- زاد إيران - المحرر
- 759 Views
كتب: محمد الدابولي
شغل الملف النووى الإيراني حجر الزاوية في السياسة الخارجية الإيرانية خلال العقود الثلاثة الماضية، فللمضي قدما في تحقيق الطموحات النووية الإيرانية كان لزاما على طهران مواجهة العديد من التحديات والضغوط بدءا من مواجهة حزمة العقوبات الخارجية التي فرضت لتقويض مشروعها النووي وانتهاءا بحرب الاثني عشر يوما (عملية الوعد الصادق 3) التي شنتها كل من إسرائيل والولايات المتحدة على المنشآت النووية الإيرانية خلال شهر يونيو/حزيران 2025.
بعد انتهاء الحرب الماضية (12 – 24 يونيو/حزيران 2025) برز إلى الواجهة مرة أخرى “على لاريجاني” مستشار القائد الأعلى وأحد أبرز وجوه السياسة الخارجية المتعلقة بالملف النووي، وذلك خلال زيارته الهامة إلي موسكو في يوليو 2025 والتي اعتبرت محاولة إعادة توطيد السياسة الخارجية الإيرانية وكسر حالة الحصار المفروضة على البلاد من قبل الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية.
إعادة هندسة الإدارة الإيرانية
ساهمت الحرب الأخيرة وتبعاتها في ممارسة المزيد من الضغوط على الإدارة الإيرانية لعل أبرزها التهديدات التكنولوجية والسيبرانية التي مكنت إسرائيل من اغتيال العديد من القادة الإيرانيين وتدمير بعض المنشآت الحيوية، مما حدا بالإدارة الإيرانية إلى محاولة إعادة صياغة مفهوم الأمن القومي الإيراني، ولأجل ذلك صُدر مرسوم بإعادة تعيين “علي لاريجاني” كأمينا عاما للمجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني.
وسبق أن تولى “لاريجاني” مهام الأمين لمجلس الأمن القومي خلال الفترة ما بين عامي 2004 و2007 خلال حكومة الرئيس الإيراني الأسبق “محمود أحمدي نجاد” وساهم خلالها “لاريجاني” دورا كبيرا في رسم وضع الخطوط العامة للسياسة الخارجية إزاء الملف النووي.
صناعة القرار السياسي
تبرز أهمية “مجلس الأمن القومي” في كونه مركز لصناعة القرار الاستراتيجي “Think Tank” يساعد الإدارة الإيرانية في رسم سياستها الخارجية، إذ تشكل في بادئ الأمر عقب الثورة الإيرانية في عام 1979 تحت مسمى “مجلس الدفاع” وبزغ دوره الرئيس خلال الحرب العراقية الإيرانية (1980 -1988)؛ وبعد انتهاء حرب الخليج الأولى تم حل المجلس في خضم التعديلات الدستورية التي تمت في عام 1989 وتم نقل مهام المجلس واختصاصاته إلي “المجلس الأعلى للأمن القومي“.
دوافع تعيين لاريجاني
وإزاء تلك المستجدات على الملف النووي الإيراني جاء تعيين “لاريجاني” في ذلك الوقت لقيادة ملف المفاوضات المقبلة نظرا لامتلاكه العديد من المقومات الشخصية والسياسية التي تؤهله لممارسة دورا ملموسا خلال الفترة المقبلة أبرزها على الإطلاق:
- استعادة القدرات التفاوضية: من المؤكد أن البرنامج النووي الإيراني تعرض للعديد من الإضرار الحيوية والبالغة خلال الحرب الأخيرة سواء على مستوى العقول البشرية إذ تم استهداف العديد من العلماء العاملين في البرنامج أو حتي استهداف المنشآت النووية في بوشهر ونطنز وأخيرا منشأة فوردو التي استهدفتها واشنطن في الأيام الأخيرة للحرب. ولأجل الحفاظ على ما تبقى من القدرات النووية الإيرانية تسعى طهران حاليا إلي محاولة الوصول إلي صيغة تفاهمية مستقبلية مع القوى الكبرى حول مشروعها النووي وذلك من خلال إعادة تعيين “لاريجاني” أحد أبرز المسئوليين السابقين عن الملف ذاته.
- انقضاء الاتفاق النووى: يأتي تعيين “لاريجاني” في وقت حرج للغاية نظرا لخروج البلاد من حالة حرب أخيرة واقتراب انقضاء مدة الاتفاق النووي الموقع في عام 2015؛ إذ نص الاتفاق أن تكون مدته عشر سنوات، وبالتالي نحن أمام شهرين على الأقل لانقضاء مدة الاتفاق وانتظارا لجولات تفاوضية أخرى خلال الفترة المقبلة إما لتجديد الاتفاق أو الوصول إلي صيغة تفاوضية جديدة.
- القبول السياسي الداخلي: يتمتع “لاريجاني” بحالة قبول سياسي نوعا ما داخل النخبة السياسية الإيرانية بكافة أطيافها سواء المحافظة أو حتي الإصلاحية، فمبدئيا تدرج لاريجاني داخل صفوف الحرس الثوري الإيراني منذ عام1982حتى وصل إلي منصب نائب رئيس الحرس الثوري ونائب رئيس أركان الحرس، وفي المقابل ينتمي سياسيا إلى تيار اليمين الوسط، كما يتمتع بقبول واسع داخل صفوف الإصلاحيين لما يمتلكه من مواقف في العديد من القضايا المجتمعية كالحجاب.
