إيران في قلب صراع الممرات العالمية: فرصة تاريخية أم تهديد جيوسياسي؟

Ad 4nxfxpdrk3tdrxy1crmtvqh34pdyyqrjhpxetw kwmevqkio65uilorgwss0evupoarsozkhby47tew74xbkiviuscg73klmjdwut5761fj0atz1gg0qrw7zhmg1gfw8adzxwgqq9nakeynkieszvetg5djek93fl3dg

ذكرت وكالة الأنباء الإيرانية “برنا“، في تقرير لها يوم الثلاثاء 8 يونيو/حزيران 2025، أن إيران باتت تقف في موقع محوري داخل خارطة التنافس الجيو-اقتصادي العالمي، حيث تتقاطع الممرات التجارية الكبرى وتتشابك مصالح القوى الإقليمية والدولية، ومع اشتداد الصراع بين مبادرة الحزام والطريق الصينية (BRI) وممر الهند–الشرق الأوسط–أوروبا (IMEC)، تبرز الجغرافيا الإيرانية كعنصر لا يمكن تجاوزه في معادلة الترانزيت العالمي.

أفادت وكالة الأنباء الإيرانية “برنا” بأن الاقتصاد الإيراني يقف حاليا عند مفترق طرق حساس، فبالتزامن مع التهديدات، تلوح في الأفق فرصة جديدة أمام صناع القرار، وإذا لم يتمكنوا من إدراكها، فإن الموقع الجيو-اقتصادي للبلاد قد يُفقد بسهولة.

وأوضحت أن “خريطة التنمية العالمية الجديدة”، التي تشكّلت بفعل إحياء طريق الحرير الصيني ومبادرة الحزام الاقتصادي (BRI)، قد تحدّت فعليا النظام الجيو-اقتصادي التقليدي.

وأضافت أن هذا المشروع الضخم، الذي يتمثل قلبه النابض في ربط الصين بأوروبا عبر آسيا الوسطى والشرق الأوسط، قد أعاد “هارتلاند” لهالفورد ماكيندر إلى مركز اهتمام القوى العابرة للأقاليم.

وبيّنت أن نظرية ماكيندر تفيد بأن “من يسيطر على الهارتلاند، يهيمن على العالم”؛ وهي عبارة قد تبدو مبالغا فيها في القرن الحادي والعشرين، لكنها تبرز بوضوح في سياق المنافسة الحادة بين الصين والولايات المتحدة.

وتابعت أن إيران، بما تملكه من موقع جيو-استراتيجي وجيو-اقتصادي فريد، أصبحت واحدة من الحلقات الذهبية لربط الشرق بالغرب؛ حلقة إذا ما انقطعت، فسيُصاب الممر البري بين الصين والخليج العربي، ومن ثم أوروبا، بخلل كبير.

إيران نقطة التقاء الممرات الدولية

أفادت وكالة الأنباء الإيرانية “برنا” بأن التوتر المتصاعد في هذه الرقعة الجغرافية ليس بمعزل عن المشاريع المنافسة لمبادرة الحزام والطريق الصينية (BRI)، فممر الهند–الشرق الأوسط–أوروبا (IMEC)، المدعوم من الولايات المتحدة والهند وأوروبا، يُعدّ محاولة للالتفاف على محور إيران وروسيا.

وأوضحت أن ممر الشمال–الجنوب، الممتد من روسيا إلى القوقاز ثم جنوب إيران وسواحل الخليج العربي، يمثل بدوره حجر الزاوية في تعزيز موقع إيران داخل النظام العالمي الجديد للنقل.

وأضافت أن هذه الممرات الثلاثة تلتقي جميعها في نقطة واحدة: الأراضي الإيرانية، وهو ما حوّل التنافس الجيوسياسي من مجرد صراع دبلوماسي إلى تهديد مباشر للأمن القومي الإيراني.

الفرص الإيرانية

ذكرت وكالة الأنباء الإيرانية “برنا” أن التدخل المباشر للولايات المتحدة في منطقة “ريملاند”، أي الحزام الجنوبي للهارتلاند الذي يشمل الشرق الأوسط، يتجاوز التدخلات العسكرية الكلاسيكية، ويهدف فعليا إلى ترسيخ الممرات البديلة لمبادرة الحزام والطريق الصينية.

وأوضحت أن تصاعد التوترات العسكرية على حدود إيران، أو حتى تنفيذ هجمات محدودة على البنى التحتية الحساسة، قد يؤدي إلى عزوف المستثمرين المحتملين عن المشاركة في مشاريع الترانزيت داخل البلاد.

وأضافت أن الخطر على نطاق أوسع يتمثل في أنه إذا تمكّن ممر IMEC من تثبيت طريق يصل الهند بأوروبا دون المرور بالأراضي الإيرانية، فإن ذلك من شأنه تهديد الطاقة الاقتصادية لإيران المرتبطة بترانزيت آسيا الوسطى والقوقاز نحو الخليج العربي.

وبيّنت أن الضغوط الناتجة عن العقوبات الثانوية الأميركية المفروضة على الشركات الأجنبية التي تستثمر في المشاريع الإيرانية، ما تزال قادرة على إبقاء المزايا الجيوسياسية لإيران في إطار الإمكانات غير المُفعّلة.

وتابعت أن إيران، رغم هذه التهديدات، ما تزال تتمتع بموقع لا يمكن الاستعاضة عنه، فبحسب منظّرين مثل زبيغنيو بريجنسكي، الذي اعتبر “ريملاند” “الحافة الهشّة للهارتلاند”، فإن السيطرة على هذا الحزام تمثّل مفتاح كبح القوى القارية الكبرى.

