زيارة بزشكيان إلى موسكو.. الطاقة في قلب التقارب الإيراني الروسي

نشرت صحيفة “آرمان ملي” الإيرانية، الثلاثاء 27 أكتوبر/ تشرين الأول 2026، تقريرًا تناولت فيه أبعاد زيارة الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان إلى موسكو للمشاركة في قمة منتدى الدول المصدرة للغاز، وانعكاساتها على التعاون في مجال الطاقة بين إيران وروسيا.

Image

ذكرت الصحيفة أن مسعود بزشكيان يتوجه إلى موسكو للمشاركة في القمة الثامنة لرؤساء منتدى الدول المصدرة للغاز (GECF)، في وقت تتأثر فيه أسواق الطاقة بالحرب واضطرابات الإمدادات وارتفاع الأسعار وتغيرات السياسة الأمريكية تجاه روسيا.

وأضافت أن الزيارة تحمل رسائل عدة، أبرزها إعادة تعريف موقع إيران وروسيا في نظام الطاقة بعد الأزمة الراهنة، وهو نظام تضطر فيه حتى الأطراف المتنافسة سياسيًا إلى التفاوض لتأمين الطاقة والحد من التكاليف الاقتصادية. 

وأوضحت أن تقارب روسيا والولايات المتحدة تحت تأثير العوامل والوقائع الميدانية كان أمرًا يصعب تصوره خلال الحرب الباردة، في ظل التنافس الحاد بين القطبين الدوليين.

تغيّر حسابات واشنطن

ذكرت الصحيفة أن إيران استخدمت ورقة مضيق هرمز بفاعلية في مواجهة الضغوط الأمريكية والحصار البحري، ولم تسمح باستقرار أسعار الطاقة. 

Image

واعتبرت أن أسعار الطاقة تمثل نقطة ضعف رئيسية للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي يحاول التقليل من أهمية هذه المسألة في خطاباته، بينما يواجه الأمريكيون واقع ارتفاع أسعار الوقود بعيدًا عن التصريحات الدعائية.

وأضافت أن ترامب أظهر أنه لا يتردد في التراجع عن قراراته السابقة عندما يجد نفسه في موقف صعب، مشيرة إلى حساسيته تجاه أسعار النفط، وهو ما تدركه إيران وروسيا جيدًا. 

وأوضحت أن ترامب خفف بعض العقوبات والرسوم المرتبطة بالقانون الجديد الخاص بالعقوبات على روسيا، بهدف السيطرة على أسعار النفط.

وتابعت أن هذه الخطوة جاءت في ظل ارتفاع تكاليف الطاقة في الولايات المتحدة ومخاوف نقص الإمدادات، فضلًا عن خشية ترامب من انعكاس الوضع على انتخابات التجديد النصفي. 

وأكدت أن القرار يكشف تناقضًا واضحًا؛ إذ تسعى الولايات المتحدة من جهة إلى الضغط على روسيا، بينما تدفع اعتبارات سوق الطاقة والمصالح الاقتصادية الأمريكية ترامب من جهة أخرى إلى تخفيف بعض الضغوط.

وأشارت إلى أن هذا الإعفاء لا يعني الإلغاء الدائم للعقوبات المفروضة على روسيا، لكنه يحمل رسالة سياسية واضحة مفادها أن الطاقة يمكن أن تتحول إلى أداة للتفاوض والمساومة، حتى في ظل المواجهة الجيوسياسية.

زيارة بأهداف متعددة

ذكرت الصحيفة أن زيارة بزشكيان إلى موسكو لا تقتصر على لقاء الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، إذ تمثل قمة منتدى الدول المصدرة للغاز منصة لإبراز دور إيران وروسيا بوصفهما قطبين مهمين في سوق الطاقة.

وأضافت أن بزشكيان يعتزم، وفقًا لما نُشر عن جدول أعمال القمة، بحث عدد من الملفات المهمة مع نظيره الروسي.

وأوضحت أن أبرز محاور المباحثات المحتملة تشمل إنشاء سوق غاز مشتركة بين الدول الأعضاء، وتطوير التعاون في حقول الغاز واتفاقيات المبادلة، وحماية البنية التحتية للطاقة من الهجمات وأعمال التخريب، وتعزيز التعاون في ظل العقوبات واضطراب الأسواق. 

وأشارت إلى أن طهران تسعى إلى إظهار أن الطاقة ليست مجرد قضية اقتصادية، بل ملف يرتبط بالدبلوماسية والأمن القومي.

وأكدت الصحيفة أن إنشاء سوق غاز مشتركة مشروع أكثر تعقيدًا من أن تُبحث جميع جوانبه خلال المحادثات السياسية وحدها، نظرًا إلى اختلاف البنية التحتية ومتطلبات التسعير وأهداف كل دولة. 

