- زاد إيران - المحرر
- 567 Views
كتب: سيد نيما موسوي
شكّل ظهور الصهيونية وتأسيس دولة إسرائيل، بعد أعوام قليلة من سقوط الإمبراطورية العثمانية، ضربة معنوية قاسية للعالم العربي، بل وللعالم الإسلامي بأسره، فبعد انهيار تلك الإمبراطورية التي كانت لقرون طويلة أكبر قوة في الشرق، وُلد كيان سياسي جديد على أرض فلسطين، تلك البقعة التي كانت نقطة التقاء ثلاث قارات، وتحظى بمكانة مقدسة لدى أتباع الديانات الإبراهيمية الثلاث.
وقد جاء تأسيس دولة إسرائيل، بدعم من مؤسسات دولية، ليفتح الباب أمام صراعات جديدة في منطقة غرب آسيا، وفي أنحاء العالم الإسلامي، برزت ردود فعل متعددة إزاء هذا الحدث، وباستثناء حركة الإخوان المسلمين – التي وُلدت قبل قيام إسرائيل، بوصفها إحدى نتائج الصدمة التي خلّفها انهيار الدولة العثمانية في العالم العربي – ظهرت في مناطق شتى من العالم الإسلامي مجموعات مناهضة للصهيونية، لعبت موجات المهاجرين الفلسطينيين إلى البلدان العربية دورا بارزا في تشكيلها.
ومن بين هذه المجموعات، برز تنظيم يُعرف باسم “الكتاب الأحمر”، أسسه مهاجرون فلسطينيون بدعم من عبدالله حمد الصقر في الكويت.
أما في إيران، فمع تنامي نفوذ اللوبي الموالي للنازية آنذاك، نشطت مجموعات مختلفة ضد “الوكالة اليهودية”، وكان لبعضها جذور إسلامية واضحة، غير أن أبرز قوة سياسية ودينية كانت تتبنى موقفا صريحا في دعم المسلمين الفلسطينيين في مواجهة إسرائيل، تمثلت في أنصار آية الله الكاشاني، إلى جانب طالب العلم الشاب مجتبی نواب صفوي.

إضافة إلى ذلك، تشكّل الخطاب المناهض للصهيونية تدريجيا في الأوساط الفكرية العلمانية في إيران، فالفريق القريب من الراحل محمد مصدق، رئيس وزراء إيران الأسبق، سعى إلى بلورة نظرية لمعاداة الصهيونية في إيران، من خلال رؤية تمزج بين التعاليم اليسارية، والنزعة القومية، والتوجهات الإسلامية في مواجهة إسرائيل.
وبالنظر إلى العلاقات الوثيقة التي ربطت الشاه بإسرائيل منذ أواخر الأربعينيات، فإن القيام بمثل هذه الأنشطة كان يُعد مواجهة مباشرة لفكرة الحكم التي تبناها محمد رضا بهلوي في إيران، ومن بين أوائل المؤيدين للأفكار المناهضة للصهيونية في حكومة مصدق كان الوزير داريوش فروهر.
كما برز اسم أحد المقربين من مصدق وعضو حزبه، وهو أميرتوكل كامبوزيا، الذي يُعتبر أحد هؤلاء المفكرين.
كان أمير توكل كامبوزيا محاميا إيرانيا وُلد عام 1904 في طهران، وينحدر أصله من عشيرة زعفرانلو الكردية في منطقة قوچان شمال شرق إيران، كان والده، أميربابا مشير الديوان، رئيس ديوان أحمد شاه، آخر ملوك السلالة القاجارية.
أكمل كامبوزيا دراسته الأولى في طهران ومشهد، ثم انتقل لمتابعة دراسته إلى عشق آباد، ومنها إلى طشقند في أراضي روسيا القيصرية، ومع انتصار الثورة البلشفية في أكتوبر، عاد إلى إيران. ويمكن اعتبار انضمامه إلى الكولونيل محمد تقی بسيان في خراسان أولى خطواته في عالم السياسة؛ إذ كان پسيان ضابطا عسكريا أسس حكومة ذاتية في خراسان في أواخر العهد القاجاري وقبل انقلاب رضا شاه، وتولى كامبوزيا حينها منصب وزير البرق والتلغراف في حكومته.
