- زاد إيران - المحرر
- 852 Views
نشرت وكالة أنباء دانشجو الأصولية الأحد 24 أغسطس/آب 2025 تقريرا ذكرت فيه أنه في خضم التحولات الاستراتيجية الإقليمية وعرض قدرات القوات المسلحة لإيران، وخصوصا في الردود القوية على المعتدين خلال حرب الـ 12 يوما، تتزايد التساؤلات حول أبعاد ونطاق القدرات العسكرية لإيران.
وأضافت أن واحد من الأسئلة الرئيسية التي برزت بعد العمليات المشتركة والمعقدة مؤخرا يتعلق بدور القوات الغاطسة الإيرانية في هذه المعادلات، وبشكل محدد، بعد عملية الوعد الصادق 3، تعززت التكهنات بأن غواصة إيرانية قامت بإطلاق صاروخ كروز باتجاه أهداف في الأراضي المحتلة.
وتابعت أن الأدلة والتدريبات السابقة تشير إلى أن البحرية التابعة للجيش الإيراني قد وصلت إلى مستوى متقدم من التكنولوجيا يسمح بإطلاق صواريخ كروز من غواصاتها، ومشروع جاسك-2 الناجح، الذي أُطلقت خلاله صواريخ كروز مضادة للسفن من غواصة من فئة غدير بنجاح، يعد دليلا على ذلك.
وأردفت أنه رغم عدم نشر صورة رسمية للعملية، إلا أن التحليل الفني والعسكري يشير إلى أن هذه القدرة موجودة في القوات الغاطسة، وأن إطلاق الصواريخ من الغواصات يتجاوز مجرد شائعات إعلامية، ومن الجدير بالذكر أن مدى صواريخ مشروع جاسك-2 لا يصل إلى أراضي القدس المحتلة، ولكن في حال ترقية الصاروخ أو تغييره، ومع الحفاظ على نفس التكتيك والصندوق الحاوي (كنيستر)، فإن الوصول إلى مدى الأراضي المحتلة يصبح ممكنا.
ودعت إلى ضرورة العودة إلى تاريخ تطور الأسطول الغاطس الإيراني؛ وهي قصة تحولت فيها إيران من مجرد مشتري إلى مصمم ومنتج محلي لفهم هذه القدرة بشكل أعمق، وفيما يلي سنستعرض تشكيل أسطول الغواصات الإيراني وكذلك الوضع الحالي للغواصات الإيرانية.
غواصات كيلو، التجربة الأولى لإيران تحت الماء
أوضحت الوكالة أن إيران دخلت نادي الدول المالكة للغواصات بعد نهاية الحرب العراقية الإيرانية وفي عقد التسعينات الميلادية، خلال تلك الفترة، وبهدف إعادة بناء وتجديد القوات المسلحة، أبرمت إيران عقدا مع روسيا لشراء ثلاث غواصات ديزل-كهربائية من فئة كيلو (المشروع 877).
وأكَّدت أن هذه الغواصات، التي تعرف في إيران باسم فئة طارق، انضمت إلى البحرية الإيرانية بأسماء طارق 901 ونوح 902 ويونس 903 في أعوام 1992 و1993 و1996 على التوالي.
وأفادت بأن فئة كيلو كانت في زمنها من أكثر الغواصات ديزل-كهربائية هدوءا وأفضلها في العالم، وحازت على لقب الثقب الأسود، وهذه الغواصة الثقيلة، بوزن 3950 طن عند الغوص وطول 74 مترا وطاقم مكوّن من 52 فردا، صُممت للعمل في المياه العميقة والمحيطية، وتتمتع بقدرة الإبحار لمدة 45 يوما، وتضم ستة أنابيب طوربيد بقطر 533 ملم مع إمكانية حمل 18 طوربيدا (على الأرجح من نوع تايب 53 الروسي أو الفجر المحلي)، مما يمنحها القدرة على أن تكون صيادا قويا في البحار المفتوحة.