وفي هذا الصدد يؤكد الناشط الإصلاحي “غلام على رجائي” لموقع “جماران” تقارب “لاريجاني” بشكل كبير مع التيار الإصلاحي، كما يؤكد على تزايد الثقة فيه خلال الفترة الماضية إذ مثل لاريجاني مبعوثا خاصة للمرشد الأعلى للثورة الإيرانية خلال زيارته الأخيرة لموسكو ولقائه بالرئيس فلاديمير بوتين.
وبالإضافة إلى تأييد الإصلاحيين لتعيين لاريجاني انهالت التبريكات الرسمية بتعيين لاريجاني على رأسهم القائد العام للحرس الثوري اللواء محمد باكبور، هذا بالإضافة إلي ترحيب وزير الخارجية عباس عراقجي والنائب الأول للرئيس الإيراني”محمد رضا عارف”، وكذلك وزير الدفاع العميد عزيز نصير زاده، كما استبشر رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف بتعيين لاريجاني في مواجهة التحديات المحيطة بالنظام.
- خبرات سياسية متراكمة: يمتلك لاريجاني خبرات سياسية متراكمة عبر مر السنون، إذ سبق أن تولى في حقبة التسعينيات مسئولية هيئة الإذاعة والتلفزيون الإيرانية(1993 -2004 ) وكذلك وزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي.
ومع بداية التحذيرات الأمريكية من خطورة الملف النووي الإيراني عقب هجمات الحادي عشر من سبتمبر ، عينة الرئيس الإيراني الأسبق “أحمدي نجاد” أمين عام للمجلس للأمن القومي في 14 أغسطس 2005 واستمر في منصبه إلي 18 أكتوبر 2007، ورغم استقالته من أمانة مجلس الأمن القومي إلا أنه ظل عضوا فيه لمدة تقارب 12 عام بحكم رئاسته للبرلمان الإيراني خلال الفترة الممتدة من يونيو 2008 وحتى يونيو 2021، وأخيرا تم تعيينه مستشارا وعضوا في مجلس تشخيص مصلحة النظام.
- إزالة حالة الجمود السياسي: رحبت دوائر سياسية إصلاحية (“حميد أبوطالبي” المستشار السياسي للرئيس الإيراني الأسبق حسن روحاني) بأهمية تعيين لاريجاني واصفة الأمر بأنه محاولة لإزالة حالة الجمود السياسي والدبلوماسي التي انطلت على الفترة السابقة نظرا لسيطرة بعض الساسة المنتمين إلي التيار اليمني المحافظ على ملف المفاوضات أبرزهم رئيس مجلس الأمن القومي الأسبق سعيد جليلي ورفاقه ولعل آخرهم “على أكبر أحمديان” المنتهية ولايته كأمين للمجلس.
ويرى “طالبى” في تحليل له على موقع “جماران”أن مهمة لاريجاني هي ردع التهديدات التي تواجه البلاد من خلال مسار المفاوضات وإعادة تعريف مفهوم الأمن القومي الإيراني، هذا بالإضافة تعضيد مركزية القرار السياسي الخاص بالملف النووي إذ من المفترض أن تشرف الأمانة على كافة السياسات والقرارات الخاصة بالملف النووي كما هو مذكور في قانون المجلس الجديد.
تحديات مقبلة
سيواجه لاريجاني خلال الفترة المقبلة العديد من التحديات التي من المحتمل أن تعيق عمله خلال الفترة المقبلة أبرزها تغيير الإدارة الأمريكية، فمن الجدير بالذكر أن تعيين لاريجاني عمل على استعادة نوستالجيا ولايته الأولي في المجلس إبان فترة حكم جورج بوش الإبن ومستشارته للأمن القومي ووزيرة الخارجية كونداليزا رايس والتي نجح خلالها إلي التوصل إلي مراحل متقدمة من المفاوضات كادت تنتهي بالتوقيع على اتفاق نووي ولكن لخلاف سياسي دب بينه وبين رئيسه أحمدي نجاد توقف كل شئ، وفي مرحلة مقبلة عمل “لاريجاني” على تمرير الاتفاق النووي 2015 من خلال رئاسته لمجلس الشوري الإسلامي إذ لم يستغرق مناقشة الاتفاق سوى عشرين دقيقة.
لكن حاليا الإدارة الأمريكية متمثلة في الرئيس دونالد ترامب تعد النسخة الأكثر تطرفا في التعامل مع الملف النووي الإيراني فخلال ولايته الأولي عمل ترامب على إلغاء الاتفاق النووي واستعادة العقوبات المفروضة على إيران وفي ولايته الثانية عمل ترامب على إيلام البرنامج النووي الإيراني بدعم إسرائيل خلال حربها الأخيرة ضد إيران وبل التوجه بقصف مفاعل فوردو في يونيو الماضي.
ونقطة أخرى تشكل تحديا ملموسا لتولي لاريجاني أمانة مجلس الأمن القومي هي اعتراض أنصار التيار المحافظ ويقصد هنا “أقصى اليمين” والمتمثل في أمين المجلس السابق والمترشح السابق للرئاسة الإيرانية “سعيد جليلي” إذ شبه مؤيدي المفاوضات والتحركات الدبلوماسية “ببنى إسرائيل” إذ نجاهم الله من بطش فرعون لكنهم في النهاية عبدوا عجل السامري، وعلى هذا المنوال سار أغلب مؤيدي وأنصار جليلي متهمين إدارة الرئيس “مسعود بزشكيان” بالضعف وعدم القدرة على مواجهة الأمور.

