- زاد إيران - المحرر
- 567 Views
مع مرور طهران بواحدة من أعنف التظاهرات منذ تأسيس نظام الجمهورية الإسلامية، تصاعد الجدل بشكل غير مسبوق حول أرقام القتلى والضحايا بين الرواية الرسمية الصادرة عن مؤسسات الدولة الإيرانية، وبين تقديرات وتقارير منظمات حقوقية دولية ووسائل إعلام مستقلة، ومع تصاعد حدة الاحتجاجات واتساع رقعتها الجغرافية، تحول ملف أعداد القتلى من مجرد إحصاء رقمي إلى قضية سياسية وحقوقية مركزية، تلقي بظلالها على الداخل الإيراني وعلى علاقات طهران بالمجتمع الدولي.
في هذا السياق، أصدر المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، الأربعاء 21 يناير/ كانون الثاني 2025، بيانا تحليليا مطولا حاول من خلاله تقديم رواية رسمية شاملة لما جرى خلال الاحتجاجات التي شهدتها المدن الإيرانية أواخر ديسمبر/ كانون الأول وبداية يناير/ كانون الثاني من هذا العام، مستعرضا الأرقام المعلنة للضحايا في إطار أمني وسياسي، ومحملا ما وصفه بالأعمال الإرهابية المنظمة المسؤولية الأساسية عن العدد الكبير من القتلى. البيان، ومنذ الإعلان عنه عبر وسائل الإعلام، شكل الأساس المرجعي للرواية الحكومية بشأن حصيلة القتلى.

هذا وجاء في نص البيان الكامل للمجلس الأعلى للأمن القومي أن الأجهزة الأمنية والاستخباراتية الإيرانية، وبعد سلسلة من الرصد والمتابعات خلال الأيام الماضية، توصلت إلى قناعة مفادها أن الولايات المتحدة والكيان الصهيوني، وبعد ما وصفه البيان بحرب الاثني عشر يوما المفروضة، وهي حرب يونيو/ حزيران 2025 بين إسرائيل وإيران، خلصا إلى أن الأدوات العسكرية وحدها غير قادرة على إخضاع الشعب الإيراني، وأكد البيان أن التلاحم الاجتماعي غير المسبوق بين الإيرانيين كان أحد أهم أسباب إفشال تلك المواجهة، وأن هذا التلاحم تحول لاحقا إلى هدف مباشر لما سماه تكتيكا جديدا للخصوم.

وأوضح البيان أن تغيير التكتيك تمثل في استهداف الانسجام الاجتماعي الداخلي، ومحاولة دفع الاحتجاجات السلمية إلى مسارات عنيفة بهدف كسر الإرادة الوطنية، وفي هذا الإطار، أشار المجلس الأعلى للأمن القومي إلى أن احتجاجات التجار وأصحاب المهن في بعض المدن بدأت بشكل سلمي، وأن رئيس الجمهورية الإيراني، مسعود بزشكيان، قد التقى بممثليهم، واستمع مباشرة إلى مطالبهم، وأصدر توجيهات واضحة للشرطة بالتعامل بصبر وضبط نفس مع التجمعات السلمية.
غير أن البيان أكد أن من وصفهم بخلايا شغب منظمة عملت على حرف مسار الاحتجاجات، ودفعها نحو العنف وتحديدا ليلة الجمعة الأول من يناير/ كانون الأول، ما أدى إلى إلحاق أضرار واسعة بالممتلكات العامة والخاصة، مضيفا أن المرحلة الأخطر وقعت خلال يومي الثامن والتاسع من الشهر نفسه، حين شهدت إيران موجة مما وصفها بالأعمال الإرهابية المسلحة والمنظمة التي استهدفت أسواقا وبنوكا ومساجد وحسينيات، أماكن تجمع شيعية، ومراكز علاجية ووسائل نقل عام ومحطات وقود.
وفي الفقرة الأكثر حساسية في البيان، أعلن المجلس الأعلى للأمن القومي أن مجموع من لقوا مصرعهم خلال الأحداث بلغ 3117 شخصا، مؤكدا أن 2427 من هؤلاء هم من المواطنين الأبرياء وحماة النظام والأمن، وقد سقطوا، وفق البيان، نتيجة ممارسات داعشية شملت الحرق والذبح والطعن واستخدام واسع للأسلحة النارية من قبل جماعات مسلحة، واعتبر المجلس أن ما جرى خلال يومين فقط يرقى إلى جريمة فظيعة مكتملة الأركان بدعم مباشر من أعداء النظام الإيراني.
واختتم البيان بالإشادة بدور المرشد الأعلى، علي خامنئي، وتضحيات القوات الأمنية وبالحضور الشعبي في تظاهرات 2212 يناير/ كانون الثاني المؤيدة للنظام، معتبرا أن ذلك كله أفشل هدف توسيع الفوضى وانعدام الأمن، وأعاد تثبيت الوحدة الوطنية في مواجهة ما وصفه بـالمخططات التخريبية.


