من رشت إلى طهران… إيران تودع المطرب ناصر مسعودي

Image

في لحظة بدت كأنها امتداد لصوت كان يملأ شمال إيران دفئا وحياة، سقط الستار على أحد أبرز أعمدة الغناء الشعبي في جيلان، فرحيل ناصر مسعودي لم يكن مجرد خبر وفاة، بل حدثا أعاد استحضار ذاكرة منطقة كاملة ارتبطت بأغانيه ولهجته وحضوره الإنساني، تزايدت مشاهد الوداع في رشت، وتدفقت رسائل النعي من فنانين وموسيقيين، بينما عاد صوته يتردد في البيوت والهواء، كما لو أن الناس يحاولون الإمساك بآخر ما تبقى من زمن كان فيه الفن مرآة صادقة للروح.

تفاصيل وفاة صوت المخمل الأزرق

جاءت وفاة ناصر مسعودي، الذي لقبه النقاد بصوت المخمل الأزرق، مساء الخميس 27 نوفمبر/ تشرين الثاني 2025، عن عمر ناهز التسعين عاما، وقد أكدت أسرته أنه أمضى الأشهر الأخيرة في صراع مع المرض والشيخوخة، قبل أن تعلن وفاته داخل مستشفى آريا بمدينة رشت، وبسبب رمزيته لمنطقة جيلان، تولت إدارة الثقافة في المحافظة تنسيق مراسم التشييع، التي تقرر أن تقام اليوم السبت 29 نوفمبر/ تشرين الثاني الساعة الثالثة عصرا.

Image

هذا وقد شهدت رشت منذ لحظة إعلان الوفاة موجة حضور شعبي كثيف أمام المستشفى، إذ تجمع العشرات محاولين الحصول على لمحة أخيرة من الفنان الذي مثل لهم رمزا من رموز الهوية، وتزامن ذلك مع تفاعل واسع على شبكات التواصل الاجتماعي، حيث تداول الناس مقاطع من حفلاته وأغانيه القديمة، وأعادوا بث التسجيلات التي حملت صوت هذا الفنان الذي ارتبط اسمه بالمطر والغابة والليل الجيلاني.

Image

وقد اعتبر العديد من النقاد أن اختيار مكان دفنه، والذي جاء بالقرب من ضريح القائد الثائر ميرزا كوجك خان جنكلي، لم يكن مجرد إجراء بروتوكولي، بل قرار يحمل رمزية عميقة، فقد ارتبط صوت مسعودي في الذاكرة الشعبية بأغنية كم هي جميلة الغابة، التي تعد إحدى أهم الأغاني المرتبطة بحكاية ميرزا كوجك خان جنكلي ، ولذلك بدا دفنه في المكان نفسه امتدادا طبيعيا لمسيرته الروحية والفنية.

من طفولة قاسية إلى ميلاد الصوت الذي حمل روح جيلان

ولد ناصر مسعودي في الخامس من مارس/ آذار من العام 1935 في حي صيقلان بمدينة رشت، وقد كانت طفولته مشوبة بظلال الحرب العالمية الثانية، حيث الحضور العسكري للقوات الأجنبية والفقر الذي خيم على كثير من البيوت الجيلانية، ولم تلبث حياته أن ازدادت صعوبة بفقدان والده وهو في الثالثة من عمره، مما جعل والدته وشقيقته الأكبر تتحملان مسؤولية الأسرة بأكملها، ووسط هذا الواقع القاسي، ظهر ميله للموسيقى بصورة مبكرة، إذ كان يردد الأغاني الشعبية التي يسمعها من الراديو أو من كبار السن في الأسواق والمجالس.

في صغره، كان يذهب مسعودي مع أصدقائه إلى حديثة محتشم، وهي حديقة قديمة في رشت، للتدرب على الغناء في الهواء الطلق، وكان المكان بالنسبة إليه أشبه بمدرسة غير رسمية، يتعلم فيها من أصوات الريح، ومن ضجيج السوق القريب، ومن لهجة الناس البسيطة، وهناك بدأ يدرك أن صوته ليس مجرد هواية عابرة، بل موهبة قادرة على خلق صلة بينه وبين الطبيعة التي أحاطت به.

