الغاز الروسي في حسابات طهران.. شراكة استراتيجية لمواجهة العجز وتعزيز أمن الطاقة

نشرت صحيفة «وطن امروز» الإيرانية، الإثنين 26 أكتوبر/ تشرين الأول 2026، تقريرًا تناولت فيه آفاق التعاون في مجال الغاز بين إيران وروسيا، في ظل مساعي طهران لمعالجة عجزها المحلي من الغاز وتعزيز أمن الطاقة، بالتزامن مع انعقاد القمة الثامنة لمنتدى الدول المصدرة للغاز في موسكو.

Image

ذكرت الصحيفة أن القمة الثامنة لرؤساء منتدى الدول المصدرة للغاز، قد تتيح لإيران اتخاذ قرارات استراتيجية بشأن مستقبل اقتصاد الطاقة، في ظل عجزها عن تلبية احتياجات الشتاء، وسعي روسيا لتعويض عملائها المفقودين في الغرب، بما يجعل احتياجات البلدين متكاملة.

وأضافت أن الأزمات، رغم تداعياتها السلبية، قد تفتح فرصًا للتعاون وتغيير السياسات، مشيرةً إلى أن صانعي القرار أمام خيارين: الحفاظ على الوضع القائم أو تحويل الاحتياجات الراهنة إلى مكاسب مستدامة.

وأوضحت أن إيران، رغم امتلاكها نحو 16% من احتياطيات الغاز المؤكدة عالميًا واحتلالها المرتبة الثانية بعد روسيا، لا تزال تستورد الغاز.

وأكدت أن حجم الاحتياطيات لا يضمن توافر الغاز، إذ يتوقف وصوله إلى المستهلك على كفاءة استخراجه ومعالجته ونقله وتخزينه.

العجز الشتوي

ذكرت الصحيفة أن الفجوة بين إنتاج الغاز واستهلاكه في إيران كانت تبلغ 200–250 مليون متر مكعب يوميًا خلال ذروة الطلب، حتى قبل الهجمات التي استهدفت مصافي عسلوية في 18 مارس/ آذار.

وتابعت أن الهجمات أخرجت نحو 230 مليون متر مكعب من طاقة المعالجة اليومية من الخدمة، ورغم استعادة 100 مليون متر مكعب، لا يزال العجز يبلغ نحو 130 مليون متر مكعب يوميًا.

وأوضحت أن نقص الغاز يهدد المنازل والإنتاج الصناعي والصادرات، ويدفع محطات الكهرباء إلى استخدام زيت الوقود والديزل، ما يزيد التكاليف وتلوث الهواء.

وأضافت استنادًا إلى بيانات وكالة الطاقة الدولية، أن إيران استهلكت نحو 260 مليار متر مكعب من الغاز عام 2024، معظمها للمنازل ومحطات الكهرباء والمصانع، مشيرةً إلى أن ارتفاع الاستهلاك وضعف التخزين يجعلان القطاع عرضة للصدمات.

وأكدت أن استيراد الغاز قد يوفر حلًا مؤقتًا لإصلاح الأضرار، لكنه لن يعالج الأزمة ما لم يصاحبه إصلاح جذري.

اضطرابات شريان هرمز وعزلة عملاق الغاز في الشمال

Image

ذكرت الصحيفة أن الاضطرابات العسكرية هزّت سوق الغاز العالمية، مشيرةً إلى أن نحو خُمس إمدادات الغاز الطبيعي المسال عالميًا كان يمر عبر مضيق هرمز قبل هذه الأحداث، وفقًا لوكالة الطاقة الدولية.

وأضافت أن صادرات قطر والإمارات تراجعت بنحو 35 مليار متر مكعب منذ بداية الحرب على إيران حتى منتصف الصيف، ما دفع الأسعار إلى الارتفاع؛ إذ بلغ السعر الفوري في آسيا 17.5 دولارًا لكل مليون وحدة حرارية في ربيع 2026، بزيادة 45%، فيما وصل في أوروبا إلى 16 دولارًا.

