- زاد إيران - المحرر
- 727 Views
كتب: إسماعيل موسوي
باحث بمركز أبحاث النمو في جامعة الإمام الصادق
حرب الـ12 يوما بين إيران وإسرائيل لم تكن حدثا مفاجئا، بل جاءت نتيجة مسار تدريجي متعدد الطبقات، بدأ منذ مطلع العقد الثاني من الألفية الثالثة وتفاقم بمرور الوقت، هذا المسار انطوى على مزيج من الضغوط الاقتصادية والإعلامية والأمنية.
وفقا لنظريات العلوم الاجتماعية، يُنظر إلى المجتمع بوصفه كيانا معقدا تتشابك فيه طبقات متعددة، وانطلاقا من هذا التصور، يمكن القول إن كل دولة أو أمة تقوم، في الحد الأدنى، على أربع ركائز أساسية: البنية الاقتصادية، والسياسية، والأمنية، والثقافية-الاجتماعية، هذه الركائز لا تملك منطقا داخليا مستقلا فحسب، بل إنها مترابطة بنيويا، بحيث تؤثر التحولات في إحداها على الأخرى، وإذا أصيبت إحدى هذه الدعائم بخلل كبير، وامتد هذا الخلل إلى بقية المجالات، فقد يؤدي ذلك إلى تقويض النظام القائم بأسره.
في ظروف المواجهة بين دولتين، يسعى كل طرف إلى استهداف البُنى الحيوية للطرف الآخر، ولا سيما المؤسسات السياسية والأمنية، ومع ذلك، تُظهر الشواهد التاريخية أن انهيار القوة السياسية الجدية لا يحدث عادةً ما لم تتفكك الأسس الاقتصادية والاجتماعية للمجتمع.
منذ نشوء نظام الجمهورية الإسلامية في إيران، سعت الولايات المتحدة إلى الضغط على إيران عبر استهداف ركائزها الأساسية، لكن تركيزها انصبّ على زعزعة استقرار البنية السياسية والأمنية للدولة، ومن أبرز الأمثلة على هذه السياسة: الاغتيالات المنظمة خلال السنوات الأولى من الثورة، ودعم صدام حسين في حربه المفروضة على إيران.
وفي العقود التي تلت الحرب العراقية الإيرانية، أدركت الولايات المتحدة أنه ما دامت شرائح واسعة من الشعب تدعم النظام السياسي القائم، فإن هذا النظام لن ينهار تحت ضغط خارجي، فإيران، بما تمتلكه من مساحة شاسعة وسكان كُثر وقدرات دفاعية متقدمة، لن تُهزم بسهولة في مواجهة عسكرية مباشرة، بل إن هجوما خارجيا من هذا النوع قد يتحول إلى حرب استنزاف طويلة، تكون كلفتها على المعتدي أكبر من مكاسبها، ولهذا السبب، من منظور استراتيجي، رأت واشنطن أن مفتاح النجاح في مواجهة إيران لا يكمن في العمل العسكري المباشر، بل في خلق أزمات داخلية تُضعف الرابط بين الشعب والحكومة.

وبناءً على هذا التقييم، اعتمدت الولايات المتحدة منذ أكثر من عقد سياسة أكثر تعقيدا وشمولا تجاه إيران، وقد استُلهم هذا النهج الجديد من تجربة انهيار الاتحاد السوفيتي، وتسارع اعتماده بعد الأزمات السياسية التي شهدتها إيران عام 2009، ويصنف بعض المحللين هذا النموذج ضمن ما يُعرف بـ”الحرب المركبة” أو “الهجينة”، حيث تُمارَس مجموعة متزامنة ومنسقة من الضغوط الاقتصادية، والسياسية، والأمنية، والاستخباراتية، والنفسية، والإعلامية ضد الجمهورية الإسلامية، وكان الهدف النهائي من هذا النهج هو إنهاك البنية الحاكمة من الداخل، وبث الشكوك وانعدام الثقة بين الشعب والنظام السياسي في البلاد.