وأبرزت أن هذه التجربة الأولى لم تخلُ من التحديات، فقد واجه أسطول طارق مشاكل جدية لسنوات بسبب تقصير الروس في تقديم الكتيبات الفنية ودعم الصيانة والإصلاح، ولكن هذا الضغط تحوّل في النهاية إلى فرصة ذهبية للخبراء المحليين.
وذكرت أن جهاد الاكتفاء الذاتي للبحرية الإيرانية، تمكّن بالاعتماد على المعرفة والحماس الإيرانيين، من التغلب على هذا التحدي وإنجاز الصيانة الجذرية والتجديد الكامل لهذه الغواصات المعقدة داخل إيران، وقد أصبح هذا الإنجاز الكبير حجر الأساس لاستقلال إيران في مجال التقنيات الغاطسة.
وبيَّنت أنه من منظور استراتيجي، فئة كيلو ليست مناسبة كثيرا للعمليات في الأعماق الضحلة للخليج العربي، لكنها تُعد ذراعا قويا لحماية المصالح الوطنية في بحر عمان وشمال المحيط الهندي والمياه البعيدة، ووجود هذه الغواصات في هذه المناطق يزيد من العمق الاستراتيجي لإيران ويمنح القوات المسلحة القدرة على التحكم في خطوط الاتصال الحيوية.
الخليج العربي؛ فئة غدير، خبير الحرب غير المتكافئة
أوردت الوكالة أن الاحتياجات العملياتية في الخليج العربي، بخصائصه الفريدة (العمق الضحل، والملوحة العالية، وحركة الملاحة البحرية الكثيفة)، دفعت إيران نحو تطوير غواصة تتناسب مع هذه الجغرافيا. 
وأبلغت أنه في أوائل عقد الـ2000، ومع نقل تكنولوجيا غواصة فئة يونو من كوريا الشمالية، انطلق مشروع التوطين والإنتاج الكمي للغواصات الصغيرة في إيران، وكانت النتيجة فئة غدير؛ غواصة صغيرة لكنها قاتلة، أصبحت العمود الفقري للقوات الغاطسة الإيرانية في الخليج العربي، وتزن غواصة غدير بين 115 و150 طن وطولها 29 مترا، وتصنف ضمن الغواصات الصغيرة (Midget)، وهذه الأبعاد الصغيرة تُعد أكبر ميزتها.
وأوضحت أنه يصعب تتبع غدير بواسطة سونارات العدو، وتمكنها ميزة الجلوس على القاع من الكمون لفترات طويلة في نقاط استراتيجية، لتوجه الضربة للعدو في اللحظة المناسبة، ومع إنتاج أكثر من 21 غواصة من هذه الفئة، حولت إيران عمليا الخليج العربي إلى حقل ألغام متحرك وذكي لأي قوة معادية.
وأظهرت أن هذه الغواصة تحتوي على مقرين لإطلاق طوربيدات بقطر 533 ملم، وعادة ما تحمل طوربيدين من نوع الفجر أو نسخ مشابهة، ورغم أن مدى عملياتها واستمراريتها محدودان، إلا أنها كافية تماما للمهام المحددة في الخليج العربي وسواحل مكران.
وأخبرت أنه على مدى السنوات، قام الخبراء الإيرانيون بترقية هذه الفئة بأنظمة محلية؛ بما في ذلك قمرة قيادة رقمية، وأجهزة بصرية متقدمة مع رؤية حرارية ومستشعر ليزري للمسافات، وسونارات محسنة، مما جعل غدير أكثر قدرة بكثير مقارنة بالنموذج الأولي الكوري.
وأبرزت أن أوج تميز التكنولوجيا في فئة غدير تمثل في مشروع جاسك-2، حيث تحولت هذه الغواصة الصغيرة إلى منصة لإطلاق صواريخ كروز، ما شكل قفزة نوعية في القدرة على الحرب غير المتكافئة لإيران، وغدير الآن قادرة، دون الكشف عنها، على التسلل إلى قرب مجموعات السفن المعادية وإطلاق صواريخها المضادة للسفن من الأعماق.
