تطور الاحتجاجات في إيران.. بين الحركات المدنية وسياسات الهوية

نشرت صحيفة هم ميهن، الخميس 9 أكتوبر/تشرين الأول 2025، تقريرا حول الحركات الاجتماعية في إيران، ونشأتها، وإنجازاتها، وإخفاقاتها والتي كانت محور النقاش في إحدى جلسات الندوة العلمية المعنونة بـ”التأملات الفكرية والنظرية حول المجتمع الإيراني”، وذلك بمشاركة علي مرشدي‌ زاد، أستاذ العلوم السياسية، وحميد رضا جلائي‌ بور، أستاذ علم الاجتماع في جامعة طهران، ومحمد ملا عباسي، أستاذ علم الاجتماع في جامعة علامه طباطبائي، ومصطفى عبدي هشترودي، أستاذ علم الاجتماع، وفيما يلي ملخص لأبرز ما دار في هذه الجلسة:

المجتمع الإيراني بين الحركة والصراع
أوضحت الصحيفة أن حمید رضا جلائی‌ بور أكَّد أن المجتمع بوصفه مجتمعا حركيا هو نظرية موثقة في علم اجتماع المجتمعات ما بعد الصناعية، وكان الرائد في هذا المجال هو الفرنسي أل-توران، ولحسن الحظ تُرجمت كتبه إلى اللغة الفارسية. 

وأفاد بأنه قد زار إيران قبل خمسة وعشرين عاما، لكنه كان حذرا من أن يصف المجتمع الإيراني بـالمجتمع الحركي، خلال فترة الحركات الطلابية عام ۱۹۹۹، وحركات الشباب والنساء والإصلاحات في إيران.

وأشار إلى أنه على مدار أكثر من عقدين تشكلت عدة مدارس مفاهيمية لدراسة الاحتجاجات والحركات الاجتماعية في المجتمع الإيراني، شملت الطلاب والشباب والنساء والاحتجاجات النقابية، ونُشرت حولها كتب ومقالات، وتمثل الفئة الأولى دراسات آصف بيات، الذي تحدث عن الحركات القائمة على التقدم الهادئ، واعتبر احتجاجات ۲۰۱۷ و۲۰۱۹ و۲۰۲۲ خطوات نحو وضع ثوري.

ولفت إلى أن غياب ثلاثة عناصر أساسية (حكومة ضعيفة، وأيديولوجيا مهيمنة، ومنظمة قيادية موثوقة) يجعل الوضع الإيراني الحالي غير ثوري، أما الفئة الثانية فتمثلها دراسات سعيد مدني، الذي يرى أن إيران مجتمع حركي بسبب استمرار الاحتجاجات وتزايد كثافتها وتقاربها، مشيرا إلى أن رد فعل النظام أصبح منهجيا، ومؤكدا أن الحل لمأزق إيران الحالي هو الحركة السلمية غير العنيفة.

وأضاف قائلا إن الفئة الثالثة تمثلها كتاباتي حول اثني عشر تيارا حركيا في إيران خلال الخمسة وعشرين عاما الماضية، وبعد كتاب علم اجتماع الحركات الاجتماعية في إيران في النصف الثاني من التسعينيات، واصلت هذا النقاش في كتاب علم الاجتماع السياسي في إيران الصادر عام 2021. 

ورأى أن انتفاضة خريف 2022 كانت مزيجا من حركات حركية وغير حركية، وهي متاحة على الموقع الرسمي، وحتى قبل عامين، كان يعتبر المجتمع الإيراني أكثر حركية، لكن يبدو أن الوضع يتجاوز هذه المرحلة، ليصبح اليوم مزيجا ديناميكيا من مجتمع حركي، غير حركي وفي حالة حرب.

وأشار إلى أن إيران تظهر خصائص حركية جزئيا نتيجة استمرار الاستياء والاحتجاجات الجماعية خلال العقود الثلاثة الماضية، إلا أن المجتمع لا يمكن اعتباره حركيا بالمعنى الاجتماعي المنهجي، ووفقا لنظرية أل-توران، يتطلب المجتمع الحركي وجود ديمقراطية برلمانية، ونمو الفردية والمبادرة، ووجود ما يعرف بسياسة الحياة.

Image

وأبرز أن هذه الخصائص غير مكتملة في إيران الحالية، لذلك تُصنَّف معظم الاحتجاجات على أنها غير حركية، لافتقارها إلى الاستياء المنظم، والخطاب المعرفي، والتنظيم المستمر، والاستمرار حتى تحقيق النتائج، في ظل بنية غير متوازنة، وحكم سلطوي انتخابي، وسياسات محدودة، وتهديدات دولية.