فُرضت العقوبات الواسعة ضد إيران بالاستناد إلى آليات دولية مثل مجلس الأمن، وبهدف تقييد الشرايين الحيوية للاقتصاد الوطني، بما في ذلك البنك المركزي وصادرات النفط.
وبالتزامن مع الضغوط الاقتصادية، انطلقت مشاريع تهدف إلى عزل إيران في المحافل الدولية، ما شكّل ضغطا سياسيا كبيرا عليها، وفي ظل هذا المناخ الخارجي المتوتر، أصيبت آليات اتخاذ القرار الداخلي بحالة من الاضطراب وعدم الاستقرار، ما أدى إلى زيادة في الأخطاء والقصور في صنع السياسات العليا.
وفي هذا السياق المضطرب، برزت جماعات ذات توجهات سياسية متطرفة من مختلف الأطياف، ونجحت في استقطاب الرأي العام الذي أنهكه تدهور الأوضاع الاقتصادية، من خلال خطابات سطحية وحلول استعراضية.
بعض هذه التيارات ربطت حل أزمات البلاد بلقاء دبلوماسي مباشر بين المسؤولين في طهران وواشنطن، فيما بثّت أخرى آمالًا غير واقعية في أوساط المجتمع، وقد مهّد هذا المناخ لزيادة اهتمام شريحة من المجتمع بقوى المعارضة في الخارج، بما في ذلك تلك التي تسعى إلى إسقاط النظام من خلال التدخل العسكري الأجنبي، والتي نجحت في تقديم نفسها كمناصرين للشعب، واستمالة جزء من الساخطين.
في هذه الأجواء، سعت أطراف خارجية إلى استغلال حالة السخط من خلال وسائل إعلام ناطقة بالفارسية مقرها الخارج، ونشاط مكثّف على منصات التواصل الاجتماعي، بالإضافة إلى التواصل المباشر مع فئات اجتماعية مختلفة، وقد حاولوا، عبر أدوات الحرب الإدراكية، تشويه الواقع وتقديم صورة مشوّهة عنه، بهدف توجيه الرأي العام نحو فقدان الثقة بالمؤسسات الرسمية.
في هذا السياق، شكّلت تكتيكات مثل تغيير المفاهيم المرتبطة بمصطلحات مثل “العدو” و”الصديق”، وتعميم الفساد على مجمل بُنية الحكم، وتعميق الانقسامات الاجتماعية عبر تأجيج المشاعر القومية والمذهبية والجندرية، بالإضافة إلى هندسة الانفعالات الجماهيرية كحالات الغضب اللحظي على منصات مثل إنستغرام، جزءا من هذا المشروع المعقد.

وقد كانت الاضطرابات التي شهدتها البلاد في أعوام 2017 و2019 و2022 تجسيدا ملموسا لتفاقم الاستقطابات الاجتماعية واتساع الفجوة بين الشعب والنظام الحاكم، وبالتوازي مع ذلك، سُجّل تراجع ملحوظ في مستويات المشاركة بالانتخابات الوطنية والمحلية، لا سيّما في عقد العشرينيات، ما اعتُبر مؤشرا مقلقا على تآكل رأس المال الاجتماعي وتراجع الالتفاف الشعبي حول البنية السياسية للدولة.
في ظل هذا الوضع، رأت الولايات المتحدة والاحتلال الإسرائيلية أن الوقت بات مناسبا لتوجيه الضربة القاضية لإيران، إذ إنّ الأركان الثلاثة الأساسية: الاقتصاد، والسياسة، والمجتمع، كانت تعاني من أضرار جسيمة، ومع ذلك، فقد دأبت الولايات المتحدة على تفضيل أدوات الضغط غير العسكري، نظرا لما ينطوي عليه الهجوم العسكري المباشر من مخاطر عالية وإمكانيات فشل وتبعات لا يمكن السيطرة عليها.