وتابعت أن إيران تقف اليوم تماما على هذه “الحافة الهشّة”؛ موقع يمكن أن يكون ليس تهديدا فحسب، بل فرصة نادرة لإنقاذ اقتصادها المعتمد على النفط والمتضرر من العقوبات، وإذا ما نجحت السياسة في طهران في إدارة مناخ التوتر والاستفادة منه لتوقيع اتفاقيات ترانزيت مستقرة، فإن عائدا مضمونا وطويل الأمد من عبور السلع والطاقة سيكون بانتظار البلاد.


من النفط إلى السلع

وذكرت أن الحرب الجارية بين الممرات الدولية قد تكشف لإيران، وللمرة الأولى بوضوح، عن القيمة الحقيقية لموقعها الجغرافي؛ وهي ميزة لطالما أُهدرت خلال العقود الماضية بسبب سوء الإدارة والخلافات السياسية.

وأوضحت أنه كلما تصاعدت حدة التوتر في الممرات المنافسة، ازدادت قيمة المسار الإيراني الذي يتمتع بأمن نسبي، وبالاستثمار في البنى التحتية للموانئ الجنوبية، وتوسيع خطوط السكك الحديدية من الشمال إلى الجنوب، وربط ميناءي جابهار وبندرعباس بشبكة النقل الأوراسية، تستطيع إيران أن تتحول إلى “الجسر الحقيقي” بين الشرق والغرب.

وأضافت أنه في مثل هذا السيناريو، حتى في ظل العقوبات المفروضة على قطاع النفط، يمكن لعائدات ترانزيت السلع أن تسدّ جزءا من العجز المزمن في ميزانية الدولة، وتؤدي دورا حيويا في كبح جماح التضخم.

وبيّنت أن تركيز الصين على تقليص اعتمادها على الممرات البحرية الخاضعة للهيمنة الأميركية، قد وفّر فرصة إضافية لإيران.

وتابعت أن المسار البري الذي يمر عبر الصين، كازاخستان، تركمانستان، إيران، ثم الخليج العربي، لا يعزز أمن الطاقة الصيني فحسب، بل من شأنه أيضا مضاعفة عائدات الترانزيت الإيرانية.

وتابعت أن موازاة هذا المسار، يعزز تقوية ممر الشمال–الجنوب التعاون الاستراتيجي بين طهران وموسكو، ويدخله في مرحلة جديدة؛ تحالف يمكن أن يرجّح كفة التوازن الجيوسياسي في مواجهة ممر IMEC المنافس.

اقتصاد قائم على النفط

وذكرت أن مسار التحولات الراهنة يُظهر أن هناك ثلاثة سيناريوهات رئيسية يمكن تصوّرها، في السيناريو الأول، تتصاعد حدة “حرب الممرات” وتتحوّل المنافسات غير المباشرة إلى صراعات متفرقة في منطقتي الهارتلاند والريملاند.

وأوضحت أنه في مثل هذا الوضع، ستصبح أمن الطاقة في أوروبا، وأمن نقل السلع في مضيق هرمز والممرات المحيطة، عُرضة لمخاطر شديدة، وستتسم أسعار الطاقة في السوق العالمية بعدم الاستقرار.

وأضافت أن السيناريو الثاني يتمثل في اتجاه القوى الكبرى نحو إدارة التوتر وتقاسم المصالح؛ وفي هذه الحالة، ستنتقل المنافسة بين ممر IMEC ومبادرة BRI من ميدان الصراع إلى ساحة التنافس الاقتصادي وتوحيد معايير البنية التحتية. 

ومثل هذا التفاهم من شأنه أن يحصّن التجارة العالمية من صدمات جديدة في قطاع الطاقة، ويعزّز أسس التعاون المتعدد الأطراف.

وبيّنت أن السيناريو الثالث يفترض أن التقدم في تقنيات النقل والتحولات الجيوسياسية سيقلّص من الأهمية التقليدية للممرات البرية، وفي هذا السياق، فإن الميزة النسبية لإيران في مجال الترانزيت لن تكون كافية وحدها، وستنتقل المنافسة إلى مستوى جودة الخدمات اللوجستية والاستثمار في البنى التحتية التكنولوجية.

وتابعت أن كلّ واحد من هذه السيناريوهات سيترك أثرا مباشرا على الاقتصاد العالمي، سواء على صعيد أنماط تأمين الطاقة، أو على خريطة الاستثمارات في آسيا والشرق الأوسط.

وأضافت أن إيران، رغم وجودها في قلب هذا الصراع، فإن الدور الحاسم ستلعبه سياسات القوى الكبرى، وهي الأطراف القادرة على ترجيح كفة أي مسار على حساب الآخر في أي لحظة.

وختمت بأن الاقتصاد الإيراني يقف اليوم عند مفترق طرق حاسم؛ فبالتوازي مع التهديدات، ثمة فرصة جديدة أمام صناع القرار، وإذا لم يدركوها، فإن الموقع الجيو-اقتصادي للبلاد قد يُفقد بسهولة.

لكن إذا ما حلت “البرمجة الذكية” محلّ السياسات اليومية العشوائية، فإن هذه الحرب على الممرات قد تفتح الطريق أمام إيران للانتقال من اقتصاد قائم على النفط إلى اقتصاد قائم على الترانزيت؛ وهو المسار الذي قد يكون أعظم فرصة تُولد من رحم التهديدات.