وبعد سقوط حكومة الكولونيل بسيان في عهد رضا شاه، نُفي كامبوزيا إلى مدينة بيرجند جنوب خراسان، حيث عمل مدرسا للغة الإنجليزية والفيزياء والكيمياء في المدارس. ومن أبرز طلابه حينها أسد الله علم، الذي أصبح لاحقا أقرب مستشاري محمد رضا شاه، وكان في عشرينيات القرن العشرين طالبا لدى كامبوزيا.

أما فترة نفيه الثانية فكانت إلى زاهدان جنوب شرق إيران، حيث أنشأ مزرعة كبيرة ومكتبة، وأسس في الفترة ما بين 1929 و1933، وفي ذروة سياسة العلمنة التي انتهجها رضا شاه، جمعية الحقائق الإسلامية، ويقال إنه خلال تلك الفترة تأثر بحركات الإحياء الإسلامي في شبه القارة الهندية، خاصة في السنوات التي سبقت استقلال الهند.
وبعد سقوط حكم رضا شاه، حظي في عهد محمد رضا شاه بهامش أوسع من الحرية في أنشطته الدعوية، فعمل في دار المعلمين بزاهدان وفي الإذاعة المحلية هناك، ومع صعود حكومة محمد مصدق، أصبح من الشخصيات السياسية المقربة منه، وتولى إدارة مكتب حزب إيران في زاهدان، وهو الحزب الذي كان في الأربعينيات رمزا للنخبة التكنوقراطية في بدايات حكم محمد رضا شاه، ومن أبرز أعضائه آنذاك: أحمد زيرك زادة، وأرسلان خلعتبري، وحسين مكي، وكاظم حسيبي، وجميعهم كانوا من أصدقاء مصدق.

كان كامبوزيا أيضا من المقرّبين من مجتبی نواب صفوي، طالب العلوم الدينية الذي أُعدم بعد أشهر قليلة من سقوط حكومة مصدق، كما تأثر في تلك الفترة بشخصية الرئيس المصري جمال عبد الناصر، الذي كان حينها أبرز أعداء الشاه في المنطقة، ويحظى بشعبية هائلة لموقفه الصلب ضد إسرائيل والاستعمار الأوروبي، وخاصة في أزمة قناة السويس.
من بين الأحداث البارزة في عهد حكم محمد رضا بهلوي كانت سياسة الإصلاح الزراعي، التي تسببت في خسائر فادحة لكبار ملاك الأراضي في إيران، كما أن هذه السياسة لم تقتصر على إعادة توزيع الأراضي، بل حملت أيضا توجها نحو تغييرات اجتماعية، كان من أبرزها منح المرأة حق التصويت.
كان كامبوزيا، الذي كان يمتلك مزرعة في زاهدان، يعارض هذه السياسة استنادا إلى موقعه الطبقي وإلى تجاربه السابقة، إذ رأى فيها أداة لتعزيز النفوذ الإسرائيلي في القطاع الزراعي الإيراني.
وإضافة إلى ذلك، كان يعتبر التغييرات الاجتماعية المترتبة على سياسة الإصلاح الزراعي، ومنها القضايا المتعلقة بالمرأة، جزءا من مخطط يهودي يهدف إلى تفكيك الأسرة في إيران، ومن هذا المنطلق، كان من المعارضين لقانون حماية الأسرة الذي أقرّه الشاه في ستينيات القرن العشرين.
لقد دفعه موقفه الرافض للإصلاح الزراعي إلى الترحيب بمواقف الإمام الخميني في ستينيات القرن العشرين خلال صراعه مع الشاه، إلى درجة أنه في سنوات نفي الإمام الخميني كان يقوم بنشر خطبه وبياناته التي كانت تبثها الإذاعات المعارضة للشاه.
ومع ذلك، أصبح لاحقا من المؤيدين لـ تيمور بختیار، أول رئيس لجهاز السافاك، الذي انفصل عن الشاه إثر خلافات حادة بينهما، وقد أقام بختیار لسنوات في بيروت وبغداد، وسعى بدعم من جمال عبد الناصر إلى تشكيل جبهة تضم مختلف معارضي الشاه.
