاضرون لمنع أي محاولة هروب، كما أشار إلى أن وضع الأصفاد داخل السيارة يعد خطأ، وأن ذلك يجب أن ينبه إليه مسبقا.

كما أكد المحامي وجود تقارير عن ضرب وإهانات تعرض لها السجناء خلال النقل، مشيرا إلى أنه سيجري لقاء مع موكله للتحقق من التفاصيل، ولفت إلى أن النقل بالأصفاد والأغلال مرفوض قانونيا وأخلاقيا، وأن سلوك الموظفين يمكن أن يخضع للمساءلة القانونية.

انتقال السجناء ومصائبه

انتقد أحمد زيد آبادي، السياسي الإصلاحي، في مقال له بصحيفة هم ميهن 10 أغسطس/آب 2025، أوضاع انتقال السجناء في إيران، حيث كتب: “يُروى عن طالقاني، رجل دين إيراني، أن التنقل داخل السجن عذابه أكبر من أي شيء آخر، حتى من الانتقال من زنزانة إلى أخرى، فكيف إذا كان الانتقال من سجن إلى سجن آخر، إن الذين مروا بتجربة السجن، خصوصا من تعرضوا للتنقلات المتكررة، يؤكدون صحة كلام طالقاني، فالانتقال من زنزانة انفرادية إلى أخرى مجاورة عادة ما يسبب ضغطا نفسيا شديدا على السجين، ومع ذلك، التنقل داخل السجن هو أمر شائع لأسباب مختلفة، أحيانا بهدف الإيذاء والتعذيب، وأحيانا لأسباب ضرورة وظروف قاهرة”.

ويتابع: “في التنقلات الضرورية، عادة ما يشرح مدير السجن أو نوابه للسجناء سبب النقل، ولا يتم التشدد في تفتيش أمتعتهم، كما يتم إظهار بعض التعاطف والاحترام، أما في التنقلات العقابية، فيتم كل شيء بشكل مفاجئ وغير متوقع، مع تطبيق صارم للقوانين المطولة، وأقصى ما يقال للسجناء هو أن الموظفين مجرد موظفين ومنفذين للأوامر التي تأتي من جهات أخرى، المصطلح الذي يشير عادة إلى الأجهزة الأمنية، وباستثناء تدخل هذه الأجهزة، لا يختلف سلوك موظفي السجون كثيرا عن موظفي الإدارات الحكومية الأخرى، فهناك جميع أنواع الناس من مختلف الاتجاهات السياسية والدينية بينهم”.

ويضيف: “من الواضح أن سجن مجموعة من المواطنين تحت تسمية سجناء سياسيين لا يجلب سمعة طيبة للحكومة، ولهذا السبب يرفض القضاء والأجهزة الأمنية استخدام هذه التسمية ويفضلون لفظ سجين أمني، وهذا يسبب أن يصنف من يتهمون بالتورط في هجوم مسلح أدى إلى قتل مع من يتهمون بالدعاية ضد النظام بكتابة مذكرة أو إلقاء خطاب في صف واحد ويحتجزون في زنزانة واحدة”.

ويوضح أن “ما يسمى الجريمة السياسية في بلادنا ليس جريمة في العديد من الدول، وفي المقابل، ما يعرف في إيران بالجريمة الأمنية يسمى عالميا جريمة سياسية، مما يوضح حجم التشوش المفاهيمي وآثاره السلبية على المجتمع”.

ويختتم بقوله: “السلطة القضائية ومنظمة السجون يمكن أن تزعم أن النقل جاء نتيجة ضرورة بسبب الهجوم الإسرائيلي على اوين، هذا الادعاء لا ينكر، ولكن لماذا لم يُمنح السجناء إجازات بدلا من نقلهم الصعب والمجهد؟ هل كان هناك خطر أمني يستدعي ذلك؟ إن هؤلاء السجناء قدموا أنفسهم للسجن بمحض إرادتهم، فما هو الخوف من احتمال فرارهم الذي يتطلب تقييدهم بالأصفاد؟”.

عودة قسرية وأزمة حقوق الإنسان في إيران

تشير العودة القسرية للمعتقلين السياسيين إلى سجن إيفين إلى استمرار أزمة حقوق الإنسان في إيران، التي تتفاقم بفعل التوترات الأمنية والسياسية، فالاعتداءات التي رافقت النقل تؤكد الحاجة الملحة إلى مساءلة الجهات المسؤولة، وتحسين ظروف المعتقلين، وضمان احترام حقوقهم الأساسية.

كما تبرز أهمية منح المعتقلين السياسيين إجازات أو ضمانات قانونية تضمن سلامتهم، خاصة في الظروف الاستثنائية، بدلا من الإجراءات القاسية التي تزيد المعاناة.

وفي ظل هذه الأوضاع، يظل مصير هؤلاء المعتقلين والضغط على أسرهم موضوعا حساسا يستدعي اهتمام المجتمع الدولي والحقوقيين، لتأمين حقوقهم والضغط على السلطات الإيرانية للالتزام بالقوانين والمواثيق الدولية.

كلمات مفتاحية: