- زاد إيران - المحرر
- متميز
- 389 Views
في لحظة إقليمية مشحونة بالتحولات والتوترات المتراكمة، تعود الدبلوماسية لتتقدم الصفوف كأداة أساسية لمحاولة ضبط الإيقاع المتسارع للأزمات في غرب آسيا، فخريطة التوازنات التقليدية التي حكمت المنطقة لعقود باتت اليوم عرضة للاهتزاز تحت ضغط الحروب المفتوحة، والتهديدات المتبادلة، وتراجع قدرة القوى الدولية على لعب دور الضامن أو الوسيط كما في السابق.
وفي ظل اشتعال جبهات متعددة من غزة إلى لبنان وسوريا والعراق، تبدو العواصم الإقليمية أمام اختبار حقيقي، إما الاستسلام لمنطق الانفجار الشامل، أو المبادرة إلى إنتاج مقاربات سياسية وأمنية جديدة تعيد هندسة العلاقات وتقلل من كلفة الصدام.
وفي هذا الإطار، فقد شهدت العاصمة الإيرانية خلال الأيام الماضية واحدة من أكثر لحظاتها الدبلوماسية ازدحاما منذ أشهر، حيث استقبلت الأحد 30 نوفمبر/ تشرين الثاني 2025، ذاته كلا من وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، ونائب وزير الخارجية السعودي للشؤون السياسية، سعود بن محمد الساطي، في تزامن غير المعتاد أثار اهتمام الأوساط السياسية والإعلامية، خصوصا أن الزيارتين لم تعلنا مسبقا بشكل واسع، ما أوحى بأن الملفات التي جرى بحثها تحمل حساسية وتداعيات تتخطى الإطار الثنائي لتلامس المشهد الإقليمي المضطرب بأكمله.
زيارة هاكان فيدان.. بين رسائل الأمن والسياسة
بدأت زيارة وزير الخارجية التركي إلى طهران بلقاء موسع مع نظيره الإيراني، عباس عراقجي، في مقر وزارة الخارجية، سبقه لقاء خاص بين الرجلين بعيدا عن عدسات الإعلام، تبع ذلك مؤتمر صحفي مشترك حمل إشارات واضحة حول الملفات الإقليمية الملتهبة، وفي مقدمتها سوريا وغزة ولبنان والقوقاز، وخلال الزيارة، التقى فيدان رئيس الجمهورية مسعود بزشكيان، ورئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، وأمين المجلس الأعلى للأمن القومي علي لاريجاني، في سلسلة لقاءات أكدت الطابع السياسي والأمني الرفيع للمباحثات بين البلدين، خصوصا في ظل الوضع الإقليمي المتفجر.



وحسب الأخبار الواردة من طهران، فقد تصدر الملف السوري مباحثات الوزير التركي في طهران، الأمر الذي أثبته حضور المبعوث الإيراني الخاص إلى سوريا محمد رضا رؤوف شيبانی خلال المؤتمر والمباحثات التي تلته، وأظهر المؤتمر الصحفي أن البلدين ينظران إلى سوريا باعتبارها نقطة التماس الأكثر حساسية مع التهديدات الإسرائيلية، حيث أكد عراقجي أن “أكبر تهديد لأمن سوريا يأتي من الاحتلال الإسرائيلي”، فيما شدّد فيدان على ضرورة وقف الاعتداءات المتصاعدة التي تهدد بانفجار شامل في المنطقة.
كما تناولت الزيارة ملفات غزة ولبنان، إذ اتفق الطرفان على التشديد بأن الاعتداءات الإسرائيلية تجاوزت كل الخطوط، وأن المجتمع الدولي بات عاجزا عن فرض أي توازن عبر آليات وقف إطلاق النار، وأشار فيدان إلى أن بلاده “لن تقف مكتوفة الأيدي تجاه تدهور الوضع الإنساني”، فيما وصف عراقجي ما تقوم به إسرائيل بأنه “مخطط كبير لزعزعة استقرار المنطقة كلها”.

على الصعيد الثنائي، شملت الزيارة بحث ملفات الطاقة والغاز والكهرباء، وهي ملفات طالما شكلت أحد أعمدة العلاقات بين أنقرة وطهران، حيث أشار وزير الخارجية الإيراني إلى استعداد بلاده لتمديد عقد الغاز مع تركيا وتوسيع التعاون الكهربائي، فيما تحدث فيدان عن ضرورة زيادة البوابات الحدودية واستخدامها بنحو فعّال لتعزيز التبادل التجاري، كما شكل إعلان قرب افتتاح القنصلية الإيرانية في مدينة وان التركية إشارة إضافية إلى التوجه نحو رفع مستوى العلاقات الشعبية والإدارية بين البلدين، بما عكس حرص الطرفين على البناء على المشتركات الاقتصادية والجغرافية التي تمتد جذورها لعقود.
كذلك، كان ملف مكافحة الإرهاب محطة أساسية في مباحثات الوزير التركي في طهران، حيث أكد عراقجي أن إيران تدعم عملية نزع سلاح تنظيم حزب العمل الكردستاني، وتؤيد الفكرة التي يدعو لها الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، بجعل تركيا خالية من الإرهاب، شرط أن يرافق ذلك احترام سيادة الدول وحماية استقرار المنطقة، وأكد فيدان أن بلاده تعمل على تطوير آليات مشتركة للحد من موجات الهجرة القادمة من أفغانستان، وكذلك التصدي لحركات التهريب والعصابات الحدودية التي تنشط عبر الممرات المشتركة، ما يكشف أن التعاون الأمني بين البلدين يشهد مستويات جديدة من التنسيق.
وفيما يتعلق بالملف النووي الإيراني، أكد فيدان دعم تركيا لحل دبلوماسي يحفظ حقوق إيران ويرفع عنها العقوبات غير العادلة، مشددا على أن الحل يجب أن يكون ضمن القوانين الدولية ومن خلال الحوار، ووفق مصادر دبلوماسية، حمل الوزير التركي رسائل أمريكية وأوروبية غير مباشرة تتصل بإمكانية تحريك المسار النووي إن أبدت إيران مرونة محدودة، إلا أن طهران اعتبرت أن التفاوض يجب أن يجري عبر قنوات تحترم حقوقها ولا تستند إلى الضغوط، فيما نفى المتحدث باسم الخارجية، إسماعيل بقائي، لاحقا وجود أي مسار تفاوضي مع واشنطن، مؤكدا أن أنقرة ليست وسيطا مباشرا ولكنها قناة منفتحة في سياق اتصالات أوسع.

زيارة الوفد السعودي.. مسار مواز وتقاطعات مؤثرة
في الوقت ذاته، وصل نائب وزير الخارجية السعودي سعود بن محمد الساطي إلى طهران حيث التقى نائب وزير الخارجية الإيراني وناقش معه ملفات ثنائية وإقليمية، وفي مقدمتها الوضع في فلسطين ولبنان وسوريا، وتأتي الزيارة ضمن مسار بدأت ملامحه منذ اتفاق استئناف العلاقات بين البلدين برعاية صينية عام 2023، وقد شهدت في الأشهر الماضية تطورا ملحوظا من خلال تبادل زيارات مسؤولي الأمن والسياسة، بينها زيارة علي لاريجاني إلى الرياض، ومحادثات غريب آبادي مع المسؤولين السعوديين.

وقد ركزت زيارة الساطي بشكل خاص على الملف السوري، وجاءت كاستجابة لزيارة شيبانی إلى الرياض قبل أشهر، وهو ما يشير إلى أن السعودية وإيران تتحركان باتجاه تنسيق أكبر في الملف السوري، في محاولة لمنع امتداد التوترات الإسرائيلية إلى الساحة السورية، وحماية الحدود والمصالح الحيوية للدولتين، كما فسر المحللين الإيرانين الزيارة على أنها تأتي في وقت أصبحت تدرك فيه الرياض، بعد الهجمات الإسرائيلية على المنطقة خلال الأشهر الماضية، أن إسرائيل ربما تمثل تهديدا مباشرا لأمن الخليج، ما جعلها أكثر انفتاحا على فكرة التعاون الأمني مع طهران.
دلالات التزامن.. صدفة أم ترتيب إقليمي؟
لم يكن التزامن اللافت بين وصول وزير الخارجية التركي فیدان ونائب وزير الخارجية السعودي الساطي إلى طهران مجرد واقعة بروتوكولية عابرة، بل يعكس، وفق مؤشرات عديدة، وجود ترتيبات إقليمية أوسع تتجاوز التنسيق الثنائي، فتركيا والسعودية، حسب محللين، ليستا دولتين تقومان بزيارات متتابعة إلى إيران عادة، فضلا عن أن الدولتين كانتا، حتى سنوات قريبة، في تضاد مباشر مع طهران على ملفات محورية من سوريا إلى اليمن، واللافت أن الزيارتين لم تعلن مسبقا على نطاق واسع كما ذكرنا، ولم تمنحا الطابع الاحتفالي التقليدي، ما يشير إلى أن الملفات المطروحة كانت حساسة بما يكفي لتحتاج إلى هذا القدر من التكتم.

ويزيد من أهمية هذا التزامن أن المنطقة تشهد انفجارا في بؤر التوتر، بدءا من التصعيد في غزة والتهديدات الإسرائيلية ضد إيران، وصولا إلى تدهور الوضع الأمني في لبنان وسوريا، لذلك يبدو أن الزيارتين جاءتا في إطار محاولة لصياغة جبهة ردع إقليمية غير معلنة في مواجهة السياسات الإسرائيلية التي باتت تهدد بنقل المعركة من ساحات غزة ولبنان إلى عمق المنطقة، كما أن العلاقات الوثيقة التي تجمع كلا من تركيا والسعودية بالولايات المتحدة تفتح الباب أمام فرضية أنهما نقلتا إلى طهران رسائل غير مباشرة تتعلق بمستقبل الملف النووي وعودة واشنطن إلى سياسة الضغط المركب إذا لم يفتح مسار تفاوضي.
وبذلك تبدو الزيارتان أقرب إلى إشارات سياسية مركّبة لا تتحرك فيها أنقرة والرياض بمعزل عن السياق الأمريكي الأوروبي، ولا تتجاهلان في الوقت نفسه مصالحهما الجديدة مع طهران، ولذلك، فإن الحديث عن الصدفة في هذا التوقيت يصبح بعيدا عن الواقع، والراجح أن هناك عملية هندسة سياسية تجري خلف الكواليس لإعادة تشكيل مواقف القوى الإقليمية تجاه خطرين مشتركين، وهما حسب الخبراء، التهديد الإسرائيلي المباشر، والفراغ الاستراتيجي المتزايد الذي تركته القوى الكبرى المنشغلة بأزماتها، من واشنطن إلى موسكو وبكين.
إيران بين أنقرة والرياض… هندسة توازنات جديدة
بهذا الشأن، كتبت صحيفة إيران، في عددها الصادر اليوم 1 ديسمبر/ كانون الأول 2025، أن الزيارتان أظهرت أن طهران باتت تشغل موقعا مفصليا في تقاطع مصالح تركيا والسعودية، وأن ثلاثي طهران، أنقرة، والرياض قد يتحول تدريجيا إلى محور تنسيق إقليمي يوازن العلاقات مع القوى الكبرى ويعيد صياغة بنية الأمن الإقليمي، ففي السنوات الماضية، كانت تركيا ترى في الدور الإيراني تهديدا لنفوذها في سوريا والعراق، فيما كانت السعودية تتعامل مع إيران باعتبارها منافسا استراتيجيا في الخليج والبحر الأحمر، لكن الحسابات الإقليمية تغيرت جذريا مع اشتعال حرب غزة، وتصاعد الهجمات الإسرائيلية على سوريا ولبنان، واتساع رقعة الفوضى في العراق، ما دفع الطرفين إلى الاقتراب من طهران استنادا إلى منطق جديد مفاده أن الخطر الإسرائيلي يفوق الخلافات التقليدية.

ومن جانب آخر، تفيد صحيفة ارمان امروز في عددها لليوم نفسه، أن إيران وجدت في التقارب مع تركيا والسعودية فرصة لإعادة ملء الفراغ الذي تركته الولايات المتحدة في المنطقة، فوجود قوى إقليمية كبرى قادرة على لعب دور الوسيط أو على الأقل الشريك الأمني يعد ضرورة في ظل تصاعد الضغوط والتهديدات، وفي هذا السياق، برز دور تركيا كقناة تواصل غير رسمية بين إيران والغرب، خصوصا بعد تصريح وزير خارجيتها بأن أنقرة ستكون دائما إلى جانب إيران وبأنها تؤيد رفع العقوبات، ما يعني أن تركيا تسعى لجسر الهوة بين الضغوط الغربية واحتياجات الأمن الإقليمي.

أما السعودية، التي أعادت ترتيب أولوياتها منذ هجمات إسرائيل على المنطقة، فقد باتت ترى في إيران شريكا محتملا لضبط حدود المخاطر، وخصوصا في سوريا ولبنان، وتأتي زيارة الساطي إلى طهران ضمن هذا الإطار، وتحديدا لمحاولة إيجاد صيغة تمنع تحول سوريا إلى ساحة مواجهة مفتوحة تعرقل مشاريع رؤية 2030 وتعرض أمن الخليج لمزيد من الهزات.
وبمعنى آخر، تتحرك إيران بين أنقرة والرياض باعتبارها نقطة الارتكاز في مشهد إقليمي يحاول إعادة بناء توازناته، ليس على قاعدة التحالفات القديمة، بل وفق هندسة جديدة تُبنى على الضرورات الأمنية المشتركة أكثر مما تُبنى على الولاءات السياسية التقليدية.
طهران في قلب المبادرة الإقليمية
لم تكن زيارة هاكان فيدان وسعود الساطي مجرد نشاط دبلوماسي بروتوكولي، بل بدت وكأنها الحلقة الأولى في سلسلة تحركات أوسع تهدف إلى إعادة رسم خريطة التوازنات في غرب آسيا، فقد أكدت الزيارتان أن طهران أصبحت محورا لا يمكن تجاهله في أي معادلة تتعلق بمستقبل المنطقة، وأن القوى الإقليمية الكبرى باتت ترى في الحوار مع إيران عنصرا مهما لبناء منظومة الاستقرار المقبلة.،كما أن التوقيت الحساس والتصريحات التي ترافقت معهما، والملفات التي طرحت، كلها تشير إلى أننا أمام مرحلة انتقالية تتطلب من اللاعبين الإقليميين قدرا كبيرا من التنسيق، قبل أن تتضح ملامح المشهد الجديد الذي يتشكل على نار ساخنة.