وأوضح أنه على مدار خمسة وعشرين عاما، ظهرت نظرية المجتمع المنهار اجتماعيا كمنافسة لمفهوم المجتمع الحركي في إيران، لكنها ترى أن المجتمع الإيراني يتميز بتنمية غير متوازنة وغير مستقرة، وليس بالمنهار، مع بروز الحركات الاجتماعية وغير الحركية كتيار رئيسي فيه.

وبيّن أنه مؤخرا، أضافت أحداث خطيرة أبعادا جديدة للإمكانات الاحتجاجية، منها الحرب القصيرة التي فرضتها إسرائيل والولايات المتحدة في 13 يونيو/حزيران 2025، وإعادة تفعيل العقوبات الغربية عبر آلية الزناد، مما وضع المجتمع الإيراني في حالة أزمة وحرب.

وتابع أن تصاعد الحركات القومية وحركات الهوية في أذربيجان وكردستان وبلوشستان، إلى جانب الحملات الجماعية الرقمية في الفضاء الافتراضي التي لم تواجه إجراءات صارمة من الحكومة، يساهم في تخفيف حدة المطالب الاجتماعية.

وجزم بأن الأسباب التي تفسر الانتفاضات الاحتجاجية في إيران —سواء أطلقنا عليها حركية، أو غير حركية، أو شبه ثورية، أو في حالة حرب— لا تزال موجودة في المجتمع، مثل الأزمة الاقتصادية وتراجع قدرة الدولة على تقديم الخدمات، وبعبارة أخرى، تظل الظروف المولدة للأزمات حاضرة، مما يجعل المجتمع الإيراني غير مستقر وغير متوازن.

استراتيجيات التعامل مع الاحتجاجات في المجتمع الإيراني

أوردت الصحيفة أن جلائي بور أفاد بأن الحالة الاحتجاجية في إيران تحتاج إلى معالجة طويلة المدى، فهي تشبه علاج مريض بقرحة المعدة؛ لا يوجد حل سريع، خصوصا مع عدم اعتراف الحكومة بأن الاحتجاجات نابعة من سياساتها، واعتمادها على وسائل إعلام محلية غير مهنية يغذي الإعلام الخارجي. 

وأظهر أن الحل الأفضل يتمثل في الاستجابة لمطالب الحركات والمظاهر غير الحركية، وتحسين إدارة السياسة الخارجية لتعزيز الصمود الوطني في الدفاع والأمن والدبلوماسية والخدمات الأساسية وتقليص الفجوة بين الحكومة والشعب. 

وذكر أنه يمكن للحكومة تعزيز الحكم الشامل والقانوني وتقوية الجمعيات والنقابات والمجتمع المدني دون تكلفة كبيرة، مع الحفاظ على حرية الفضاء العام، وبالرغم من عدم إمكانية التنبؤ بالمستقبل بدقة، فمن المتوقع استمرار احتجاجات صغيرة وكبيرة، مع ضرورة أن تكون الشرطة مسؤولة وفعالة لمنع الإصابات أثناء مواجهتها.

Image

وبيَّن أن كل مواطن يُصاب أو يُقتل أو يُسجن خلال الاحتجاجات، بالإضافة إلى كونه عملا غير أخلاقي وغير قانوني، يزيد من حالة الاستياء في المجتمع، والهدف الرئيسي لأعداء إيران هو زعزعة استقرارها من الداخل من خلال زيادة العقوبات، والتخريب الداخلي، وتصعيد الانقسامات العرقية. 

وأقرَّ بأن معالجة آلام المجتمع المحتج والحركات الحركية وغير الحركية وفي الوضع الحربي لا تتوفر لها حلول سريعة، بل تتطلب الصبر والاستمرار في تنفيذ الاستراتيجيات المعقولة، كما أُشير إلى خمسة منها سابقا.

أسباب فشل الحركات الاجتماعية

أكّدت الصحيفة أن مصطفى عبدي هشترودي تناول في عام 2014 الحركات الاجتماعية الكلاسيكية في إيران، مركزا على غياب التحولات الهيكلية، مستخدما نموذج بلومر ودمج مفاهيم من فوران ونظرية استبداد ويتفوغل لتحليل أسباب فشل الحركات، بما في ذلك أحداث 1978. 

Image

وأبرزت أنه بعد مراجعة النظريات الإيرانية والعالمية، أشار إلى أن بعض الاحتجاجات الأخيرة مثل 2009 و2022 يمكن اعتبارها انتفاضات وليست حركات اجتماعية حقيقية، إذ الحركات تحتاج إلى شبكات اجتماعية لتتشكل تدريجيا. 

وأوضح أن صعوبة ظهور الحركات في إيران تعود إلى الاستبداد والاستبداد المجزأ، والفرص المحدودة لظهورها، وأن نجاحها يتأثر بالعوامل الداخلية مثل وحدة الحركة، واستقلالها السياسي والمالي، ولغة خطابها، وكذلك بالعوامل الدولية والضغوط الخارجية، وأخيرا، نوَّه بأن صعوبة نقل التجارب بين الأجيال تجعل الحركات غير ناضجة غالبا وتموت مبكرا.

من الحركة إلى الانتفاضة.. تطور الاحتجاجات الاجتماعية في إيران

أفادت الصحيفة بأن أستاذ العلوم السياسية علي مرشدي‌ زاد أوضح أن الحركات الاجتماعية في إيران تطورت بعد الثورة من احتجاجات فردية وجماعية مثل بست‌نشینی في البلاط والحرم إلى استخدام المنشورات والخطب والمسيرات، ثم الإضرابات، وبحسب نظرية تيلي، تختار كل حركة شكل احتجاجها وفق مواردها وظروفها، وتقاس قوتها بأربعة معايير: القيمة، والانسجام، والعدد، والالتزام، إذ يقلل فقدان أي منها من فعالية الحركة. 

وذكر أن أولى الحركات الكبرى كانت في عهد الرئيس الإيراني الأسبق هاشمي رفسنجاني، حيث شهدت مدن مثل مشهد وإسلامشهر احتجاجات الفقراء، وشملت التخريب، وإحراق الطرق، والاعتداء على من اعتُبروا مرتبطين بالحكومة.

وسلَّط الضوء على أن حركة الثاني من خرداد الإصلاحية، التي انطلقت في 1997، امتدت جذورها إلى الثورة الإسلامية عام 1979، وارتبطت بصعود طبقة متوسطة جديدة وارتفاع مستوى الوعي من خلال التعليم الجامعي والتوسع في جامعة آزاد، كما ساهمت مراكز البحث والصحف الثقافية والإصلاحية في تعزيز أدوات الحركة، بما في ذلك الاجتماعات، والمظاهرات، ووسائل الإعلام المطبوعة، والكتب.

وأكَّد أنها كانت أكبر حركة، نظرا لاتساعها وشمولها فئات الشباب والنساء والطلاب والمعلمين والطبقات الدنيا، حيث كان تأثيرها الأكبر في رفع الوعي أكثر من التأثير السياسي المباشر، أما حركة 2009، فتمثلت في احتجاجات الطبقة الوسطى، وهي سلمية في الأساس رغم تحوّلها أحيانا إلى العنف، بينما كانت احتجاجات 2017 و2019 أقرب للفوضى. 

وأقرَّ بأن حركة 2022، كانت احتجاجا للطبقة الوسطى بمشاركة الشباب، بمطالب واضحة، ولا سيما من النساء اللواتي لعبن دورا بارزا يعكس استقلالهن.

Image

سياسات الهوية والحركة الاجتماعية في إيران عام 2022

ذكرت الصحيفة قول محمد ملا عباسي، أستاذ الاجتماع السياسي، أنه مع مفهوم “سياسات الهوية” الذي برز في سبعينيات وثمانينيات القرن العشرين مع ظهور الحركات المدنية في الولايات المتحدة ودول أخرى، تحوّل فهم الاحتجاجات من منظور الطبقات الاجتماعية إلى الانتماءات الهوياتية مثل الجنس والعرق والدين. ففي الحركات الجديدة، لم يعد الفاعلون ينتمون إلى طبقة محددة، بل إلى جماعات متنوعة يجمعها شعور مشترك بالتمييز أو السعي للاعتراف، كالحركات النسوية أو المناهضة للعنصرية.

وأضافت قوله إن في إيران، أدى تنوّع الهويات والاختلافات الاجتماعية إلى بروز حركة احتجاجية واسعة عام 2022 ذات أبعاد متعددة، مثّلت شكلا من أشكال سياسات الهوية. ورغم تحقيقها بعض التغييرات في قضايا مثل سياسات اللباس، فإنها واجهت إخفاقا في تحقيق أهدافها العامة، نتيجة تناقض داخلي بين رؤيتها لنفسها كـ”أقلية مظلومة” وبين شعورها بأنها “أغلبية مقهورة” تمنعها السلطة من التغيير.

وختمت بقوله إنه كما تبنت السلطة الحاكمة بدورها سردية معاكسة، معتبرة تلك الحركات أداة بيد الأعداء، ما أدى إلى هشاشة الخطاب الهويّاتي الشعبي وعدم قدرته على الاستمرار بواقعية وتنظيم. وبمرور الوقت، انحسر زخم تلك الحركات، فيما تمكن النظام الإيراني من تعزيز موقعه، مستفيدًا من آليات سياسات الهوية نفسها لإعادة تأكيد شرعيته وقوّته داخل المجتمع.