لذلك، بُنيت الاستراتيجية الأميركية تجاه إيران على مزيج من الضغوط الاقتصادية، والانخراط الدبلوماسي، والتهديد العسكري، وتحفيز الاحتجاجات الداخلية، وهي ما يُعرف بسياسة “العصا والجزرة”. ولم يكن الهدف من هذه السياسة بالضرورة إسقاط النظام، بل دفعه إلى التراجع عن مبادئه الثورية، وقبول نظام يتماشى مع مصالح الغرب وتصوراته.
رغم كل هذه الإجراءات، لم تبلغ الولايات المتحدة ما كانت تأمله. فالنظام الاقتصادي الإيراني، رغم ما واجهه من تحديات قاسية، لم ينهَر بالكامل، كما أن البنية السياسية، على الرغم من الانقسامات الداخلية حول قضايا مثل المفاوضات النووية، لم تحِد عن الخطوط العريضة لسياساتها العامة. كذلك، لم تتحول أيٌّ من الاحتجاجات الاجتماعية إلى انتفاضة شاملة حاسمة، بل خمدت بعد فترة.
ومع وقوع أحداث مفصلية مثل 7 أكتوبر 2023، وتراجع نفوذ حركات مثل حزب الله وحماس، وخسارة إيران لعمقها الاستراتيجي في سوريا، إلى جانب المناوشات السابقة المحدودة مع إسرائيل، خلص أعداء إيران إلى أن الفرصة أصبحت سانحة لتنفيذ المرحلة الأخيرة من مخططهم للهجوم على إيران.
لا يمكن تجاهل دور شخصيات مثل دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو في اتخاذ هذا القرار؛ إذ لعبت نزعاتهم الراديكالية وطموحاتهم السياسية دورا مهما في تسريع هذا التوجه، غير أن القرار النهائي لم يكن نتاج رغبة شخصية لهؤلاء الزعماء فحسب، بل جاء ثمرة تخطيط طويل الأمد من قبل المؤسسات الأمنية والاستراتيجية في الولايات المتحدة وإسرائيل، والتي كانت قد أعدّت طوال سنوات سيناريوهات متعددة لهذه اللحظة.
ومن وجهة نظر نتنياهو، فإن بقاء إيران في وقت يشهد فيه النظام العالمي تحولًا نحو التعددية القطبية، وتتعزز فيه علاقات إيران مع قوى كبرى مثل الصين وروسيا، قد يُفشل هذه الفرصة إلى الأبد أو يجعل كلفتها على إسرائيل باهظة جدا.
وجاءت بداية الهجوم الإسرائيلي على إيران منسجمة تماما مع ما سبق التنبؤ به في تحليلات سابقة حول أهداف وأساليب هذا الكيان؛ فقد بدأت العمليات بهجمات مفاجئة استهدفت كبار القادة العسكريين، وتخريب في الأنظمة الدفاعية والصاروخية، وقصف لمراكز رادارية حساسة، وأخيرا فتح ممرات جوية بهدف تحييد فوري لقدرات الدفاع الإيراني. مثل هذا الهجوم واسع النطاق في فترة زمنية وجيزة قد يعطّل أي هيكل عسكري ويُحدث حالة من الإرباك ويُضعف المعنويات العامة.

كان المخططون الإسرائيليون يأملون في أن تُحدث هذه الضربة، خلال الأيام القليلة التي تحتاجها إيران لإعادة بناء أنظمتها الدفاعية، مناخا من الرعب واليأس عبر الترويج لأخبار التفجيرات والاغتيالات والعمليات التخريبية، بما يؤدي إلى شيوع الإحباط واللامبالاة وحتى لوم النظام، مثل هذه الحالة قد تُعمّق الفجوات القائمة بين الشعب والحكومة، وتهز قاعدة النظام الاجتماعية.
