القومية في أتون الحرب: تمازج الهوية الإيرانية – الإسلامية في حرب الـ12 يوما.. الوحدة في زمن الأزمات

كتب: سعيد خورشيدي

شكّلت حرب الاثني عشر يوما بين إيران وإسرائيل (يونيو/حزيران 2025)، إلى جانب تأثيراتها الواسعة على الصعيدين العالمي والإقليمي في مجالات متعددة، محطة فارقة في خطاب الهوية للإيرانيين، فقد أفرزت هذه المواجهة موجة استثنائية من الوحدة والتلاحم بين مختلف الأطياف السياسية، وبين القوميات والمذاهب المتنوعة.

وقبل اندلاع هذا الهجوم المركّب، كانت إسرائيل تراهن على أن تؤدي الضغوط الخارجية إلى تفجير الشروخ الداخلية في إيران، سواء بين السنة والشيعة، أو بين القوميات البلوشية والكردية والتركية والعربية والفارسية، أو بين التيارات السياسية المختلفة، مما قد يشعل اضطرابات اجتماعية واسعة، غير أن مجريات الأحداث جاءت عكس تلك التوقعات، إذ شهدت إيران حالة من التقارب والتماسك غير المسبوقين بين مختلف مكوناتها السياسية والاجتماعية.

وأكّد تقرير المعهد الدولي للدراسات الإستراتيجية في لندن (IISS) أن هذه الحرب أسهمت في تعزيز الوحدة الوطنية الإيرانية بصورة لافتة.

جنگ اسرائیل با مردم ایران چه کرد؟/ گزارشی ویژه از موسسه انگلیسی

انعكست هذه الوحدة في تصريحات مختلف الأطراف،  فقد وصف ماشاءالله شمس الواعظين، الصحفي المخضرم المحسوب على التيار الإصلاحي، قناة إيران إنترناشيونال – بعد توقيعه على بيان يدعو إلى مقاطعتها – بأنها “بوق إعلامي لإسرائيل”، وأعلن دعمه لإجراءات حركة حماس باعتبارها منسجمة مع المادة 18 من ميثاق الأمم المتحدة، كما صرّح في مقطع فيديو:

“توقعات المرشد علي خامنئي كانت صحيحة؛ فبعد سقوط سوريا، تجرأت إسرائيل على مهاجمة إيران.”

أما السيد حسن الخميني، حفيد مؤسس الجمهورية الإسلامية، فقد بعث برسالة إلى المرشد علي خامنئي قال فيها:

“وجودكم المبارك، بما أنتم رمز للشجاعة والحكمة، يحوّل أحلام الأعداء إلى كوابيس ويمنح قلوب الشعب الطمأنينة، هذا الابن الصغير المتواضع لشعب إيران مستعدّ لأن يحضر بفخر في أي ساحة وجبهة ترونها ضرورية.”

ويُذكر أن التيار الإصلاحي كان يُطرح في أحداث سابقة للجمهورية الإسلامية كمعارضة، حتى أن بعضهم كان يصفه بأنه “رصيد إسرائيل داخل النظام”.

وعلى منصات التواصل الاجتماعي، انتشر محتوى غزير حول هذه الأجواء، حيث تصدّر وسم #إيران_ليست_وحيدة قائمة الترند في تويتر الفارسي خلال الأيام الأولى للحرب، كما حظيت وسوم مثل لوحدة_الوطنية بانتشار واسع.

يمكن تفسير هذا التلاحم والانسجام من منظور نظرية “الجماعات المتخيّلة” لـ بندكت أندرسون، التي تفترض أن مجتمعات لا يجمعها بالضرورة اتحاد لغوي أو ديني أو قومي، يمكن أن تتشكل كأمة واحدة، فمثل هذه الأمة، عند تعرضها لتهديد خارجي، تعيد تعريف هويتها الوطنية وتعمل على تعزيز تماسكها وتضامنها، وهو ما حدث للشعب الإيراني خلال حرب الاثني عشر يوما.

القومية كعامل للوحدة
منذ الأيام الأولى للحرب، أدرك المحللون أن القومية الإيرانية، من الإسلاميين الثوريين إلى الليبراليين، جمعت طيفا واسعا من المجموعات في جبهة موحّدة ضد إسرائيل، على غرار ما حدث في الجبهة العالمية المناهضة لإسرائيل.

حتى وسائل الإعلام المعارضة للجمهورية الإسلامية لم تنكر هذه الحقيقة، لكنها اعتبرتها استراتيجية ناجحة من جانب السلطة لكسب التأييد الشعبي في مواجهة إسرائيل، ففي مقال نشرته واشنطن بوست، قال علي أنصاري، مدير معهد الدراسات الإيرانية بجامعة سانت أندروز:

“قيادة الثورة أدركت أنه في الأوقات العصيبة يجب اللجوء إلى الخطاب القومي من أجل توحيد الشعب.”

أما يورونيوز، فقد نشرت تقريرا بقلم فرناز فصیحی، اعتبر هذه الظاهرة مؤشرا على تغيّر نهج الجمهورية الإسلامية، وإعادة تعريف الهوية الوطنية، ومنح القومية حيزا بجانب الإسلام السياسي.

ومن أبرز مظاهر هذا المدّ القومي، الكشف عن جدارية آرش رامي السهم في ميدان “ونك” بطهران في 18 يونيو/حزيران 2025، التي رافقها بيت شعري وطني:

“لأجل إيران، أضع روحي في القوس… وسهم آرش يشق السماء.”

وبحسب طهران تايمز، أصبحت هذه الجدارية رمزا للقوة والوحدة الوطنية.

آرش رامي السهم.. رمز التضحية وحماية الوطن
آرش رامي السهم، إحدى الشخصيات الأسطورية في الشاهنامة للفردوسي، يُعد رمزا لوحدة الأراضي والتضحية في سبيل إيران، ففي ملحمة الشاهنامة، وبعد هزيمة الملك الإيراني منوجهر أمام أفراسياب، ملك توران، يسمح الأخير للإيرانيين بإطلاق سهم من وسط إيران لتحديد الحدود بين البلدين.
حينها، يطلق آرش سهمه من جوار جبل دماوند بكل ما أوتي من قوة، ليصل – بمعجزة إلهية – إلى ضفاف نهر جيحون (آمودريا، في أوزبكستان الحالية)، لكنه يفقد حياته في هذه المهمة البطولية.

وقبل ذلك، كان قد نُصب تمثال بارتفاع 15 مترا لهذه الشخصية الأسطورية في ميدان “ونك” بطهران، حيث وصفه زاکاني، عمدة طهران، بأنه رمز للوطنية وتجسيد لإيران القوية وروح الشجاعة لدى الإيرانيين.

زاکانی: مجسمه آرش کمانگیر در میدان ونک جلوه‌ای از ایران قوی است

انعكاس النزعة القومية في الطقوس الدينية
لم تقتصر النزعة القومية على الساحة السياسية فحسب، بل تجلت أيضا في الطقوس والشعائر الدينية، ففي مراسم محرم لهذا العام، ابتعد بعض المنشدون عن التركيز الحصري على مظلومية الإمام الحسين، واتجهوا إلى تمجيد الوطن واعتباره «وطنا إلهيا”.

وفي بعض المجالس، عُزف النشيد الوطني الإيراني جنبا إلى جنب مع الطقوس الشيعية التقليدية مثل  اللطم وفي أبرز الأمثلة، قدّم محمود كريمي، أحد أشهر المنشدين، في الليلة الأولى من العشر الأولى من محرم، مرثية ذات مضمون وطني، حققت انتشارا واسعا على شبكات التواصل وأثارت جدلا كبيرا، ما دفع بعض المنشدين الشباب لاحقا إلى إعادة أدائها.

صحيفة خراسان نشرت مقالة تحليلية حول هذه القصيدة، وخلصت إلى أن الدين والوطن، حين يجتمعان، يصنعان قوة مضاعفة لتعزيز التماسك والصمود المجتمعي، وأن هذا الاندماج يمكن أن يحوّل القيم الوطنية والدينية المشتركة إلى خطاب سائد ومحرك للنمو الروحي والوحدة الوطنية.

وقد لفت هذا النشيد أيضا انتباه هيئة الإذاعة البريطانية (BBC)، حيث صرّح حسن فرشتيان، المحلل والناقد المقيم في باريس، في مقابلة معها قائلا: «إن خطاب المجتمع بات يؤثر على السلطة، وجعل من مفهومي الوطن والهوية الوطنية محورا لمراسم العزاء»، مضيفا أن هذه الظاهرة، بخلاف ما ذهبت إليه واشنطن بوست ونيويورك تايمز، ليست أداة توظيف بيد السلطة، بل نتيجة خطاب مجتمعي سائد فرض نفسه على الدولة والطقوس الدينية.

وقد بلغ هذا التلاقي بين الديني والوطني ذروته ليلة عاشوراء في 5 يوليو/تموز 2025 حين طلب المرشد الإيراني علي خامنئي، في أول ظهور علني له بعد الحرب، من محمود كريمي أن يؤدي النشيد «أي إيران» داخل مجلس العزاء في حسينية بيت القيادة،  هذا المشهد، الذي وثقته العديد من وسائل الإعلام، تحوّل إلى رمز قوي لدمج الهوية الوطنية بالدينية.

الإيكونوميست تناولت في تقرير لها أثر الحرب على المجتمع الإيراني، مؤكدة أن النظام، من خلال توظيف الرموز الوطنية مثل جدارية «آرش رامي السهم» وأداء النشيد «أي إيران» في المراسم الدينية، نجح في تعزيز التأييد الشعبي، وجاء في التقرير أيضا: «لقد أظهرت إيران مرة أخرى أنه في مواجهة التهديدات الخارجية يمكنها التحول من مجتمع متشظٍ إلى مجتمع موحّد”.

الثنائية القومية في إيران
يبدو أن النزعة القومية في إيران المعاصرة يمكن تقسيمها إلى نمطين رئيسيين: القومية العلمانية والقومية الإسلامية،  فعلى الرغم من اشتراكهما في التركيز على الهوية الإيرانية، إلا أن لكل منهما جذورا وأهدافا مختلفة.

القومية العلمانية
النوع الأول من القومية في إيران المعاصرة هو القومية العلمانية، التي تعود جذورها إلى أواخر العهد القاجاري وفترة حكم البهلويين، وقد انتشرت هذه الفكرة في إيران بالتزامن مع الحركات القومية في تركيا والعالم العربي.
تتميز هذه القومية بالتأكيد على تمايز الهوية الإيرانية عن الثقافة الإسلامية، وتشترك مع نظيراتها الإقليمية في سمات عدة، منها: إبراز اختلاف الخط الفارسي عن العربي، والفصل بين تاريخ إيران ما قبل الإسلام وتاريخها الإسلامي، والتركيز على الرموز التاريخية القديمة مثل كورش الكبير، وتقديم قراءة علمانية للتاريخ الإيراني القديم، مع إرجاع تخلّف المجتمع الإيراني إلى الدين الإسلامي بدلا من الاستعمار الأجنبي.
وقد جرى تعزيز هذا التوجّه من خلال اكتشافات أثرية موجَّهة في عهد البهلويين، وكان اختيار اسم «بهلوي» للسلالة الحاكمة جزءا من هذه الاستراتيجية المدروسة لترسيخ خطاب قومي يضع الهوية الإيرانية في مواجهة الهوية الإسلامية، كما أن فعاليات مثل الاحتفال بالذكرى الـ 2500 لقيام الملكية الفارسية، الذي نظّمه محمد رضا بهلوي، كانت تهدف إلى ترسيخ هذا الخطاب في المجتمع الإيراني.