وتابعت أن ارتفاع الأسعار ضغط على مصانع الأسمدة والكيماويات والصلب، بينما توقعت وكالة الطاقة الدولية انخفاض الطلب العالمي على الغاز بنحو 0.5% عام 2026، نتيجة ارتفاع الأسعار الذي حدّ من قدرة المستهلكين على الشراء، وليس تراجع الحاجة إليه.

وأشارت إلى أن صادرات روسيا من الغاز عبر الأنابيب إلى أوروبا تراجعت من نحو 180 مليار متر مكعب سنويًا إلى 18 مليارًا في عام 2025، ما ترك بنيتها التحتية قائمةً دون عملائها السابقين.

وأوضحت أن خط «قوة سيبيريا» المتجه إلى الصين يستوعب جزءًا من الإمدادات الروسية، لكن إعادة توجيه مسارات تجارية امتدت 40 عامًا لا يمكن أن تتم بين ليلة وضحاها.

نصفا أحجية واحدة

وأكدت الصحيفة أن احتياجات إيران للغاز لتشغيل مصانعها تتكامل مع سعي روسيا لإيجاد أسواق جديدة لصادراتها، مشيرةً إلى توقيع البلدين معاهدة شراكة استراتيجية لمدة 20 عامًا عام 2025، وإعلان بوتين إمكانية رفع صادرات الغاز إلى إيران تدريجيًا من ملياري متر مكعب إلى 55 مليار متر مكعب سنويًا.

وأضافت أن الجانبين أكملا الإطار العام للاتفاق مع شركة «غازبروم»، وحسما الجوانب الفنية، فيما لا يزال السعر وآلية التسوية قيد البحث. 

وأوضحت أن الكمية الأولية قد تساعد في تخفيف نقص الغاز شمالي إيران، بينما يتطلب الوصول إلى الكميات المستهدفة استثمارات ضخمة وتنفيذًا مرحليًا.

وأشارت إلى أن نجاح الاتفاق يتوقف على التوصل إلى سعر يضمن لروسيا تغطية تكاليف البنية التحتية، ويسمح لإيران بالحفاظ على تنافسية صناعاتها، مع اعتماد تسعير مرن يراعي التغيرات الموسمية وآلية دفع قابلة للتنفيذ في ظل القيود المالية الدولية.

أستارا والجار الوسيط

ذكرت الصحيفة أن نقل الغاز الروسي إلى إيران يتطلب المرور عبر أذربيجان، مشيرةً إلى اتفاق لاستخدام خطوط الأنابيب العابرة لأراضيها، على أن تتسلم طهران الغاز في أستارا، ما يجعل الاتفاق ثلاثي الأطراف عمليًا.

وأوضحت أن استلام الغاز في شمال إيران يقلل تكاليف نقله من الحقول الجنوبية، ويحافظ على ضغط الشبكة، بما يتيح تخصيص الغاز المحلي للصناعات في المناطق الوسطى والجنوبية.

وأكدت أن الاتفاق يحقق مصالح مشتركة؛ إذ تصدّر روسيا الغاز، وتحصل أذربيجان على رسوم العبور، وتؤمّن إيران إمداداتها. 

Image

وشددت على ضرورة مشاركة طهران في تصميم خطوط الأنابيب وتشغيلها، وضمان حقوقها في إدارة الشبكة والعبور، وتوفير فرص للشركات والمهندسين المحليين.

توازن ذكي بين عشق آباد وأنقرة

ذكرت الصحيفة أن تركمانستان تمثل مصدرًا محتملًا مهمًا للغاز الإيراني، إذ تسعى إلى تنويع أسواقها، فيما تُعد إيران أقصر طريق لها نحو المياه المفتوحة. 

وأشارت إلى تجربة سابقة لنقل ملياري متر مكعب سنويًا من الغاز التركماني إلى تركيا عبر الأراضي الإيرانية بنظام المبادلة، لكنها توقفت خلال العام نفسه بسبب خلاف تجاري.

وأكدت أن استدامة التعاون في سوق الغاز تتطلب انضباطًا ماليًا وعقودًا ملزمة تتضمن بنودًا واضحة للتحكيم والتسوية وغرامات عدم التسليم. 