صراع السرديات… الدولة في مواجهة المنظمات الحقوقية
هذا غير أن الرواية الرسمية، التي حاولت تقديم تفسير شامل للأحداث وربطها بسياق أمني خارجي، لم تمر من دون تشكيك واسع، سواء داخل إيران أو خارجها، فبالتوازي مع بيان المجلس الأعلى للأمن القومي، أعلنت مؤسسات رسمية أخرى أرقامًا جزئية زادت من حالة الارتباك، إذ نقلت هيئة الإذاعة والتلفزيون الإيرانية عن وزارة الصحة أن 690 شخصا ممن وصفتهم بالإرهابيين ومثيري الشغب قتلوا خلال الاحتجاجات، وهو ما يعني ضمنيًا، وفق هذا التقسيم، أن بقية الضحايا سقطوا لأسباب أخرى.

ووفق خبراء، فهذا التقسيم العددي، الذي يفصل بين مدنيين وحماة أمن من جهة، وإرهابيين من جهة أخرى، أثار تساؤلات حادة حول معايير التصنيف، لا سيما في ظل غياب أي توضيح رسمي لكيفية تحديد هوية القتلى، أو الأدلة المستخدمة لتوصيفهم. كما لم ترفق البيانات الرسمية بأي قوائم أسماء أو معلومات مستقلة قابلة للتحقق، ما فتح الباب واسعا أمام التشكيك في مصداقية الأرقام.
في المقابل، كانت مؤسسات دولية ومنظمات حقوقية قد قدمت روايات مغايرة تماما لما جاء بها الأمن القومي، سواء من حيث طبيعة الأحداث أو من حيث عدد الضحايا، فقد أكدت منظمة العفو الدولية، استنادا على ما ذكرت أنه أدلة مصورة وتقارير شهود عيان، أن القوات الأمنية الإيرانية استخدمت القوة المميتة ضد متظاهرين غير مسلحين في الشوارع وعلى أسطح المباني، وأنها استهدفت في كثير من الحالات الرأس وأعلى الجسد، ما يشير إلى نية القتل وليس التفريق.

أما منظمة هيومن رايتس ووتش فقد ذهبت أبعد من ذلك، إذ تحدثت في تقارير مفصلة عن أدلة متزايدة على عمليات قتل جماعي، واصفة استخدام السلاح الناري بأنه كان واسعا ومنسقا ويعكس سياسة حكومية متعمدة، كما أشارت المنظمة إلى أن القيود الشديدة على الاتصالات وقطع الإنترنت أسهما في إخفاء الحجم الحقيقي للضحايا.
في السياق نفسه، أعلنت مجموعة هرانا، وهي وكالة أنباء نشطاء حقوق الإنسان، أن عدد القتلى المؤكدين تجاوز 4000شخص، في حين أن آلاف الحالات الأخرى ما تزال قيد التحقق، وأفادت المجموعة بوجود آلاف الجرحى، وعشرات الآلاف من المعتقلين، الأمر الذي يرسم صورة مختلفة جذريا عن الرواية الرسمية التي تقلل من عدد الضحايا المنسوبين للقوات الأمنية.

على المستوى الدولي، حذرت ماي ساتو، الممثلة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بحقوق الإنسان في إيران، من أن عدد القتلى في ازدياد، وأن المعطيات المتوفرة قد تفتح الباب أمام بحث احتمال ارتكاب جريمة ضد الإنسانية، وأكدت ساتو أنها تتلقى تقديرات تتراوح بين خمسة آلاف قتيل كحد أدنى، وصولا إلى عشرين ألفا وفق تقارير طبية غير رسمية.

هذا التباين الحاد بين الأرقام الرسمية والأرقام الحقوقية عكس، في جوهره، صراعا على السردية بقدر ما هو صراع على الحقيقة، فبينما تحاول السلطات الإيرانية تأطير ما جرى ضمن سياق أمني خارجي، تصر المنظمات الدولية على توصيف الأحداث كقمع داخلي واسع النطاق، يحمل سمات الانتهاكات الجسيمة والمنهجية لحقوق الإنسان.
وفي ظل هذا المشهد المعقد، يبقى ملف أعداد القتلى في الاحتجاجات الإيرانية مفتوحا على مزيد من الجدل والتحقيق، فغياب الشفافية، واستمرار القيود على الإعلام والاتصالات، يعرقلان الوصول إلى رقم نهائي موثوق، فيما تتزايد الضغوط الدولية للمطالبة بتحقيق مستقل يكشف حقيقة ما جرى، ويحدد المسؤوليات بعيدا عن الروايات المتضاربة.