روایتی عجیب از جشن‌های 2500 ساله؛ غارت طلا و جواهرات موزه آستان قدس رضوی  برای

يمكن تصنيف منظّري هذا الفكر ضمن أطياف متعددة، فمن منظور تاريخي، يضم هذا التيار شخصيات مثل: ميرزا فتح علي آخوند زادة (1812 – 1878)، أحمد كسروي (1890 – 1946)، صادق هدايت (1903 – 1953)، وغيرهم من مثقفي أواخر العهد القاجاري وفترة حكم البهلويين.
وبعد انتصار الثورة الإسلامية في إيران، تراجع التيار القومي العلماني، بل إن الخطاب القومي برمّته تهمّش إلى حد كبير، ومع ذلك، لا يزال امتداد هذا الفكر قائما في شخصيات معاصرة، أبرزها جواد طباطبائي وتلامذته،  فعلى الرغم من أن طباطبائي، بخلاف بعض العلمانيين الراديكاليين، ليس معاديا للدين بالمطلق، ويسعى لتقديم قراءة عقلانية ــ وإن كانت غير اجتماعية ــ للدين، إلا أنه يرى أن التحديث لا يمكن أن يتحقق من دون تجاوز السياسات الدينية، وهذا الموقف جعله من أبرز المعارضين للحكم الديني ونظام ولاية الفقيه.
وفي كتابه “زوال الفكر السياسي في إيران»، يعتبر طباطبائي أن انحطاط إيران هو مسار تاريخي بدأ بانهيار التراث العقلاني الإيراني-الإسلامي، وأن الثورة الإسلامية لم توقف هذا الانحطاط، بل على العكس، عمّقته عبر إحلال الأيديولوجيا وروح الثورة محل العقلانية.

ورغم التباينات الكبيرة بين رموز هذا التيار؛ فـ أحمد كسروي قُتل بفتوى الردة وإهانة المقدسات الإسلامية على يد جماعة «فدائيان الإسلام» ذات التوجه الإسلامي، في حين أن جواد طباطبائي كان متأثرا بعمق بالأدب والفلسفة الإسلامية، وينظر إلى الدين كاكتشاف شخصي وظاهرة ثقافية بحتة، إلا أن ما يجمع بينهم جميعا هو الإيمان بالحداثة والانتماء الفكري العميق للحضارة الغربية.

وقد وجّه هذا الطيف من القوميين الإيرانيين، في أعقاب حرب الاثني عشر يوما، هجوما فكريا على ما أسموه بـ«الأممية الإسلامية»، منتقدين وحدة الشعب الإيراني التي قامت على أساس قومي كما تم تصويرها، ومعارضين سياسات إيران ونشاطاتها في إطار العالم الإسلامي، مثل دعم «حزب الله» في لبنان، و«حماس»، و«أنصار الله»، ودورها في القضية الفلسطينية وسائر القضايا الإسلامية.

القومية الإسلامية
في المقابل، قدّم قادة الثورة الإسلامية في إيران نوعا آخر من القومية، يقوم على دمج الهوية الإيرانية بالهوية الإسلامية، هذا التصور يرى أن الشعوب المسلمة تُعرَّف في إطار الأمة الإسلامية، مع التأكيد في الوقت نفسه على ضرورة الحفاظ على ثقافاتها ولغاتها وعاداتها وتقاليدها.

الإمام الخميني، الذي كان يعتبر القومية ـ إذا أدت إلى أن يقف شعب إيران في مواجهة شعب مسلم آخر ـ سببا للشقاء، كتب في وصيته السياسية:

“أنا أجرؤ على الادعاء بأن شعب إيران وجماهيره المليونية في هذا العصر أفضل من شعب الحجاز في عهد رسول الله ﷺ، ومن أهل الكوفة والعراق في عهد أمير المؤمنين والحسين بن علي عليهما السلام”.

أما المرشد علي خامنئي، القائد الحالي للثورة الإسلامية في إيران، فرغم إيمانه العميق بنظرية الحكم الديني ونظام ولاية الفقيه، واعتباره القومية الاستعمارية فكرة دخيلة ومزوّرة، وتمسكه بأهداف بناء الحضارة الإسلامية الحديثة، إلا أنه في الوقت نفسه يؤكد على النموذج الإيراني–الإسلامي للتقدم ويولي التقدير للرموز التقليدية الإيرانية.

وعن عيد النيروز، الذي تعود جذوره إلى إيران القديمة لكنه امتزج بعد الإسلام بالقيم الإسلامية، يقول:

“ربما لا نظير له أو قلّ نظيره بين الأعياد في مطلع السنة لدى الشعوب، حيث يجمع الناس بين العيد الوطني والدعاء والذكر والابتهال والروحانية وإظهار المحبة لله عز وجل”.