وبينت أنه إذا أمكن تجاوز هذه التعقيدات، فسيشكل المشروع خطوة مؤثرة نحو تعزيز التقارب بين الدول المنتجة للغاز، بما قد ينعكس على العلاقات الدولية وتقارب المصالح بين الدول.

عملاقان في مجال الغاز

Image

ذكرت الصحيفة أن اسمي إيران وروسيا ارتبطا تاريخيًا عند الحديث عن الغاز وتصديره إلى الدول الأخرى، نظرًا إلى امتلاك البلدين احتياطيات ضخمة، وهو ما جعلهما منافسين طبيعيين في بعض المجالات. 

وأضافت أن الوقت حان لبحث كيفية تحولهما إلى شريكين استراتيجيين، ومدى إمكانية تحقيق هذه الشراكة.

وتابعت أن إيران وروسيا تتشاركان مصالح وأوضاعًا معينة رغم المنافسة بينهما، إذ واجه البلدان قيودًا ناجمة عن العقوبات، ويسعيان إلى إيجاد بدائل لمواصلة تجارتهما. 

وأوضحت أن كليهما يمكن أن يستفيد من التعاون في نقل الغاز وتطوير الحقول والبنية التحتية.

وبينت أن روسيا تتنافس مع أطراف متعددة لتسويق موارد الطاقة، ولا سيما في الأسواق الآسيوية، بينما ستسعى إيران، في حال رفع القيود وتطوير قدراتها التصديرية، إلى زيادة حصتها من الأسواق نفسها. 

وأشارت إلى أن الإعفاءات الأمريكية قد تعزز تجارة موسكو، في حين ستظل إيران تواجه قيودًا مصرفية واستثمارية وتصديرية.

وأكدت أن على روسيا توضيح موقفها لضمان عدم اختلال التوازن في العلاقات الثنائية، في ظل امتلاك موسكو هامشًا أوسع نسبيًا لبيع الطاقة، مقابل تحمّل إيران تكاليف باهظة حتى في أبسط العمليات التجارية. 

وشددت على أن هذه المسألة ينبغي أن تكون في صلب تقييم العلاقة بين البلدين.

رسالة إيران إلى الولايات المتحدة

Image

ذكرت الصحيفة أن الزيارة تكتسب أهمية عملية أيضًا، إذ أعلن وزير النفط الإيراني الأسبق أن البلدين توصلا إلى تفاهم عام بشأن نقل الغاز الروسي إلى إيران، فيما لا تزال الدراسات الفنية مستمرة. وأضافت أن المسار المقترح لنقل الغاز يمر عبر أراضي جمهورية أذربيجان.

وأوضحت أن تقارير أخرى أشارت إلى أن مسائل التسعير والدفع لم تُحسم خلال المفاوضات السابقة، ما يستدعي التمييز بين التفاهم العام والتوصل إلى عقد نهائي. 

وأكدت أن هذه المسألة مهمة، لأن إيران، رغم امتلاكها احتياطيات ضخمة من الغاز، واجهت في بعض الفترات اختلالًا بين العرض والطلب وقيودًا على الإمدادات المحلية.

وتابعت أن استيراد الغاز الروسي قد يساعد في إدارة الإمدادات خلال مواسم معينة، إذا كان مجديًا من حيث الأسعار والعقود والبنية التحتية، لكنه لن يحل بمفرده مشكلات الاستثمار والاستهلاك المحلي وتطوير الإنتاج الإيراني. 

وأضافت أن معيار نجاح زيارة بزشكيان إلى موسكو يتمثل في إحراز تقدم فعلي في العقود والمشروعات من هذا النوع.

وأكدت أن الزيارة تحمل، من جهة أخرى، رسالة مهمة إلى واشنطن، إذ تسعى إيران إلى إظهار أن عزلها بالكامل أمر غير ممكن، وأن مشاركتها في قمة الدول المصدرة للغاز ومباحثاتها مع روسيا وبقية الأعضاء تمنح طهران فرصة لإبراز قدراتها الدبلوماسية.

وبينت أن إيران تسعى أيضًا إلى رفع كلفة الضغوط الاقتصادية، موضحةً أن تعزيز التعاون بين كبار منتجي الطاقة في مجالات أمن الطاقة والبنية التحتية والتجارة قد يجعل فرض ضغوط أحادية الجانب على أي منهم أكثر صعوبة. 

واختتمت بأن طهران تريد تذكير واشنطن بالتداعيات الجيوسياسية للسياسة الأمريكية في مجال الطاقة، وتسعى إلى تحويل إمكاناتها في هذا المجال إلى قوة سياسية واقتصادية أكثر فاعلية.

كلمات مفتاحية: