- زاد إيران - المحرر
- 718 Views
أجرت وكالة أنباء خبر أونلاين الإيرانية المحافظة، المحسوبة على مكتب علي لاريجاني، الأحد 12 أكتوبر/تشرين الأول 2025، حواراً مع محمد رضا باهنر، عضو مجمع تشخيص مصلحة النظام، حول مواقف التيار الأصولي من أداء الحكومة، ومسار السياسة الخارجية، والجدل الدائر بشأن العقيدة النووية الإيرانية، وفيما يلي نص الحوار:
نبدأ من آخر المستجدات، وهو التصديق على اتفاقية CFT في مجمع تشخيص مصلحة النظام بشروط؛ ألم يكن ممكناً اعتمادها بهذه الصيغة قبل سبع أو ثماني سنوات؟ ولماذا جاء القبول الآن بعد الرفض في ذلك الوقت؟
نحن جميعاً في حالة تطوّر ونضوج مستمر، وهذه الحوارات والمناقشات والاستدلالات هي التي تقود الإنسان في النهاية إلى نقطة اتخاذ القرار، وأحياناً إن لم تُجرَ هذه النقاشات، فلن نصل إلى تلك النقطة، خاصة في القضايا الحساسة كهذه.
وفي الظاهر، يبدو أن مجمع تشخيص مصلحة النظام وافق على توقيع اتفاقية CFT، لكن عند التعمق في بنودها، نجد عشرات المواد ولكل منها أحكام متعددة، فهي تتضمن مجموعة من الالتزامات المتبادلة التي نقدّمها ونتسلمها في المقابل.
أما بخصوص القبول المشروط، فالمسألة مثيرة للجدل، إذ إن مجلس صيانة الدستور وحده يملك صلاحية الحكم على مخالفة القوانين للدستور أو الشريعة ورفض المصادقة عليها، بينما يقتصر دور مجمع تشخيص مصلحة النظام على البتّ في ما إذا كانت المصلحة العليا تقتضي المضي في القانون رغم تلك المخالفة.
هل تغيّر نهج مجمع تشخيص مصلحة النظام مقارنة بالفترة التي كان يعارض فيها الاتفاقية؟
لا، الأمر لم يتغير، فالمسألة تتعلق بمضمون اتفاقية CFT نفسها وما نلتزم به وما نحصل عليه، وهذه ليست مسألة تُختصر بسرعة، بل تتطلب نقاشات موسعة حتى يقتنع الأعضاء بالمصلحة في المصادقة عليها، كما حدث عندما ناقش بعض أعضاء المجمع الاتفاقية لعشر جلسات قبل أن يقرروا الموافقة، أما بشأن الاتهامات بأنني أمتلك قدرة لوبي قوية، فأرفض هذا التوصيف السلبي، فاللوبي عندي يعني تقديم الحجج والإقناع بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كما يفعل النواب في البرلمان عند محاولة إقناع الآخرين بآرائهم، وهو نوع من الحوار لا الابتزاز.
هل رفض بعض القوانين أو القرارات في البرلمان مرتبط أحياناً بانتماء الحكومة، مثلما حدث أثناء رئاسة الرئيس الإيراني الأسبق حسن روحاني؟
هذه مسائل مختلفة، أحيانا كنت أقول في البرلمان إن ٩٠٪ من قرارات المجلس غير حزبية ولا علاقة لها بالأجنحة السياسية، وتكون القرارات حزبية فقط عند انتخاب رئيس المجلس، حيث يُنظر إلى انتمائه السياسي، وكذلك عند اختيار رؤساء اللجان أو منح الثقة لأعضاء الحكومة أو مساءلة الوزراء، أما عند التصويت على ميزانية عام 2026، فإذا تعامَل أحدهم مع القانون أو الميزانية بمنطق حزبي، مثل تشديد الإنفاق على وزير ليس من جناحه وترك فسحة للإنفاق لوزير من جناحه، فهذا يُعد خيانة لإيران.
هل يُقال مثلا إن ممثل المرشد الأعلى سعيد جليلي كان في ذلك الوقت من المعارضين، كما ذكر بور محمدي ذلك في الانتخابات ولم يتم نفي ذلك؟
جليلي كان يعارض بشدة حتى آخر جلسة.