وخلال حرب الثماني سنوات بين إيران والعراق، عندما كان رئيسا للجمهورية، وأثناء حديثه مع المقاتلين، قرأ سؤالا من أحدهم يقول: “هل يجب أن نقاتل من أجل الوطن أم من أجل الإسلام؟” فأجاب:

“الوطن اليوم هو الإسلام نفسه، ولو كان الأمر غير ذلك لكان هناك مجال للسؤال والنقاش، لكن وطنكم اليوم، أي إيران العزيزة، منطبق تماما على فكر الإسلام، ولا يمكنكم أن تدافعوا عن الإسلام من دون أن تدافعوا عن إيران”.

القومية ومستقبل إيران
إنّ الحرب التي دامت اثني عشر يوما بين إيران وإسرائيل (يونيو/حزيران 2025) لم تُعزّز الوحدة الوطنية فحسب، بل دفعت أيضا الخطابات الهويّاتية المختلفة في إيران إلى التنافس، ويمكن تقسيم الأطياف الرئيسة في هذا المجال إلى ثلاثة: القومية العلمانية، والأممية الراديكالية، والقومية الإسلامية، ولكل من هذه التيارات وضعها الراهن، وقدراتها الميدانية، وعوائقها الخاصة التي تؤثر على مستقبل السياسة في إيران.

  • القومية العلمانية
    بعد الثورة الإسلامية، تراجعت القومية العلمانية إلى الهامش، لكنها لا تزال نشطة بين المثقفين، والإيرانيين المقيمين في الخارج، وبعض جماعات المعارضة مثل الملكيين و”الجبهة الوطنية”، حيث تواصل هذه الأطراف الترويج وشرح أفكارها، كما أن التيار الليبرالي يرى في هذا الفكر وسيلة مناسبة وإطارا فعّالا لدفع أهدافه ونشر نظرياته بين عامة الإيرانيين، ويحصل على مكاسب ملموسة بدعمه له.

إن الوحدة الوطنية التي نشأت بعد الحرب قد تشكل أرضية لتوسيع نفوذ هذا الفكر، لكن يظل أمامه عقبة كبرى: افتقاره إلى قاعدة اجتماعية متينة ووحدة تنظيمية قوية، ولن يتمكن من استثمار الظروف الأخيرة إلا إذا أخفى السبب الجوهري وراء تلك الوحدة، وهو دافع إسلامي بحت لا يمت بصلة إلى هذا النوع من القومية.

–  الأممية الراديكالية
هذا الفكر لا يملك في إيران قاعدة اجتماعية تُذكر، حتى في حدودها الدنيا، إذ ابتعد الإسلاميون الشيعة عنه بفعل الأسس الفكرية وبيانات قادة الثورة، ومع ذلك، قد نجد بقايا هذا التوجّه لدى بعض الجماعات السنية الانفصالية أو لدى بعض المفكرين الإسلاميين، لكنه لا يُطرح كاتجاه اجتماعي مؤثر داخل المجتمع الإيراني.

–  القومية الإسلامية أو الإسلاموية القومية
تسعى القومية الإسلامية إلى الجمع بين الهوية الوطنية والهوية الأممية، ما يمنحها قبولا مزدوجا، ويكمن الفارق الجوهري بينها وبين القومية العلمانية في التزامها بفكرة الحكم الإسلامي، بمعنى إدارة شؤون الدنيا وفقا للدين الإسلامي، فالمجتمع الإيراني، في عمومه، مجتمع متدين ويتمتع بهوية إيرانية راسخة.

إذا جرى شرح هذا الخطاب وتوضيحه بشكل صحيح، فإنه يملك القدرة على الترسخ والتفوق على الاتجاهات الأخرى، فهو يتفاعل مع القومية العلمانية، ويقبل بالأممية باستثناء رفضه إلغاء الثقافات المحلية للشعوب.

ويبدو أن هذا التوجّه هو الأوفر حظا في تحديد مستقبل إيران السياسي والفكري، غير أن القومية العلمانية والأممية الراديكالية ستستمران في العيش على الهامش، إن مستقبل إيران سيعتمد على قدرة هذه الخطابات على التفاعل فيما بينها والاستجابة لاحتياجات المجتمع الإيراني المتنوع في مكوناته، والمتحد في كيانه.