وأضافت أن تنويع منافذ دخول الغاز عبر الشمال الغربي والشمال الشرقي يعزز أمن الإمدادات ويمنح إيران قدرة تفاوضية أكبر للحصول على شروط أفضل.

وبينت استنادًا إلى تقارير وكالة الطاقة الدولية، أن إيران صدّرت عام 2024 نحو 8 مليارات متر مكعب من الغاز إلى العراق، وما يقارب 7 مليارات متر مكعب إلى تركيا. 

وأشارت إلى استمرار عقد الغاز مع العراق حتى عام 2028، واعتماد محطات الكهرباء في البصرة على الإمدادات الإيرانية.

وتابعت أن استيراد الغاز الروسي والتركماني لتلبية احتياجات شمال إيران قد يساعد طهران على الوفاء بالتزاماتها التصديرية دون التأثر بموجات البرد في مازندران، كما قد يعزز التقارب مع تركيا في ظل سعيها لتنويع مصادر الطاقة.

وأوضحت أن التوسع نحو أسواق شرقية، مثل باكستان وشبه القارة الهندية، يظل هدفًا طويل الأجل يتطلب استثمارات كبيرة وتجاوز عقبات سياسية. 

وشددت على أن الأولوية حاليًا تتمثل في تعزيز عقد الغاز مع العراق، وتمديد الاتفاق مع تركيا، وبدء مبادلات فعلية مع باكستان.

وأضافت أن التعاون مع قطر، الشريكة لإيران في حقل بارس الجنوبي المشترك، يظل مهمًا رغم تعذر تبادل الغاز الفوري بين البلدين خلال الشتاء الحالي. 

وأكدت أن التعاون الفني لزيادة الإنتاج والحد من انخفاض ضغط الحقل يخدم مصالح الطرفين على ضفتي الخليج.

حساب الخسائر الناجمة عن عدم توافر الغاز

ذكرت الصحيفة أن البعض قد يتساءل عن سبب اضطرار دولة تمتلك هذه الثروة إلى شراء الغاز من الخارج وإنفاق العملات الأجنبية عليه. 

وأوضحت أن قيمة السلعة لا تُقاس بالفاتورة وحدها، بل يجب مقارنتها بتكلفة غيابها.

وأضافت أنه إذا أوقف مجمع بتروكيماويات أفرانه في الشتاء بسبب انخفاض ضغط الغاز، فإن الخسائر لا تقتصر على الغاز المفقود؛ إذ قد تتضرر المحفزات مرتفعة الثمن، ويتعطل عمل المتخصصين، وتتأخر الطلبات الخارجية، لتتجاوز الخسائر أضعاف تكلفة الغاز الذي كان بالإمكان شراؤه.

وتابعت أن توقف مجمع للصلب قد يدفع قطاعات السيارات والبناء والورش والصناعات التحويلية المرتبطة به إلى الركود.

وأكدت أن إيصال الغاز إلى المحافظات الشمالية بسعر معقول لا ينبغي اعتباره تكلفة، بل استثمارًا لحماية مصادر الدخل القائمة على الصادرات غير النفطية. 

وشددت على ضرورة إدارة الواردات بحذر، من خلال الشراء خلال موسم البرد، والاستفادة من نظام المبادلة، وتجنب الالتزامات طويلة الأجل غير المرنة التي قد تقيد القدرة التفاوضية للبلاد.

أكبر حقل للغاز في إيران

Image

ذكرت الصحيفة أن استيراد الغاز لن يحل أزمة الإمدادات ما لم ترتفع كفاءة الاستهلاك المحلي، معتبرةً أن ترشيد الاستهلاك هو الأقل تكلفة، إذ إن توفير متر مكعب محليًا أرخص من استخراجه ونقله من الخليج.

وبينت أن إبرام الشركة الوطنية الإيرانية للغاز 109 عقود مع شركات كفاءة الطاقة، بهدف توفير نحو مليار متر مكعب بحلول نهاية عام 2026، يمثل خطوة في الاتجاه الصحيح. 