خلال سنوات إقامة كامبوزيا في مدينة زاهدان، كانت أجهزة السافاك تراقب عن كثب أحاديثه واتصالاته، وترصد تحركاته اليومية داخل المدينة، وقد جُمعت هذه التقارير لاحقا ونُشرت بعد الثورة في كتاب بعنوان “أمير علي كامبوزيا برواية الوثائق”.
كان كامبوزيا في زاهدان شخصية ثقافية بارزة، يعقد لقاءات فكرية في مكتبته الخاصة، التي تحولت إلى ملتقى لمعارضي الشاه في المدينة. ومن أبرز هؤلاء المعارضين في زاهدان: الشيخ محمد كفعمي، والشيخ علي مزاري من رجال الدين، وعلي خاوري من الشيوعيين المقربين من حزب توده، وجميعهم كانت تربطه بهم علاقات ودية.
تُعدّ ستينيات القرن العشرين ذروة نشاطه الثوري، إذ كان يقوم بطباعة العديد من الكتب الثورية المناهضة لحكم الشاه باستخدام الآلة الكاتبة، ويوزعها بين تلاميذه. ومن أبرز هذه الكتب:
برنامج الثورة الإسلامية” للمفكر الباكستاني أبو الأعلى المودودي، والتقدم السريع للإسلام” تأليف لوكشيا دالغيري، ودور المرأة ” للشيخ محمود شلتوت (شيخ الأزهر)، وعدد من مؤلفات المفكر الإيراني مهدي بازركان مثل “الله في المجتمع” و”التلقائية”.
إلى جانب ذلك، واصل نشر بيانات ورسائل الإمام الخميني خلال فترة نفيه في العراق، الأمر الذي أدى في النهاية إلى اعتقاله من قبل السافاك قبل وفاته بأشهر قليلة عام 1974. غير أن الضغوط الدولية – وعلى رأسها الأكاديمية الفرنسية للعلوم – أجبرت الشاه على إطلاق سراحه، ويُروى أن رئيس الأكاديمية، الذي كان صديقا مقربا من كامبوزيا، مارس ضغطا على الشاه عبر الحكومة الفرنسية لضمان الإفراج عنه.
في عام 1967، وأثناء رئاسة أمير عباس هويدا لمجلس وزراء الشاه، كتب كامبوزيا رسالة مفتوحة إلى هويدا انتقد فيها بشدة الاحتفالات الباذخة بمراسم تتويج الشاه، والتي بلغت تكلفتها نحو 40 مليار ريال، كما هاجم في رسالته سياسة الحكومة في إقصاء الإسلام، واعتبرها سببا رئيسيا في زوال حكم الشاه في السنوات المقبلة، وقد كُتبت هذه الرسالة بأسلوب ولغة شبيهة بخطب الإمام الخميني في ستينيات القرن العشرين.
توفي كامبوزيا في أكتوبر 1974، وعلى الرغم من أن وسائل الإعلام في ذلك الوقت وصفت وفاته بأنها طبيعية، فإن كثيرا من أصدقائه كانوا يعتقدون أنها نتيجة مخطط من السافاك، وبعد الثورة، اعتُبرت السافاك رسميا الجهة المسؤولة عن اغتياله.
إن مسيرة حياته كانت ثمرة عداء عميق وطويل الأمد لحكم أسرة بهلوي؛ ذلك الحكم الذي أنزله من منصب وزير في حكومة الكولونيل بسيان إلى مجرد معلم وكاتب بسيط، ولهذا، فقد تحالف في حياته مع كل تيار يعارض نظام بهلوي:
- دعم نواب صفوي في الأربعينيات
- انضم إلى صفوف محمد مصدق في الخمسينيات
- أيّد جمال عبد الناصر، والإمام الخميني، وتيمور بختیار في الستينيات.
كانت أفكاره مزيجا فريدا من المعتقدات الصوفية، وحركات الإحياء الديني في شبه القارة الهندية، ومعاداة الصهيونية على طريقة عبد الناصر، والميول إلى اليسار الفلاحي الماوي في الصين، والإسلام السياسي للإمام الخميني.
لم يبقَ من مذكراته وكتاباته إلا القليل، وخاصة مؤلفاته التي كتبها ضد إسرائيل، والتي يُقال إن جهاز السافاك جمعها وصادرها بعد وفاته.