مشروع جاسك-2، نموذج صاروخ مضاد للسفن
أكَّدت الوكالة أن هذا المشروع الناجح هو نفس القدرة التي تجعل من الممكن، نظريا وعمليا، إطلاق الصواريخ نحو أهداف برية في الأراضي المحتلة.
فتح قمم التكنولوجيا؛ فئة فاتح، الغواصة الإيرانية الأكثر تقدما
ذكرت الوكالة أنه بعد اكتساب الخبرة في صيانة فئة كيلو الثقيلة والإنتاج الكمي لفئة غدير الخفيفة، كانت الخطوة المنطقية التالية للصناعات الدفاعية الإيرانية هي تصميم وبناء غواصة متوسطة (شبه ثقيلة) لسد الفجوة بينهما، وهذا الاحتياج الاستراتيجي أدى إلى ولادة غواصة فاتح؛ وهو إنجاز إيراني بالكامل يمثل رمز نضج التكنولوجيا الغاطسة في إيران.
وأشارت إلى أن غواصة فاتح تزن 527 طن على السطح و593 طن عند الغوص، وهي أكبر وأكثر قدرة بشكل ملحوظ من غدير، ويبلغ طول هذه الغواصة 48 مترا، ويمكنها العمل على أعماق تصل إلى 200 متر (بحد أقصى 250 متر)، وتسمح قدرتها على الإبحار لمدة 35 يوما بتنفيذ المهام في مناطق أبعد مثل بحر العرب وشمال المحيط الهندي.
فاتح تمثل قفزة حقيقية من حيث التسليح والمعدات
كشفت الوكالة أن التسليح يشمل أربعة أنابيب طوربيد بقطر 533 ملم قادرة على حمل طوربيدات وثمانية ألغام بحرية. 
وفسَّرت أن الحساسات تتكون من مجموعة كاملة من المعدات المثبتة على البرج، والتي تُطوى أثناء الغوص، وتشمل بيريسكوب بصري مزود بكاميرات حرارية وتلفزيونية، ورادار بحث سطحي، ونظام إنذار راداري (ESM)، وأنظمة حرب إلكترونية.
وأضافت أن غواصة السونار مزودة بمجموعة من أجهزة السونار النشطة والسلبية المتقدمة، والتي من المحتمل أن تشمل السونار المحلي سروش، مما يمنحها قدرة عالية على الكشف والمواجهة، وتم الكشف عن غواصة فاتح وإلحاقها بأسطول الجنوب في 2019، حاملة رسالة واضحة للأعداء، أن إيران لم تعد مجرد مجمّع أو مهندس عكسي، بل أصبحت مصمما ومنتجا قويا في مجال الغواصات المتقدمة.
وأفادت بأن فاتح، من خلال الجمع بين التخفي، وقوة النيران، والقدرة التشغيلية المناسبة، تمثل أداة فعّالة للدفاع عن المصالح الاستراتيجية الإيرانية في المياه الإقليمية وخارجها، وإنتاج فاتح على نطاق واسع جار، مع تجهيز ثلاثة هياكل جديدة على الأقل، لتسليمها للجيش وربما نسخة واحدة للحرس الثوري.
مشروع الهجوم على الأراضي المحتلة في القدس من المحيط
أكدت الوكالة أن مشروع جاسك يمتلك القدرة على إطلاق صواريخ كروز نحو أهداف برية في العمق الاستراتيجي للعدو، وقد تم تطوير نسخ مختلفة منه ويعتمد على تحويل طوربيد إلى كبسولة حاملة لصاروخ كروز، وتتلخص الآلية التشغيلية كما يلي:
- تحديد الهدف: تُجمع معلومات الهدف (الموقع، والنوع، وما إلى ذلك) بواسطة وحدات الاستطلاع والمراقبة مثل الطائرات بدون طيار.
- نقل البيانات: تُرسل المعلومات عبر رابط اتصالات آمن ومشفر إلى الغواصة التي تنتظر في أعماق البحر بحالة تخفي.