لكن هناك من يقول إن الموقف تغيّر فقط لأن الحكومة إصلاحية مثلاً؟
هذا في الحقيقة نوع من الطعن غير المنصف في الناس، نعم، جليلي كان معارضا منذ اليوم الأول، وتحدث ضد المشروع حتى في الجلسة الأخيرة، وكذلك وحيدي ظلّ معارضا حتى النهاية، لكن بعض الأعضاء كانوا في البداية ضد المشروع، ثم اقتنعوا بعد النقاشات، وقد يقول البعض إنهم غيّروا رأيهم لمصلحة ما أو بتأثير شخص معين، وهذه أقوال خبيثة، لأن الحقيقة أن الأمر كان نتيجة للحوار وتبادل الحجج من أجل توضيح المسألة.
بعد انتخابات عام 2024، وخاصة في الفترة الأخيرة، لماذا شهدنا انتقادات حادة من الأصوليين تجاه جليلي وأنصاره؟
الأصوليون أنفسهم ينقسمون إلى نحو سبعة أو ثمانية تيارات مختلفة.
التيار الأصولي التقليدي، وتيار المعتدلين، بل وحتى بعض الأصوليين مثل صحيفة جوان، وجّهوا جميعاً انتقادات لجليلي، برأيك، ما سبب هذه الانتقادات؟ هل هو بنيوي أم مرتبط بطبيعة خطابه الأيديولوجي؟
يجب توخي الحذر في تفسير النوايا، فقد تكون المواقف نابعة من التعبير عن المشاعر أو تصفية الحسابات الشخصية، وأحيانا من القناعات الدينية أو الاستدلالات المنطقية، وحتى في البرلمان، لكل نائب مجال نفوذ يختلف عن الآخر، وتأثير الشخص في التصويت يعتمد على قدرته على الإقناع، كما أن سلوكيات الأصوليين ليست حصرية لهم، فبعض الإصلاحيين يُظهرون سلوكا مشابها عند التعامل مع الترشيحات المفروضة عليهم.
وهذه الأمور لا يمكن حصرها ضمن تيار معين، فهناك من الإصلاحيين ومن الأصوليين من يتصرف بهذه الطريقة، ومع نفوذي في البرلمان كنت وما زلت أؤمن بضرورة دعم الحكومة والبرلمان القائمين بغض النظر عن انتمائهما الحزبي، مع النقد البناء وليس الهدم، إذ إن العمل على إفشال الحكومة لأسباب حزبية يضعف النظام الإسلامي نفسه، بينما المرشد الأعلى أكد دعم الحكومة القائمة بعد الانتخابات كواجب شرعي.
في ظلّ قيام بعض خصوم الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان بتحركات تهدف إلى إضعاف الحكومة، من احتجاجات وطرح استقالته والتشكيك في كفاءته السياسية، ما الإجراء الواجب اتخاذه؟
إن هذه أمور تحدث في المجتمع، ليس المقصود أننا إذا انتقد أحد ما سلوك الحكومة – سواء كان نقدا صحيحا أو عدائيا – أن نُقيم له غدا محاكمة علنية، ونُدينَه، ونجلده، ونعتقله أو نعدمه، فللحركات والسلوكيات السياسية أثر في الرأي العام، وأحيانا يطلق شخص كلاما أو اتهاما يثير بلبلة في وجدان الجمهور.
وسبق أن صعد نائب البرلمان للمنبر واتهم الرئيس بأنه جاسوس، وهو ما يُعدّ تجاوزا غير مقبول، ويجب في هذه الحالة استدعاؤه والتحقق من صحة الادعاء، فإذا ثبت يُتخذ الإجراء المناسب ضد الرئيس، وإذا لم يثبت يُحاسب من أطلق الادعاء، إذ لا يجوز لنائب استخدام المنبر الرسمي للتشهير بالمسؤولين.
ويأتي البعض للقول إن الرئيس عاجز ولم يتصرف تجاه التضخّم، وهو نقد قاسٍ وغير شريف للحكومة، أما عن بزشكيان، فهو رجل متدين ومخلص ويحرص على خدمة الناس، لكنه لم يكن يدرك صعوبة منصب الرئاسة عند ترشحه، وكان قد هدد بالاستقالة إذا لم يقدر على أداء المهمة، وهو ما أثار القلق سابقا، والحمد لله لم تعد هذه المخاوف قائمة، لكن قدرته على حل مشكلات إيران ما زالت محل نقاش.
