أكاديمي إيراني: مواجهة الاحتلال تحتاج إلى تقوية الروابط داخل المجتمع

نشرت صحيفة فرهيختكان الأصولية، الأحد 29 يونيو/حزيران 2025، حوارا أجرته مع كميل قيدرلو، أستاذ علم الاجتماع، حول أبعاد التعاطف والتلاحم الاجتماعي الذي برز خلال الحرب الأخيرة مع النظام الإسرائيلي، وسبل الحفاظ على هذه الوحدة الوطنية بعد توقف المواجهات.

وفي ما يلي نص الحوار:

ما الشرط الأساسي للحفاظ على حالة التعاطف والتلاحم التي نشأت في المجتمع؟

لدينا طريقتان لفهم ما يحدث في المجتمع: الأولى تتعلق ببنية المجتمع، أي القواعد والعلاقات التي تنظمه، والثانية تتعلق بفعل الناس وتصرفاتهم. وفي الوضع الحالي، تغيّرت تصرفات الناس، لأنهم واجهوا واقعا جديدا لم يتوقعوه، فاضطروا لإعادة التفكير في أنفسهم وتحديد رؤيتهم لما يجري من حولهم.

والنقطة الأساسية هنا أن الوعي الذي نشأ عند الناس بسبب تلك الظروف الاستثنائية قد يستمر لفترة حتى بعد انتهاء الحدث. لكن الهياكل الاجتماعية الموجودة تدفع الناس للعودة إلى أنماط السلوك القديمة. يعني إذا تُرك المجتمع بدون توجيه، فحتى لو اكتسب الأفراد وعيا جديدا وأعادوا فهم مفاهيم مثل التسامح والوحدة والتعايش، فإن الهياكل والعلاقات القديمة التي سببت الانقسامات ما زالت موجودة.

وهذه الهياكل لا تزال تحتفظ بقابليتها لإنتاج التفرقة، والانقسام، والتضاد، والصراعات الثنائية.

وهذا التحدي لا يواجه المجتمع وحده، بل يشمل أيضا طريقة تفكير المجموعات المختلفة داخله، سواء من لديهم توجهات وآراء متباينة، أو النظام الذي يمثّل المجتمع بمستوياته المختلفة. لذلك، من المهم أن ننتبه حتى لا تعود الانقسامات القديمة إلى الظهور من خلال نفس الأساليب والهياكل القديمة، بل يجب أن تستمر الأمور في طريق الوعي الجديد الذي نشأ نتيجة الأحداث الأخيرة والاستثنائية.

إن خلق هذا المسار ليس أمرا بسيطا، بل مهمة صعبة، ولكن إذا أدركنا ضرورته وأردنا السير فيه بوعي، فإن معالمه ستكون واضحة ومفهومة، كما أن المعالم المضادة له ستكون كذلك قابلة للتشخيص والفهم. لكن الأمر يتطلّب قرارا خاصا، وتنفيذ هذا القرار يتطلب إجراءات وخطوات خاصة. وإذا تمّ تجاهل هذه المسألة، فإن المجتمع سيعود إلى ما كان عليه سابقا، وستُفعّل القواعد التقليدية، ويُعاد إنتاج الخلافات والانقسامات القديمة من جديد.

ولمنع تكرار هذا السيناريو، لا بدّ من تشكيل هياكل جديدة وتحديد سلوكيات واضحة في التعامل معها.

إلى أي مدى يمكن لهذا التعاطف الذي تشكّل أن يُستخدم كوسيلة فعّالة لترميم الفجوات الاجتماعية؟

من الطبيعي، وبالنظر إلى خصوصية هذا الظرف، أن يكون الموضوع أكثر تعقيدا وصعوبة، كما أنه قليل التكرار في التجارب السابقة. صحيح أن هناك بعض النماذج المشابهة، لكن الجمع بين هذه العناصر في الوقت نفسه يُعدّ جديدا على مجتمعنا، وعلى صانعي السياسات لدينا، وحتى على ما قرأناه وتعلّمناه في مجال العلوم الاجتماعية، ولذلك نفتقر إلى الخبرة الكافية في التعامل معه.

وعند النظر إلى هذا الموضوع، يمكن تحليله على مستويين: المستوى الأول هو سلوك الأفراد المرتبط بوعيهم؛ أي أن يكون لدينا، على مستوى العرف الاجتماعي، معرفة وفهم متبادل لبعضنا البعض. وهذه المعرفة يجب أن تكون منسجمة مع الفهم الذي يتبنّاه المجتمع كمرجعية ومعيار لحياته.
وإذا تبيّن أن هذا الفهم أو المبدأ فيه خلل، يجب أن نبدأ بحوار جماعي للوصول إلى فهم مشترك. لكن إلى أن يتحقق ذلك، يجب أن نعتمد في تعاملنا على الفهم والعُرف السائد الذي يُعتبر معروفا ومقبولا داخل المجتمع.

وإذا كان لدى البعض اعتراض على هذا الفهم، فعليهم أن يعملوا من خلال أدوات التفسير، والنقاش، والتثقيف، والإعلام، وغيرها من الجهود، من أجل أن يصل المجتمع إلى فهم بديل. وإلى أن نصل إلى تلك المرحلة، علينا أن نقبل بالسير وفق الآلية العرفية القائمة، وإن كنا نرغب بمسار مختلف، فعلينا أن نبادر بسلوك فعّال لتغيير هذا العُرف بما يتماشى مع الرؤية المنشودة، وعندها فقط يمكن أن نطالب بالاستناد إليه.