Image

انتقلت أسرة مسعودي إلى طهران عام 1949 بحثا عن حياة أفضل، عمل الشاب في مهن متعددة، من الأحذية إلى النجارة والخياطة، لكنه كان يجد في الموسيقى ملاذا لا بديل عنه، وبعد جهد طويل، تمكن من الالتحاق بدروس الموسيقار الإيراني الكبير علي أكبر خان شهنازي، أحد أبرز أعلام الموسيقى التقليدية الإيرانية.

Image

كان شهنازي يعرف بصرامته وقوة شخصيته، لكن مسعودي استطاع أن ينال إعجابه منذ اللحظة الأولى، وكان يروي لاحقا أن أستاذه كان يطلب منه أن يغني للطلاب أثناء التمارين، لأن صوته يساعدهم على الاندماج مع الإيقاع وشد أوتار العزف، ومن خلال هذا الاحتكاك، تعلم مسعودي المقامات الإيرانية وأسس الأداء الكلاسيكي، وهو ما سيظهر بعد سنوات في أغانيه.

عاد مسعودي إلى رشت عام 1955 بعد سنوات من التدريب، وبدأ يمارس الغناء في المسرح المحلي. ومع افتتاح راديو جيلان عام 1957، كان من أوائل الأصوات التي تبث عبر الأثير، وأصبح صوته رمزا لمنطقة الشمال، واحتضنه المستمعون بسرعة، نظرا لارتباطه باللهجة الجيلانية وغنائه بأسلوب قريب من نبض الناس، فيما تميزت تلك المرحلة بنوع جديد من التجربة، حيث بدأ بدمج الخبرة الكلاسيكية التي اكتسبها في طهران مع الفولكلور الجيلاني المحلي، مما أنتج أسلوبا فريدا يوازن بين العمق الفني والبساطة الشعبية.

Image

في عام 1960، تم تقديم مسعودي إلى الموسيقار أحمد عبادي وإلى الفنانة الكبيرة ملوك ضرابي، وكان هذا اللقاء نقطة تحول حقيقية، فبفضل عبادي، دخل مسعودي إلى برنامج زهور، الذي كان في تلك الحقبة أهم منصة موسيقية في إيران، وكان البرنامج يجمع نخبة الموسيقيين والمطربين، وكان اجتيازه يعتبر شهادة على قدرة الفنان ومكانته.

أثبت مسعودي نفسه سريعا من خلال أعمال عدة، منها أغنية زهرة البنفسج التي أداها بأسلوب عذب جعلها إحدى أشهر أعماله، إضافة إلى اللوعة والليل الطويل، وغيرها من القطع التي ما زالت تسمع إلى اليوم.

هذا وقد بلغ عدد أعمال مسعودي أكثر من خمسمئة عمل، شملت الأغنية الفارسية التقليدية، والمقطوعات الموسيقية الكلاسيكية، والأغاني الجيلانية المحلية، وكانت أعماله قبل الثورة تحمل طابعا وجدانيا خاصا، مثل أنا المجنون والمسافر وآه يا تي تي، بينما شكلت أعماله بعد الثورة جزءا آخر من مساره الأكثر نضجا.

ومن بين تلك الأعمال برزت ألبومات مهمة مثل المتصوف والسياج، ونحن أتباع كوروش، إضافة إلى ألبوم لماذا الآن؟ الذي حصد جائزة أفضل ألبوم موسيقي تقليدي، وقد تميزت هذه الأعمال بعمقها اللحني واعتمادها على الشعر الجيلاني الذي كان قريبًا من الوجدان الشعبي.

واجه ناصر مسعودي خلال سنوات ما بعد الثورة منعا قاسيا من العمل، شأنه شأن كبار الموسيقيين في تلك الحقبة، ما جعل صمته الفني جرحا مؤلما له ولجمهوره الذي اعتاد اللجوء إلى صوته بوصفه مساحة مواساة، وفي عام 1987، جاءت العودة الأقوى لمسعودي وذلك عبر شارة مسلسل ميرزا كوجك خان الجيلاني التي حملت عنوان كم هي جميلة الغابة، كان اللحن من التراث الشعبي الذي يجسد حكاية الثورة الجيلانية ضد الاستبداد، وقد قدمه مسعودي بصوت شجي ومؤثر، وأثارت النسخة الأولى من الأغنية، التي أداها مطرب آخر، اعتراضا واسعا بين أهالي جيلان لعدم امتلاك المطرب اللهجة المحلية، وهو ما جعل المخرج بهروز أفخمي يبحث عن بديل، فلم يجد أفضل من مسعودي.