وقد شهدت إيران في تاريخها حالات مماثلة؛ كما في عام 1941 حينما ترافق الهجوم الأجنبي مع تقاعس النظام الحاكم آنذاك، ما دفع بعض فئات المجتمع إلى الترحيب بسقوط رضا شاه، وكذلك في مواجهات سابقة مع الغزاة المغول أو العرب، حيث أدى ضعف الجيوش الإيرانية أحيانا إلى تعاون بعض السكان مع المهاجمين.
ومع ذلك، فإن هذا أيضا جزء من الذاكرة التاريخية للشعب الإيراني: فالهيمنة الأجنبية لم تكن يوما محل قبول دائم، بل كانت تقابل دوما بالمقاومة وإعادة البناء الداخلي، وإن كان ذلك بثمن باهظ.
في هذا السيناريو الجديد أيضا، لو ترافقت عمليات إسرائيل مع فرق اختراق داخلية، عناصر مسلحة مأجورة، وأدوات متطورة مثل الطائرات المسيّرة المتقدمة، لكانت البلاد عرضة لحالة من عدم الاستقرار الشامل، وفي مثل هذا الوضع، لم يكن الاحتلال الإسرائيلي يستبعد حتى احتمال تفكيك إيران؛ سيناريو كان يراه ممكنا من خلال تأجيج الانقسامات القومية والمذهبية والاجتماعية.
لكن رغم دقة هذا المخطط وكلفته العالية، انقلبت حسابات إسرائيل بشكل مفاجئ ضدها، فقد شكّلت شهادات القادة العسكريين ضربة مؤلمة لإيران، إلا أن ردّ الفعل السريع والمدروس من قبل القيادة غيّر مجرى الأزمة، ففي أقصر وقت، تم الإعلان عن تعيين خلفاء للشهداء القادة، وبأسلوب هادئ وواثق، كما لو أن هذه التغييرات كانت معدّة سلفا، وكانت الرسالة الأولى لقائد الثورة الإسلامية إلى الشعب، حاملة وعدا بانتقام مشرّف، وهدوءا نادرا أربك العدو نفسيا منذ اللحظة الأولى.
وفي حين كان من المتوقع أن تتعطّل المنظومات الدفاعية الإيرانية لأيام، تمكنت القوات المسلحة من إعادتها إلى حالة التشغيل خلال ساعات معدودة، وسرعان ما دخلت في مرحلة الرد الفعّال، وبكلمات مختصرة وواضحة، بثّ المرشد الأعلى روحا جديدة في المجتمع:
“سنجعلهم بائسين”،
“سنُمرّر عليهم أيامًا مُرّة”،
“بإذن الله، سنهزمهم.”

وعلى الفور، غيّرت وسائل الإعلام الرسمية لهجتها من الحزن والحداد إلى نبرة الغضب والإصرار على الانتقام، ولم تكن رسالة القائد قد وصلت بعد إلى كل أنحاء البلاد، حتى انطلقت الموجة الأولى من الصواريخ الإيرانية باتجاه الأراضي المحتلة، ورغم أن الإسرائيليين كانوا يتوقعون ردا كهذا، إلا أن قوة اختراق الصواريخ الإيرانية لدفاعاتهم، ودقتها في الإصابات، فاجأتهم بشدّة.
لقد تسببت مشاهد الانفجارات في قلب تل أبيب في تآكل سريع لثقتهم بأنفسهم.
مع ذلك، فإنّ الهزيمة الأهم في مخطط العدو لم تقع في الميدان العسكري، بل في ساحة الرأي العام الإيراني، هذا الرأي العام، الذي كان لسنوات طويلة هدفا رئيسيا للعقوبات، والحرب النفسية، والضغط الإعلامي الغربي، أبدى ردّ فعل مغايرا تماما لما توقّعه الأعداء، فعلى عكس التحليلات التي كانت تراهن على احتمال اندلاع اضطرابات داخلية، أظهر الشعب الإيراني، بعد مشاهدته لنجاح الجيش في الرد الصاروخي وإدراكه للدور المحوري للقيادة في إدارة الأزمة، دعما واضحا للنظام، بدلا من أن يستسلم لليأس أو الانقسام.