أما قبل ذلك، فعلينا أن نتحلّى بمرونة في القبول المتبادل، بناء على ما نفهمه نحن وما يفهمه المجتمع. وهذا الفهم يجب أن يكون واضحا لدى الدولة، والبرلمان، والمجتمع، وجميع من يعتزم اتخاذ خطوات عملية. ولا ينبغي أن نتجه نحو نقاط الخلاف أو أن نخوض صراعات تقابلية في الساحة.

ويتمثل المستوى الثاني في تفعيل المجتمع نفسه؛ ففي السنوات الأولى من الثورة، كانت المساجد بمثابة خنادق للعمل، وكان البسيج فعلا اجتماعيا يشارك فيه الجميع، وكل شخص كان يؤدي دورا معينا في مكانه. واليوم، يجب أن نعود عمليا إلى تلك القواعد التي كانت تجمع الجميع تحت مظلة واحدة، ويجب إحياء هذا النظام من جديد.

والآن، في أحيائنا، هناك أفراد قلائل فقط يقومون ببعض الأنشطة، وكل منهم يعمل بطريقة مختلفة ومتميزة دون تنسيق أو انتباه متبادل. فلدينا سرايا الأحياء، وبيوت الثقافة، والجمعيات، والمساجد، والمجموعات الجهادية، والبسيج، لكن رغم توفر كل هذه الجهات، لا نملك منظومة تغطي الأحياء وتشارك السكان في إدارة جديدة لشؤون محلّاتهم.

وخلال الأسبوعين الماضيين، ظهر بوضوح غياب هذا الفعل المجتمعي والإدارة الاجتماعية الفاعلة على مستوى الأحياء، سواء من حيث الأمن المجتمعي، أو الرقابة على الخدمات، أو حتى تقديم الخدمات نفسها. وكان يمكن تنظيم هذه الأمور على مستوى الأحياء، لكن لم يكن هناك مسار واضح أو منظومة معرَّفة لتحقيق ذلك.

ولا ينبغي أن ننسى أننا خضنا تجربة ناجحة خلال جائحة كورونا، حيث تمكّنا من تنظيم المجتمع والتعامل مع الأزمة بشكل جماعي، وشارك الجميع في أداء أدوار فاعلة. لكننا تخلّينا لاحقا عن هذا الهيكل. ومن الآن فصاعدا، ينبغي أن نتحرك نحو ربط الطاقات الكامنة والفعّالة في المجتمع، بحيث نُشرك الأفراد ونجعل لكل شخص دورا يؤديه. فهذه المشاركة تفتح باب الرؤية والاستماع، بينما تبدأ مشكلتنا من غياب هذين العنصرين.

وبجانب ذلك، تُحدث الفضاءات الافتراضية خلافا داخل المجتمع، وتستقطب المجتمع وتخلق ثنائيات، مما يُمهّد لانقسامه. لذا، في هذه الظروف، يؤدي ذلك إلى ضرورة تأسيس البنية التحتية الاجتماعية التي تعدّ شرطا لخلق ظروف جديدة مترابطة ومتينة. وهذا عمل صعب.

ما الإجراءات اللازمة لمنع نجاح مخطط إسرائيل الرامي إلى دفع الناس نحو اللامبالاة تجاه الاعتداءات؟

إن النقطة الأولى والمهمة هي ألا نُقصي بعضنا البعض وألا نتجه نحو خلق حالة من المواجهة، فالمجتمع اليوم أكثر تقاربا بين أفراده. وعلينا أن نكون واعين تجاه العوامل التي قد تؤدي إلى التصادم، خصوصا تلك التي هي واقعية وموجودة فعلا. 

إن بعض هذه العوامل ليست إلا تصورات خاطئة ناتجة عن سوء فهم أو انطباعات غير صحيحة، نوظنّ أنها موجودة بينما هي في الواقع غير حقيقية. والوعي الذاتي هو الذي يساعدنا في التمييز بين ما هو حقيقي وما هو متخيّل من حالات التصادم.

وعندما نلجأ إلى استخدام لغة مهينة تجاه بعضنا البعض في خطابنا، فإننا نكون أول من يشعل شرارة الصدام. لذلك، فإن الخطوة الأولى تتمثل في تجنّب إقصاء بعضنا البعض والامتناع عن الإهانات. 

ولقد اختبرنا في السابق مواجهات حادّة نتيجة هذا السلوك، وإذا لم ننجح في التصرف وفق منطق البنية الاجتماعية التي تجمع الناس وتجعلهم يعملون معا، وإذا لم نشكّل دوائر اجتماعية صغيرة متعاونة، فإننا سنعود من جديد إلى الهياكل التصادمية القديمة، وسنصطفّ ضد بعضنا البعض.

ذلك لأن محركات الانقسام في المجتمع ذات طابع بنيوي، وطويل الأمد، وواقعي للغاية. وقد يُنكر البعض هذه الحقيقة، لكن الواقع يؤكد وجودها، فالمجتمع في حالة حركة دائمة، وإن اختلفت شدّتها من فترة إلى أخرى، إلا أن جوهرها ثابت. لذلك، من الضروري أن نكون واعين بهذه الحقيقة، وأن نعمل على بناء علاقات إنسانية قائمة على الفهم المتبادل، تُعطي المجتمع معنى، وتحوّل هذا الوعي إلى سلوك عملي.