Image

وافق الأخير على أداء الشارة بعد تردد، خصوصا أنها كانت أول عمل فني له بعد سنوات طويلة من الابتعاد، وهكذا دخل الاستوديو ليعيد للأغنية روحها، ويمنح العمل هوية جيلانية أصيلة، تحولت فورا إلى جزء من وجدان الإيرانيين، وأصبحت رمزا للارتباط بين الفن والهوية.

الكبار ينعون بلبل جيلان

اثارت وفاة مسعودي ردود الكثيرين في الوسط الفني الإيراني، كان على رأسهم الموسيقار الكبير فرهاد فخر الديني، الذي عبر عن حزنه البالغ مؤكدا أنه كان يعتبر مسعودي صوتا نادرا لا يتكرر، وقال في تصريح لصحيفة إيران في عددها الصادر اليوم 29 نوفمبر/ تشرين الثاني” لم يكن مسعودي مجرد مطرب، لقد كان حالة إنسانية نادرة، فقد حمل في صوته دفء جيلان وهدوء أمطارها، وكان يعرف كيف يشدّ المستمع دون ضجيج أو استعراض”.

Image

وأضاف فخر الديني أن التعاون مع مسعودي في الأوركسترا الوطنية كان من أجمل الفصول الفنية التي مر بها، وأن صوته كان يمتلك طبقة ناعمة تشبه المخمل، لكنها في الوقت نفسه قوية بما يكفي لاختراق القلب، ووصفه بأنه إنسان رقيق، مهذب، يتعامل مع الموسيقى وكأنها صلاة وليست مهنة، مشيرا إلى أن الجمهور في قاعة الوحدة في حفل عودة مسعودي بعد الثورة كان يستمع في حالة تشبه الصمت المقدس، وأنه شعر يومها بأن الجمهور كان يستعيد صوته بعد سنوات من الغياب، وكأنهم يصافحون الذكريات من جديد.

من جهته، قدم الملحن والموزع الموسيقي محمد مير زماني شهادة أخرى أكثر عمقا، تحدث فيها عن علاقته بصوت مسعودي منذ مراهقته، وعن أهمية هذا الفنان في الموسيقى الجيلانية، حيث صرح أنه كان يسمع أغنية آه يا تي تي عبر الراديو وهو في سن صغيرة، وإن صوت مسعودي شكل له إحساسا بالأمان»، لأنه كان صوتا يلامس العاطفة مباشرة.

Image

وعن شارة مسلسل كم هي جميلة الغابة، أوضح مير زماني أن النسخة الأولى، رغم جودتها، كانت تفتقر إلى روح المكان، وهو السبب الذي دفع الجمهور الجيلاني للاعتراض، وأكد أن اختيار مسعودي لم يكن مجرد قرار فني، بل قرار يعيد الاعتبار للهوية المحلية التي طالما دافع عنها من خلال أعماله.

وقال مير زماني إن تسجيل الأغنية كان لحظة مؤثرة، حيث دخل مسعودي الاستوديو وكأنه يعيد الغناء لذكريات طفولته، وإنه غنى العمل بدفء عاطفي جعل الجميع يصمت أثناء التسجيل، مضيفا أن وجود مسعودي في المسلسل كان أشبه بعودة الأب الروحي للموسيقى الجيلانية.

وتحدث مير زماني أيضا عن شخصية مسعودي، واصفا إياه بأنه شخص شديد التواضع، لا يسعى إلى الشهرة، بل إلى الجمال، وقال إنه كان حساسا جدا لكلمات الأغاني، ويرفض أي نص لا يحمل قيمة أو أصالة، وكان يقول دائما الكلمة روح الأغنية، إن لم أحترمها، فلن تحترمني.

ما يبقى بعد الغياب

لا يغيب الفن برحيل أصحابه، بل يمشي إلى الأمام محمولا بأصواتهم التي تبقى معلقة في الهواء، وفي الذاكرة التي لا تنسى، هكذا يبقى صوت ناصر مسعودي، ممتدا بين الغابات القديمة في جيلان، وبين القلوب التي حفظت أغانيه عن ظهر قلب، وعندما تعاد أغنية كم هي جميلة الغابة إلى البث، لا يعود صوتها مجرد موسيقى، بل يصبح صدى لروح رجل عاش الموسيقى بصدق، وظل وفيًا لمكانه ولغته ولهويته حتى اللحظة الأخيرة.