- المعالجة والإطلاق: يقوم قائد الغواصة بمعالجة المعلومات وتوجيه الهدف، ثم يُصدر أمر الإطلاق.
- إطلاق الكبسولة: تُطلق كبسولة الصاروخ (التي تشبه شكلا الطوربيد) من أنبوب الطوربيد.
- الخروج من الماء والاشتعال: بعد مسافة تحت الماء، تصل الكبسولة إلى السطح، وتفك غطاءها، ويشتعل محرك صاروخ الكروز في الزاوية والمكان المناسب.
- الطيران نحو الهدف: يتبع الصاروخ المسار المبرمج مسبقا في حاسوبه نحو الهدف ويقوم بتدميره.
وأظهرت أن هذه التقنية المعقدة والمتقدمة لإيران تتيح استهداف الأهداف الحيوية للعدو من منصة إطلاق مخفية تماما وغير متوقعة، على مسافات تصل إلى عدة مئات من الكيلومترات، وبما أن هذا النظام تم اختباره وتشغيله بنجاح على غواصة فئة غدير، فإن الخيار الأكثر احتمالا لتنفيذ مثل هذه المهمة هو هذه الغواصة الصغيرة والخفيفة.
وسلَّطت الضوء على أن القدرة على الإنتاج الكمي لغدير تمنح إيران إمكانية نشر عدد كبير من منصات الإطلاق الصاروخية في مواقع مختلفة في الخليج العربي، وبحر عمان، وحتى أبعد من ذلك، ما يضيف طبقة جديدة وغير مكتشفة إلى شبكة الردع الخاصة بها.
وكشفت أن الصاروخ المذكور في الفيديو المتداول لا يمتلك القدرة على الوصول إلى أراضي القدس المحتلة بسبب محدودية المدى، لكن في حال ترقيته أو استبداله باستخدام نفس التكتيك والكبسولة، يصبح ذلك ممكنا.
ونقلت عن الأميرال الثاني آريا شفق رودسري قوله عن مشروع جاسك-2 وإمكانية تطويره وتنفيذه على باقي الغواصات الإيرانية، أن الغواصات التقليدية في العالم مزودة بأسلحة الطوربيد والألغام، والغواصات المزودة بالصواريخ محدودة، لكن بفضل علم وخبرة زملائي في القوات الاستراتيجية للجيش الإيراني، تم اختبار الصاروخ الغاطس في مشروع جاسك-2 بنجاح في اختبارات متعددة.
وصرَّح أنه تم إدخال تغييرات تكتيكية على المدى والقوة مقارنة بالاختبارات الأولية، وهو قابل للاستخدام على كل من الغواصات الخفيفة، وشبه الثقيلة، وحتى الغواصات الثقيلة التي لم ننتجها بأنفسنا.
وأوضحت الوكالة أن أسطول الغواصات التابع لإيران قطع مسارا مشرفا من الاعتماد على الخارج إلى الاستقلال الكامل، واليوم، ومع امتلاكه ثلاث فئات مختلفة من الغواصات، ينفذ هذا الأسطول استراتيجية دفاعية ثلاثية الطبقات وفعّالة:
- فئة كيلو (طارق) لحضور قوي في المياه البعيدة والمحيطية.
- فئة فاتح كذراع متعددة الاستخدامات للمهام الإقليمية وحماية خطوط الملاحة.
- فئة غدير كسكين سام للمعارك غير المتكافئة في مضيق هرمز والخليج العربي.
وفي الختام أكَّدت الوكالة بأن الوصول إلى القدرة على إطلاق صواريخ كروز من تحت الماء، لا سيما عبر مشروع جاسك، رفع هذه القوة إلى مستوى استراتيجي، وهذه القدرة تمنح إيران ما يشبه ضربة ثانية محدودة لكنها موثوقة، وتجبر العدو على احتساب تهديد غير مرئي وغير معروف ينبع من أعماق البحار، ومع تصاعد التهديدات والتوترات، يبقى السؤال: ما المفاجأة الغاطسة التي تخبئها إيران في المحيط؟

