صراع داخل البيت الأصولي حول قانون الحجاب

Image

مع تجدد الجدل حول واحد من أكثر قوانين إيران مناقشة، يتضح أن الجدل حول الحجاب الإجباري في إيران لم يكن يوما قضية دينية بحتة، بل ظل مرآة للصراع العميق بين التيار الأصولي المحافظ من جهة، وتيارات أكثر واقعية داخل النظام من جهة أخرى، ومع كل أزمة سياسية أو اقتصادية تضرب البلاد، يعود هذا الملف إلى الواجهة بوصفه أداة تعبئة أيديولوجية، ووسيلة لإعادة إنتاج الخطاب الديني السياسي الذي قامت عليه الجمهورية الإسلامية قبل أكثر من أربعة عقود.

في هذه المرة، الحال مختلفة، فلم يكن الجدل بين التيارات، بل في التيار الواحد، التيار الذي يسيطر على البرلمان، ويضع الحكومة تحت ضغط  الاستجوابات والمقترحات والتصريحات الغريبة، فهذه المرة خرج الصوت من المعسكر الأصولي.

تصريحات باهنر.. كسر المحظور من داخل البيت الأصولي

خلال مناظرة جمعته مع علي شكوري ‌راد، الناشط السياسي الإصلاحي، الأحد، 5 أكتوبر/تشرين الأول 2025، صرح محمد رضا باهنر، عضو مجمع تشخيص مصلحة النظام والأمين العام لجمعية المهندسين الإسلامية، ردا على سؤال حول عودة الضغوط الاجتماعية وطرح موضوع الحجاب من خلال منابر صلاة الجمعة، قائلا: “من الناحية القانونية والحقوقية، قام المجلس الأعلى للأمن القومي بقطع مسار مشروع قانون الحجاب، ولم يعد قابلا للمتابعة. الالتزامات التي كانت موجودة سابقا، مثل الإجراءات التي كان يجب على الشرطة تنفيذها، لم تعد اليوم مبررة”.

Image

ويتابع باهنر: “في السابق، كان من الممكن أن تذهب بضع نساء أمام البرلمان ليقلن إن الحجاب هو كل الإسلام وما إلى ذلك، وهذه الأصوات قد تظل موجودة، لكن لو استقصيتم من الجهات الرسمية لقالوا إنه لا يوجد أي إلزام، أو غرامة مالية، أو عقوبة جنائية، أو قانونية في هذا الشأن، لا يوجد قانون يبنى عليه تنفيذ هذه الإجراءات، إن النماذج الفكرية بالمجتمع لفي طريقها إلى التغيير بشكلٍ ناعم”.

Image

وفي جزء آخر من حديثه، وبعد ذكر تصريح أحد الناشطين الأصوليين، وهي منصورة معصومي، على شاشة التلفزيون الذي قالت إن البلد ملك لحزب الربانيين، وهو تيار فكري ظهر وقت الثورة وساند الخميني على انتشار ودعم أفكاره، عبر باهنر عن رأيه في الانقسام الاجتماعي الحالي في إيران قائلا: “لدينا 10% من حزب الربانيين، وربما 5 إلى 6% ممن يعدون معارضين أو معادين للثورة بالكامل، أما 90% من الناس فيريدون أن يعيشوا،  إنهم يحبّون إيران، ويريدونها موحدة وقوية، لكنهم يريدون أن يعيشوا، وأن تتحسن أوضاعهم المعيشية، وأن يحصل أبناؤهم على وظائف، وأن تحل مشكلاتهم”.

عاصفة في بهارستان.. البرلمان يتحوّل إلى منبر للهجوم

في اليوم التالي لتصريحات باهنر، تحولت جلسة البرلمان الإيراني إلى ساحة مواجهة خطابية، حيث تسابق عدد من النواب الأصوليين على مهاجمته، بعضهم من دون أن يذكر اسمه، وبعضهم بذكر الاسم مباشرة، فقد قال محمد تقي نقد علي، النائب عن مدينة أصفهان: “من كان نائبا لرئيس هذا المجلس يقول اليوم إن الحجاب لم يعد له سند قانوني! استح من دم أخيك الشهيد!، يقصد إبراهيم رئيسي الرئيس الإيراني السابق، الناس يرون العريّ والمشروبات والتبرج ولا أحد يجيبهم، والشعب المتدين له الحق أن يغضب”.

Image

كذلك، قال النائب مجتبى ذو النوري، النائب البرلماني عن قم: “إن وضع الحجاب في البلاد غير مقبول، والمتدينين مستاؤون”، كما حذر خلال كلمته مما وصفه بخسارة المؤمنين لإرضاء قلة من مخلّي الأعراف.
أما أحمد راستينه، المتحدث باسم اللجنة الثقافية في البرلمان وأحد المقربين من جبهة الصمود، الوجه الأصولي في البرلمان، فذهب أبعد من ذلك حين وجه كلامه إلى النيابة العامة داعيا إلى التحقيق مع باهنر، قائلا: “من يروج العري ويدافع عنه ويقول إننا لم نعد نملك قانون العفة والحجاب، لا يختلف عمن يخوف الشعب بالحرب؛ كلاهما يستهدف النظام الإسلامي”.

Image

من جانبه، قال أمير حسين بانكي ‌بور، نائب أصفهان، في كلمته أثناء الجلسة العامة للبرلمان: “نحن نعيش حربا مركبة، يسعى فيها الأعداء من خلال نشر الابتذال والعري إلى زرع الفرقة داخل مجتمعنا، وللأسف، بعض من يعدون من أبناء الداخل يلقون بتصريحاتٍ غير محسوبة، أنا واثق أن رؤساء السلطات الثلاث، مستلهمين توجيهات القائد الذي قال أربع مرات إننا لن نتراجع عن قضية الحجاب، وكذلك استنادا إلى طلب 209 من نواب البرلمان ومراجع التقليد من رئيس المجلس، سيبادرون قريبا إلى إصدار قانون تعزيز الحجاب والعفة ودعم الأسرة، وألا يسمحوا بأن تتسع بعد الآن أرضية النزاع داخل المجتمع”.

Image

الإعلام الأصولي يدخل المعركة

على الجانب الإعلامي، تصدرت صحيفة كيهان الأصولية الهجوم الأشد على باهنر، ففي افتتاحية نشرتها الصحيفة، كتب حسين شريعتمداري، رئيس تحرير الصحيفة، مستنكرا استخدام عبارة الحجاب الإجباري، ومعتبرا أنها من إنتاج أعداء الإسلام والثورة، وهدفها تصوير الحجاب على أنه غير ضروري ومعاد للحرية، فكتب: “السيد محمد رضا باهنر، في المؤتمر الصحفي الذي أعادت نشره وكالة إيسنا قال بوضوح لقد ذكرت صراحة أن بعض الأشخاص كانوا يسعون إلى جعل الحجاب إلزاميا، وأنا منذ البداية لم أؤمن بالحجاب الإجباري ولا أؤمن به الآن! لكنه لم يوضح ما الذي يقصده باستخدام عبارة الحجاب الإجباري، هل يعتبر الحجاب واجبا شرعيا وضرورة قانونية أم لا؟ فإذا كان حفظ الحجاب ضرورة قانونية، وهو كذلك، فلماذا لا يراعى؟ وإذا كان واجبا شرعيا وأمرا إسلاميا مؤكدا، وهو كذلك، فبأي منطق قانوني أو عقيدةٍ إسلامية لا يرون لزوم الالتزام به؟”. 

Image

ثم أضاف منتقدا: “إن استخدامه لعبارة الحجاب الإجباري التي صاغها أعداء الإسلام والثورة بهدف إظهار الحجاب كأمر غير ضروري ومعاد للحرية، أمر يثير الاستغراب والتأمل”، وتابع: “السيد باهنر قال في الجزء التالي من المقابلة، مشيرا إلى توقف تنفيذ قانون العفّة والحجاب بأن قانون الحجاب الإجباري غير لازم الاتباع، وقد تم إيقاف مشروع البرلمان بوساطة مجلس الأمن القومي، وهنا يجب القول أولا، إن اسم هذه المشروع ليس قانون الحجاب الإجباري بل قانون العفة والحجاب
وثانيا، إن المجلس الأعلى للأمن القومي لم يصدر أي قرار بهذا الشأن، بل إن قرار التوقف تم بموافقة رؤساء السلطات الثلاث”.

بين القانون والواقع

من الناحية القانونية، فلا تزال لائحة العفة والحجاب التي صادق عليها البرلمان قابعة في أدراج التنفيذ، فقد كشف رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف في وقت سابق من هذا العام أن المجلس الأعلى للأمن القومي أصدر تعليمات مكتوبة بتعليق تنفيذ القانون، ما يعني أن تطبيقه فعليا متوقف، على أن التيار الأصولي لا يزال يصر على أن التوقف لا يلغي الوجوب الشرعي، ويعتبر أي حديث عن عدم الإلزام مساسا بالهوية الإسلامية للدولة،  أما التيار الإصلاحي داخل النظام، فيرى أن فرض الحجاب بالقوة أصبح عبئا أمنيا وسياسيا لا طائل من ورائه، وأن الحل يكمن في التدرج الاجتماعي والحوار الثقافي.

Image

وحول هذا الأمر، قال الرئيس الإيراني، مسعود بزشكيان، خلال مقابلة مع شبكة فوكس نيوز: “أنا لا أؤمن بأي نوع من الإكراه، ولا أراه قابلا للتطبيق، وفي المسار الذي نتبعه لا يوجد مثل هذا الإكراه، لا يمكن إجبار أحد على القيام بشيء بالقوة أبدا، لكن احترام القيم وصون الثقافات أمر متبادل يجب أن نحرص عليه جميعا، واليوم، في بلادنا، رغم وجود قوانين مكتوبة، فإن مسارا جديدا يتشكل ضمن هذا الإطار. ومن الناحية الفكرية والعقائدية، أؤمن بأنه لا يمكن إقناع الناس أو إلزامهم بما تريد إلا بالحوار وبالأساليب المناسبة، هذه القضايا لا تحل بالشجار، أو الحرب، أو الاعتقالات، أو الإجراءات القسرية التي تحدث أحيانا، وحاليا لا يوجد مثل هذا النهج في إيران”.

Image

معركة هوية لا معركة حجاب

في نهاية المطاف، لا يبدو أن الجدل الدائر حول قانون الحجاب في إيران هو مجرد نقاش حول قطعة قماش تغطي الشعر أو لا تغطيه، بل هو معركة هوية سياسية وثقافية تمس جوهر النظام نفسه، فالخلاف بين باهنر وخصومه لا يدور حول الآيات والأحكام بقدر ما يدور حول سؤال أي إيران يريدها النظام اليوم؟ هل هي إيران الثورة الدائمة التي تحكمها لغة التعبئة والجهاد الأخلاقي، أم إيران الدولة الحديثة التي تبحث عن صيغة توازن بين الدين والحرية؟

الوقائع الأخيرة تشير إلى أن التيار الأصولي لا يزال متمسكا بأدوات السيطرة الرمزية ذاتها التي استخدمها منذ الثمانينيات، بينما تتغير القواعد الاجتماعية بسرعة تفوق قدرته على التكيف. أما الأصوات التي تحاول كسر الجمود، مثل باهنر وبزشكيان وغيرهما، فتدفع ثمن جرأتها في مواجهة بنيةٍ مغلقة لا تتسامح مع المراجعة.

ومهما يكن مآل هذا السجال، فإنّ الحجاب لم يعد موضوعًا محصورًا في النصوص أو المؤسسات، بل تحوّل إلى ساحة مواجهة بين إيران الرسمية وإيران الاجتماعية، بين سلطةٍ تخشى التغيير وشعبٍ يطالب بحقّه في أن يعيش، ببساطة، كما قال باهنر نفسه: “تسعون في المئة من الإيرانيين يريدون فقط أن يعيشوا… وأن يكون لهم مستقبل”.