شهدنا مراراً معارضة بعض التيارات لقرارات أقرّتها القيادة، مثل التفاوض مع واشنطن أو المصادقة على باليرمو وCFT، فهل لدى النظام توجّه لتخفيف حدّة هذه المواجهات مع القرارات الرسمية؟
في الماضي، كنت قلقا من غياب مركزية القرار، إذ كانت الحكومة والبرلمان والسلطة القضائية تتخذ مواقف متباينة، وأحيانا كانت خلافات داخل الحكومة نفسها بين منظمة التخطيط والموازنة، والبنك المركزي، ووزارة الاقتصاد.
وكنت أؤكد منذ عهد الرئيس الإيراني الأسبق محمد خاتمي أن تناغم هؤلاء الثلاثة ضروري لإدارة اقتصاد منسجم، واليوم، بعد حرب الأيام الاثني عشر، تغيّر الوضع، وأصبح اتخاذ القرارات الأمنية والسياسية والدبلوماسية أكثر انسجاما، مع السماح بانتقاد القرارات إعلاميًا دون فرض رأي واحد أو تحويل الفضاء العام بالكامل إلى أمني.
وأتذكر أنه في بدايات الحرب العراقية الإيرانية، كان الوضع الإعلامي مضطربا جدا لغياب مجلس الأمن القومي الأعلى واعتماد مجلس الدفاع الأعلى، مما سبب فوضى في التغطيات الإعلامية، فقرر المجلس حينها أن تصدر جميع الأخبار العسكرية من مكتب التوجيه بقيادة خرازي، ما حقق الانسجام الإعلامي.
وحتى في الأوقات التي لم نحقق فيها نجاحا ميدانيا، كان الرئيس الإيراني الأسبق هاشمي رفسنجاني بخطبة واحدة يوحّد الصفوف ويُنعش الروح المعنوية، واليوم، في ظل الأوضاع الأمنية الراهنة، يجب على مجلس الأمن القومي الأعلى ضبط الإيقاع مع السماح بالتعبير عن المواقف المختلفة دون فرض رأي واحد.
هل الأمر كذلك فعلاً، أم أن هناك مَن يستغل الموقف؟
قطعا ليس كذلك، لكن بعضهم يستغل الأمر، فمثلا في البرلمان قد يقترح خمسة نواب طرح عدم الكفاءة السياسية للرئيس، بينما يتطلّب هذا الإجراء في الأساس 75 توقيعا، لذا فإن كلام خمسة أشخاص لا يغيّر شيئا.
لكن ألا يؤدي ذلك إلى توتير الأجواء في إيران؟
إن التوتر لا يعني أن نُغلق أفواه الجميع، وأتذكر زواره ای، الذي كان عضوا قانونيا في مجلس صيانة الدستور ونائبا في البرلمان، فكان يقول مازحا: لعلنا نحتاج إلى كمامة نضعها على أفواه سبعين مليون إنسان، لكن ليس هذا هو الحل ولا المقصود، وقد قال المرشد الأعلى بنفسه إن إضعاف الحكومة هو إضعاف للنظام، ولا يجوز تضعيفها، ومع ذلك، فهذا لا يعني أن نُخرس الأصوات أو نمنع الناس من الكلام.
لكنْ هناك فرق كبير بين النقد وبين الاتهام أو الافتراء، أليس كذلك؟
بالطبع، هناك فرق كبير بين الاتهام الجسيم مثل وصف الرئيس بالجاسوس، الذي يستدعي المحاسبة القانونية، وبين النقد الذي يقيّم أداء الرئيس أو ضعف قراراته، إذ القوة والضعف ليسا أمرا يمكن قياسه بشكل دقيق، ويمتلك البرلمان صلاحيات رقابية تشمل طرح الثقة، والتحقيق، والاستجواب، والتنبيه، ولكن أحيانا يوقّع النواب استجوابات تحت ذريعة تقصير الوزير، بينما يكون السبب الحقيقي خلافاً حول تغيير مدير عام، وما إن يتم التغيير حتى يسحب النائب توقيعه، وهذه التصرفات لا تعكس سلوكا مهذبا ولا أخلاقا سياسية سليمة.
الأسبوع الماضي فُعّلت آلية الزناد.. هل من إمكانية لمنع ذلك؟
إن المناقشات حول آلية الزناد امتدت قانونيا وشرعيا ودوليا، وتفعيلها كان قرارا خاطئا، لكن كان بالإمكان منعه، وإن لم نفعل فذلك يعني الاستسلام ورفع الأيدي بلا أي فعل.
هل تَرى أن ذلك كان أمراً لا مفرّ منه من وجهة نظرك؟
إن الخصوم طامعون للغاية، والمفاوضات النووية مع الولايات المتحدة طالت وتعرضت لهجمات، والآن تُطالب إيران بتخلي كامل عن التكنولوجيا النووية السلمية وتقليص مدى صواريخها لأقل من ٣٠٠ كيلومتر بينما إيران تملك صواريخ تفوق مدياتها ٢٠٠٠ كيلومتر، فهل هذا يساوي الاستسلام؟ في الحقيقة، إن قدرة هجومنا في حرب الأيام الاثني عشر أجبرت العدو على طلب الهدنة، والمطالَب الحالية تعني رمي السلاح الهجومي وتسليم القدرة الصاروخية وإنهاء الملف النووي بحيث لا يبقى شيء.
إلى أي مدى ترى أن الاختراق الأمني خطر حقيقي في الحرب الأخيرة وفي البنية العامة؟
إن منظومتنا الأمنية والاستخباراتية تحتاج إلى إعادة هيكلة جذرية، ولدينا جهازان استخباريان رئيسيان -ووزارة الاستخبارات واستخبارات الحرس الثوري- بالإضافة إلى هيئات أنشأت وحدات لحماية المعلومات، ولا ضرر في تعدد الجهات داخل مجالاتها، لكن ملف الاستخبارات الوطنية ومكافحة التجسس يجب أن يكون منسقا ومتكاملا تماما، وهذا يتطلب إعادة هيكلة.
ولا يجوز إلقاء كل مسؤولية ما جرى في حرب الأيام الاثني عشر على الجواسيس وحدهم، فالتطور التقني جعل معرفة مكان أي شخصية وتحركاتها وأحاديثها أمرا يسيرا نسبيا، وبالتالي الخلل ليس محصورا بالجاسوسية البشرية فقط.
ما مدى خطر الاختراق الرقمي في ظل سياسة الحجب وبرامج التجسس؟
إن التطور التكنولوجي يتسارع باستمرار، والحجب أو إغلاق التطبيقات يخفف المشكلة مؤقتا فقط ولا يحلها، والحل الأمثل يكمن في مواجهة التكنولوجيا بالتكنولوجيا، من خلال تطوير أجهزة الاستخبارات ومكافحة التجسس وإعادة هيكلتها، فالاختراقات الحديثة لا تتم فقط عبر الجواسيس البشريين، بل غالبا عبر الأدوات الرقمية والتقنيات المتقدمة، ما يستدعي تبني استراتيجيات ذكية وفعّالة لمواجهتها.
بعد الحرب التي استمرت 12 يوماً، يطرح بعضهم مسألة تغيير العقيدة النووية.. هل توافق على ذلك؟
لقد أوضحنا ذلك مرارا، وهم يعرفون ذلك جيدا، وصحيح أن أفعالهم أحيانا تبدو حمقاء، لكن مراكز الأبحاث والدراسات الأمريكية تدرك معنى الفتوى في المذهب الشيعي، وتعلم أن فتوى المرشد الأعلى التي تحرّم إنتاج أسلحة الدمار الشامل ومقدماتها تُغلق كل النقاش في هذا الموضوع.
يطرح بعضهم مسألة الردع، وقد كُتبت رسالة في البرلمان وجُمعت لها 70 توقيعاً.. ما رأيك؟
إن فتوى المذهب الشيعي تحرّم إنتاج أسلحة الدمار الشامل، بل تحرّم حتى الشروع في تصنيعها، وهو ما يجعل إيران ملتزمة بعدم السعي وراء امتلاك سلاح نووي لأغراض عسكرية.
ونشاط إيران النووي يتركز على الاستخدامات السلمية، مثل المجالات الطبية والصناعية والتكنولوجية، والوكالة الدولية للطاقة الذرية تراقب هذه الأنشطة بشكل مستمر لحظة بلحظة للتأكد من عدم تحويلها إلى أغراض عسكرية.
والأطراف الخارجية، بما في ذلك الولايات المتحدة، لا تسعى فعليا لضمان السلامة النووية، بل تهدف إلى إجبار إيران على الاستسلام وإضعافها، بل وحتى تغيير نظامها، كما ذكر المرشد الأعلى، موضحا أن أي تفاوض مع الولايات المتحدة صعب للغاية لأنه لا يُعرف حتى الآن ما هو الحد الذي يرضيها أو مطالبها الدقيقة، وأن الهدف الأساسي هو الإضرار بسيادة إيران ونظامها.