وأضافت أن خفض الاستهلاك المنزلي والحكومي بمقدار 10 ملايين متر مكعب يوميًا يوفر 3.65 مليارات متر مكعب سنويًا، متجاوزًا حجم الشحنة الأولية المقرر استيرادها من روسيا.

وأوضحت أن تحديث الشعلات، وتحسين العزل الحراري، وإنشاء سوق لشهادات توفير الطاقة في بورصة الطاقة، يمكن أن يحول ترشيد الاستهلاك إلى نشاط اقتصادي مربح يتيح مشاركة الشركات المعرفية والشباب المبتكرين.

وتابعت أن تنويع مصادر الطاقة، عبر التوسع في الطاقة الشمسية والرياح، يخفف الضغط على شبكة الغاز. 

كما أكدت أن الحرب كشفت مخاطر تركز منشآت الطاقة في مواقع محدودة جنوب البلاد، مشددةً على أهمية توزيع مصادر الطاقة، وإنشاء مخازن في أنحاء البلاد، وبناء شبكة قادرة على تحمل انقطاع أحد خطوطها.

تحالف قائم على المصالح المشتركة

ذكرت الصحيفة أن منتدى الدول المصدرة للغاز يمتلك حصة كبيرة من الاحتياطيات العالمية والصادرات، ويتيح التنسيق الاستراتيجي وتبادل الخبرات بين أعضائه، دون اعتماد نظام للحصص مثل «أوبك».

وأضافت أن إيران يمكنها طرح مقترحات في اجتماع موسكو، تشمل إنشاء صندوق لإعادة بناء البنية التحتية المتضررة، وتشكيل مجموعة عمل لربط خطوط الأنابيب، واعتماد آليات نقدية بديلة للتبادل التجاري.

وأكدت أن التبادل التجاري في مجال الطاقة لا ينهي الخلافات التاريخية، لكنه يعزز الاعتماد المتبادل ويرفع تكلفة الضغوط السياسية؛ فاعتماد صناعات الدول المجاورة على الغاز الإيراني قد يقلل استعدادها للمشاركة في العقوبات المفروضة على طهران.

وتابعت أن بناء الأمن عبر الطاقة يتحقق من خلال التبادل التجاري الذكي، لا الجدران والأسلاك الشائكة.

محطة موسكو

Image

ذكرت الصحيفة أن نجاح زيارة الرئيس الإيراني إلى موسكو يجب أن يُقاس بنتائج عملية، تشمل موعد وصول أول شحنة من الغاز الروسي عبر أستارا خلال عام 2026، وسعرها وعملة التسوية وضمانات الدفع، بعيدًا عن الخطابات والصور التذكارية.

وأضافت أن بلوغ هدف إنتاج 55 مليار متر مكعب يتطلب مشروعات مرحلية بجدول زمني وتمويل محددين، إلى جانب تحديث أجزاء من خطوط الأنابيب في القوقاز وتحديد مسؤوليات توفير الأنابيب وحصة المصانع والمهندسين الإيرانيين. 

وأكدت أن غياب هذه الضوابط يحوّل المشروعات الكبرى إلى مجرد ملفات إدارية.

وتابعت أن إحياء مسار عشق آباد، وتعزيز التفاهم مع بغداد وأنقرة، ودراسة الربط مع الشرق، ينبغي أن تتم ضمن منظومة متكاملة.

واختتمت الصحيفة بالتأكيد أن إيران أمام فرصة للتحول من مُصدّر منفرد إلى لاعب مؤثر في عبور الغاز وتوزيعه وتحقيق التوازن في السوق الإقليمية، لكن اغتنامها يتطلب الانضباط في التنفيذ وشفافية العقود وإصلاح أنماط الاستهلاك المحلي. 

واعتبرت أن الأزمة تمثل اختبارًا لقدرة البلاد على تجاوز الحفاظ على الوضع القائم وإعادة بناء مستقبلها، وهو ما ستكشفه النتائج لاحقًا.

كلمات مفتاحية: