دبلوماسي إيراني سابق: سقوط الأسد كان حتميا… والأزمة السورية أعمق من تغيّر التحالفات

Image

أجرى موقع “شرق” الإيراني، الأربعاء 10 ديسمبر/ كانون الأول 2025، حوارا مع محمد إيراني، السفير الإيراني السابق في الكويت والأردن ولبنان، ناقش فيه معه السياسات الإيرانية في سوريا بعد رحيل الرئيس السوري بشار الأسد، وتقييم الوضع الراهن للحكومة الجديدة برئاسة أحمد الشرع.

Image

نص الحوار:

بعد سقوط حكم بشار الأسد في ديسمبر/ كانون الأول 2024 وصعود أحمد الشرع بدعم تركي وعربي وغربي، دخلت سوريا مرحلة جديدة من عدم الاستقرار بسبب استمرار أزمات الأكراد والعلويين والدروز والاحتلال الإسرائيلي. 

وفي الوقت نفسه، لم تحدد إيران موقفها من الحكومة الجديدة، رغم أن نفوذها يواجه تحديا كبيرا بعد فشل الأسد في تقليص اعتماد سوريا على إيران لصالح التقارب مع العرب والغرب، وهو ما ساهم في سقوطه السريع.

إيراني، نبدأ النقاش معك. إلى أي مدى توافق أو تعارض هذا الخط التحليلي؟

أنا لا أتفق مع جوهر تحليلك حول سبب انهيار نظام الأسد؛ فهذه مجرد رؤية واحدة من بين قراءات عديدة، وبرأيي، أزمة سوريا أعمق بكثير من تغيّر نهج سياسي أو اصطفاف جديد، ولا يمكن اختزالها بذلك. 

والدول التي يقال إنها ستحلّ محل إيران كانت منذ سنوات تدفع باتجاه خروج الأسد، وقد نقلت له رسائل واضحة، وهو لم يكن غافلا عن التطورات.

وقد لمست خلال عدة لقاءات مباشرة أنه كان يتمتع بفهم دقيق نسبيا للاتجاهات الداخلية، لكن المشكلة كانت في الإهمال المزمن لمطالب السوريين، وهو إرث ممتد منذ وصول عائلة الأسد والبعث إلى السلطة.

وأرى أن جذور الأزمة الحقيقية تكمن في غياب الديمقراطية، وإغلاق المجال السياسي، وتجاهل احتياجات المجتمع، وهي أمور انفجرت في النهاية. 

والتدخلات الخارجية وتغير موازين القوى—خصوصا ازدياد جرأة إسرائيل—سرّعت الانهيار، لكن حتى بدونها كانت سوريا ستصل إلى لحظة تغيّر قسري بسبب تراكم الأزمات البنيوية.

هل تعتقد إذن أن سقوط الحكم كان حتميا؟

ما حدث في سوريا كان حتميا، وهناك ثلاث مسائل جوهرية لفهم المرحلة: ما هدف هذه التحولات؟ وما نتائجها؟ وما الدور الذي يجب أن تؤديه إيران الآن؟ هذه الأسئلة هي الأساس لفهم واقع سوريا وموقع إيران فيه.

وأحد الأسباب الرئيسية لانهيار البنية السابقة هو تجاهل النظام لمطالب الشعب، فالعنف البنيوي والقبضة الأمنية الشديدة جعلا الأجهزة الأمنية الحاكم الفعلي، ونشرا الخوف في المدن والقرى على حد سواء.

وبالنسبة لنا كإيرانيين، وبسبب علاقتنا الوثيقة مع دمشق وعدم احتكاكنا المباشر بجهازها الأمني، لم تكن صورة هذا القمع واضحة دائما، لكن خلال لقائي بالمواطنين السوريين، كان الاستياء الشعبي العميق من الوضع واضحا تماما.

ما الذي حدث في 8 ديسمبر/ كانون الأول 2024 لينهار حكم الأسد فجأة خلال 72 ساعة، رغم أن عوامل مثل القمع والحرب الداخلية موجودة منذ 2011، وهل يتعلق الأمر بتغيرات بعد 7 أكتوبر/ تشرين الأول منعت دعم الأسد لوجستيا؟

Image

إن أزمة سوريا أعمق من مجرد سقوط حكم؛ فهي نتيجة إهمال طويل لمطالب الشعب واستمرار القبضة الأمنية وتركيز السلطة بيد أقلية، ما جعل الخوف والقيود جزءا ثابتا من الحياة اليومية، وهذه العوامل الداخلية ليست سوى الطبقة الأولى من الأزمة.

والموقع الجيوسياسي لسوريا حوّلها إلى ساحة تنافس بين قوى إقليمية ودولية؛ من تركيا والسعودية والخليج الساعين لاحتواء نفوذ إيران، إلى الولايات المتحدة التي حاولت بناء توازن جديد عبر وجودها العسكري، وبذلك أصبح الحضور الإيراني محورا رئيسيا للصراع.

وقضية أكراد الشمال وتأثيرها على أمن إسرائيل زادت من تعقيد المشهد، وأن ما يجري اليوم هو حصيلة عملية طويلة ومبرمجة لتقليص نفوذ إيران ومحور المقاومة، وليس نتاج قرار واحد، ولذلك يرى ضرورة إعادة تقييم سياسات إيران في مرحلة ما بعد الأسد.

إذا كانت المعايير التي ذكرتموها ثابتة طوال 12 عاما وحتى منذ عهد حافظ الأسد، فكيف تردّون على القول إن عملية أستانة همّشت دور إيران لصالح الرئيس الروسي بوتين والرئيس التركي أردوغان؟ ولماذا لم تساعد هذه العملية في التنبؤ أو منع السقوط؟

إن الإغفالات بدأت تتكشف تدريجيا بعد سقوط بشار الأسد وخلال هذا العام، وأن موجة التغيرات التي انطلقت بعد 7 أكتوبر جعلت سوريا جزءا من مسار يستهدف إضعاف محور المقاومة، وكانت مركزه الأساسي.

والنظام السوري لم يكن منخرطا كليا في مشروع المقاومة لانشغاله بشؤونه الداخلية، لكن وجود القوات الإيرانية والروسية لحماية الأسد وتحقيق أهدافنا الاستراتيجية، خصوصا في لبنان، منح سوريا أهمية استثنائية.

وإذا اتجه الأسد نحو استبدال إيران بالدول العربية ومنح امتيازات للسعودية وغيرها، فإن ذلك كان نتيجة للاجتماعات والمسارات السياسية التي أشرتم إليها.

والواقع الميداني في سوريا أظهر أن الدول العربية، وخاصة السعودية، كانت تعارض أي حضور إيراني أو روسي أو حتى معارضة مرتبطة بتركيا، ومع التطورات الأخيرة أصبحت الساحة مجال تنافس بين تركيا وإسرائيل والسعودية والولايات المتحدة.

ولو كان من المقرر أن تلعب الدول العربية دورا مركزيا في سوريا، فإن تركيا لن تسمح بذلك، فهي لعقود سيطرت على الحدود ودعمت المعارضين ودربتهم وقدمت لهم اللوجستيات، وكانت طرفا رئيسيا في مسار أستانة، ما منع تسليم الساحة للعرب.

وعملية أستانة التي امتدت بين 2012 و2017 شهدت مفاوضات مكثفة بين إيران وروسيا وتركيا، بينما غابت عنها الدول العربية، وكان الخصمان الأكبران لفرض بديل عربي هما تركيا وروسيا.

وفي مرحلة معينة اقتربت قطر من الموقف التركي وموّلت المعارضين لتخفيف العبء عن أنقرة، كما أدّت تواطؤات بين قيادات من الجيش السوري والمعارضين المدعومين من تركيا وقطر إلى إضعاف الجبهات وتسريع السقوط.

وهذه الحقائق الميدانية أصبحت تتضح لاحقا، وفي 2017 تم التوصل ضمن أستانة إلى اتفاق لتشكيل لجان مشتركة لمراقبة مناطق خفض التصعيد، خصوصا حول إدلب ومناطق من حلب ودمشق.

وقد تم نشر نقاط مراقبة تركية وروسية لمنع الانتهاكات، لكن الروتين والإغفالات وسوء تقدير قدرات الخصوم الأمنية والعسكرية سمحت للمعارضين بأن يقوّوا مواقعهم تدريجيا.

وتشكّلت اتصالات مالية وعسكرية بين معارضي تركيا وقطر وبعض قيادات الجيش السوري، ما عجّل بالسقوط النهائي، وكانت تلك ضربة لمسار أستانة لم يكن متوقعا أن تحدث بهذا الشكل.

من أين تحديدا تلقت عملية أستانة الضربة، طالما أن كل طرف ركّز على حماية منطقته—روسيا في تي فور وحميميم وطرطوس، وتركيا في إدلب والمناطق الكردية، وإيران في دمشق واللاذقية—مما جعل سوريا عمليا مقسّمة إلى ثلاثة؟ وهل كان الضرر ناتجا عن تمسّك كل قوة بمناطق نفوذها؟

Image

إن ما حدث يؤكد أن أنشطة أستانة فقدت حيويتها، ولم تعد تتمتع بزخمها السابق، ولهذا لم نمنح الاهتمام الكافي لحقيقة أن الطرف المقابل، أي تركيا والمعارضين، لم يتخلَّ عن أهدافه، بينما اعتقدنا نحن وروسيا أن الأمور تحت السيطرة.

والسؤال الجوهري هو ما إذا كان الروس على علم مسبق بهذه التحولات أم لا، وبحسب ما يراه فإن المعطيات تشير بوضوح إلى أنهم كانوا مطّلعين.

والروس في الأيام الأخيرة كانوا يدركون ما يجري، لكنهم شعروا أن العملية تجاوزت قدرتهم على التحكم، وربما حتى أنهم نصحوا بشار الأسد بمغادرة البلاد عندما أدركوا فقدان السيطرة.

أليس هذا أسوأ من عام 2011 حين كانت الحرب الداخلية شاملة…

إن ما جرى في ديسمبر/كانون الأول 2024 لم يكن ذا طابع عسكري، والفرق الجوهري بين سقوط العام الماضي وحرب 2011 هو أن 2011 كانت مواجهة عسكرية مباشرة بين الجيش والمعارضة، بينما لم يقم السقوط الأخير على هذا الأساس.

والعامل الحاسم هذه المرة كان عمليات أمنية واستخباراتية أُعدّت ونُفذت قبل أشهر، خصوصا من جانب تركيا وبالتنسيق مع قطر والسعودية والولايات المتحدة وحتى إسرائيل، وليس عملا عسكريا ميدانيا.

وعملية أستانة غفلت عن هذه التحركات، وحتى روسيا غفلت معها، ورغم أن العوامل الداخلية كالقمع وتجاهل الناس كانت حاضرة، فإن المسمار الأخير في نعش حكم بشار الأسد كان تلك العمليات الأمنية والاستخباراتية السرية.

كيف تردّون على ما قاله أحمد الشرع عن تنسيقه مع روسيا ضد حكم الأسد ومعرفة بشار بمكان لجوئه؟ ألا يضعف ذلك تحليلكم ويُشير إلى أن روسيا كانت تعلم مبكرا واتخذت موقفها فقط عند اقتراب السقوط؟

روسيا كانت تمنح الأولوية لمصالحها واستمرار حكم الأسد، وعندما تقدمت المعارضة انضمت للمشهد بذكاء دون قتال أو إعلان موقف، ثم تعاملت بسرعة مع الحكومة الجديدة بعد سقوطه.

وتجري موسكو اليوم اجتماعات رسمية وتحافظ على قواعدها، بينما أصبحت إيران أكثر اللاعبين مكروهية في سوريا، رغم أنها تكبدت أكبر التكاليف دون أن تمتلك نفوذا هيكليا داخل مؤسسات الدولة.

والنفوذ الروسي كان عميقا في السياسة والأمن لدرجة أن تعيين وزراء كان يحتاج لموافقتها، بينما بقي دور إيران محدودا، رغم الابتعاد عن قصف المدنيين، إذ كانت الغارات الواسعة بيد القوات الروسية.

وهذه التفاصيل لا تؤثر في لعبة القوى الكبرى؛ إسرائيل كثفت هجماتها حتى على القواعد والقنصليات الإيرانية دون أي تدخل من روسيا أو حتى تصريح إعلامي بسيط.

وروسيا تتحرك وفق مصالح طويلة المدى، بينما اعتمدت إيران على شبكات قديمة افترضت أنها مستقرة، ما يجعل الحاجة لتعديل السياسات ومراجعة إستراتيجية شاملة أكثر إلحاحا من أي وقت مضى.

ما هو موقف إيران الدبلوماسي من حكومة أحمد الشرع بعد سقوط الأسد؟ هل ما زالت لها سفارة وسفير في دمشق، وهل تعترف رسميا بهذه الحكومة، وكيف يمكن وصف علاقاتها الحالية مع سوريا؟

إن ما يُقال حول تشكيل عسكري من عائلة الأسد يحتاج أولا لوجود أرض وحدود، وهو ما لا يتوفر حاليا لأي معارضة، بما فيها مجموعات مرتبطة بالعلويين أو غيرهم، ما يجعل هذه الأنباء أقرب إلى الوهم أو غير قابلة للتنفيذ.

وما يجري يرتبط على الأرجح باتصالات إقليمية مع مقاتلين قديمين تلقوا دعما وتدريبا لسنوات، لكن دون قدرة فعلية على صناعة جبهة جديدة ضد الحكم الحالي.

وداخليا، هناك بوادر سلطوية واضحة؛ فالعام الماضي شهد احتجاجات في السويداء وفي أوساط الدروز ومن بعض داعمي أحمد الشرع القدامى، وحتى دمشق شهدت تظاهرات واجهتها السلطة بالقمع.

وتطبق القوانين بصرامة، واللجان المحلية تمتلك صلاحيات واسعة، ما خلق حالة سخط، رغم أن الشرع يبدو مصمما على إخراج سوريا من عزلتها الطويلة.

ودوافع هذا التوجه غير واضحة، لكن ربما يعتقد الشرع أن الدعم الخارجي يمنحه قدرة أكبر على تجاوز التوترات الداخلية وترسيخ حكمه.

إيراني، الانتخابات التي أُجريت تشبه تماما انتخابات عهد الأسد، والآن هي موضع تساؤل. في تلك الفترة…

إن اختيار 210 أشخاص، بينهم 70 من تعيين الحاكم و140 عبر لجان غير منتخبة، أثار جدلا واسعًا لغياب التصويت الشعبي عن العملية برمتها.

ومؤيدي المرحلة الحالية يرون أن سنة واحدة فترة انتقالية قصيرة، ويطالبون بالصبر إلى أن تتجه الأوضاع نحو حل تدريجي.

كما أن نشاط أحمد الشرع الخارجي يبدو أوسع بكثير من نشاطه الداخلي؛ فقد أعاد علاقاته مع العرب، وتواصل مع أوروبا، واجتمع مرتين مع ترامب.

ولعبت السعودية دورا أساسيا في تقريب الشرع من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وأن استثمارها الكبير فيه جعل واشنطن تتجاوب، وكان من نتائج ذلك إلغاء قانون قيصر.

رغم انفتاح أحمد الشرع على أوروبا والولايات المتحدة والدول العربية وخروجه من قوائم الإرهاب، لماذا لم تحصل إسرائيل على ضمانات تطمئنها تجاه حكمه، وما الذي يجعلها تنظر إليه كما تنظر إلى الجولاني وليس كزعيم شرعي؟

Image

إن جوهر المشكلة هو التباين بين النظرة الأمريكية والإسرائيلية؛ فإسرائيل تنظر لسوريا، كما لكل جيرانها، بنظرة أمنية صارمة لا تعترف بوجود “جار صديق”.

والعقيدة الإسرائيلية تقوم على نزع سلاح أي قوة محتملة، مهما كانت ضعيفة، بينما تسعى الولايات المتحدة لتهدئة الساحة السورية وتهيئتها لمسار أبراهام.

وإسرائيل ترى أن الصديق الحقيقي هو من يوقّع الاتفاق ويداه مرفوعة، وتوسّع مجالها الأمني ليشمل إيران، ضمن خطة طويلة المدى للمنطقة.

وهذا الخلاف لا يُعلن غالبا، لكنّه حاضر، والأمريكيون وعدوا الشرع بتقليل الهجمات، بعدما أعلن استعداده للتفاوض المباشر مع إسرائيل، رغم ذلك تمضي في مسارها الخاص، ولا تلتزم تماما بالرؤية الأمريكية حول مستقبل سوريا.

آخر سؤال. أولا، ما هو التفسير الدبلوماسي الحالي لإيران تجاه حكومة أحمد الشرع، وماذا يجب أن نفعل؟

نحن حاليا ليس لدينا حضور فعال في سوريا، واقتراحي دائما كان أن نعيد العلاقات مع الواقع القائم بأسرع وقت ممكن؛ ليس بالضرورة على المستوى السابق، بل على الأقل لضمان مصالح الإيرانيين المقيمين، والشركات، والأماكن المقدسة والديون السابقة. 

على المستوى الدبلوماسي؟

بغض النظر عن المستوى الذي يقبله الطرف الآخر، فإن المبدأ هو إحياء العلاقة.

أحمد الشرع قال عدة مرات إن قطع العلاقات معنا لن يكون دائما…

Image

صحيح. أولا، يجب أن نصل داخليا إلى قناعة بقبول الواقع الجديد أو الاستمرار في المواجهة، وأنا والكثير من الدبلوماسيين نرى أنه يجب العمل وفق الواقع الحالي؛ هذا يصب في مصلحة مصالحنا الوطنية.

ما مصير العقود التي أبرمناها في عهد بشار الأسد، وهل أقرّ البرلمان السوري السابق بسداد الديون البالغة 30 مليار دولار؟ وكيف تبدو حدود علاقاتنا الحالية؟

الرقم الدقيق لا أعلمه، لكن سوريا لم تكن قادرة على الدفع المباشر أبدا، وتحصيل هذه المطالبات ممكن فقط ضمن العلاقات الثنائية؛ المواجهة لن تفيدنا بشيء، وتركيا يمكن أن تكون وسيطا.