لقد أدرك كثيرون أن العدو اختار توقيت الهجوم بدقة، في لحظة كانت فيها إيران قد أبدت حتى استعدادا للتفاوض مع إدارة ترامب من أجل تخفيف الضغوط الاقتصادية، وكان صبر إيران في وجه استفزازات إسرائيل، الذي فُسّر سابقا كعلامة ضعف، يُنظر إليه الآن بوصفه ضبطَ نفسٍ استراتيجيا وواعيا.
ومع اتضاح أبعاد العدوان، أثّرت الصور المفجعة للضحايا المدنيين — أطفال يحملون دمى مضرّجة بالدماء، عائلات تحت الأنقاض — في وجدان المجتمع، فتراجعت الشعارات المناهضة للنظام إلى الظل، واتّضح أن هدف إسرائيل لم يكن فقط إسقاط النظام السياسي، بل إيذاء الشعب الإيراني بأكمله.
وفي هذه الأجواء، تجاوز المجتمع خلافاته الداخلية، واتّجه نحو التلاحم والثبات في وجه المعتدي، وعلى عكس حسابات العدو، لم تنزلق إيران إلى فوضى داخلية، بل انضمّ حتى بعض من كانوا من أشد منتقدي النظام إلى صفوف المدافعين عنه دفاعًا عن الوطن، وقد تم تعويض الثغرات الأمنية الأولية في كشف شبكات الاختراق بفضل تعاون شعبي واسع، فالذين كانوا من قبل يفتقرون للثقة بالمؤسسات الأمنية، بادروا هذه المرة إلى التعاون معها طوعا، وكانت التقارير التي قدّموها عاملا محوريا في كشف وتفكيك شبكات التجسس.
شارك الشعب الإيراني في مسيرات وتجمّعات احتجاجية ضد إسرائيل، معبّرا عن عزيمته في الدفاع عن سيادة الوطن ووحدة أراضيه، وفي مشهد غير مسبوق، توحّد الفنانون، والرياضيون، والوجوه السياسية من مختلف الأطياف، والناشطون الاجتماعيون، في خطاب واحد، هذا التلاحم الوطني، الذي تجاوز المظاهر والانتماءات، شكّل مشهدا جديدا في الفضاء العام الداخلي والعالمي، وأسهم — على الأقل في المدى القريب — في تعزيز القوة الناعمة لإيران وتخفيف الضغط النفسي عنها.

وفي نهاية المطاف، لم يبلغ أعداء إيران أهدافهم، بل فوجئوا بردّ فعل شعبي ورسمي حافظ على استقرار البلاد وتماسكها، بل وعزّزه على نحو غير متوقع.
قد يُبدي بعض المحللين أو المنتقدين شكوكا حيال الادعاء بنجاح إيران في المعركة الإعلامية والاجتماعية التي تلت حرب الـ 12 يوما، غير أن مراجعة نتائج عدد من الاستطلاعات الموثوقة، التي أجراها مركز التحليل الاجتماعي “ميتا”، تكشف بوضوح فشل الاستراتيجية الإدراكية للعدو وتعزّز موقع النظام في المجتمع الإيراني.
ويُعدّ انطباع الناس بشأن الطرف الأقوى في الصراع، أحد المؤشرات المحورية في تحليل الرأي العام، وبحسب بيانات الاستطلاع، فقد قيّم 71% من المشاركين إيران على أنها القوة الغالبة في هذا النزاع، فيما اعتبر 52% أنها الطرف المنتصر، وقال 34% إن لا أحد خرج منتصرا، في حين رأى 11% فقط أن إسرائيل كانت الطرف الفائز.
وعند سؤالهم عن المسؤول الرئيسي عن اندلاع الحرب، حمّل 77% من المشاركين إسرائيل مسؤولية بدء الأزمة، وأكد 62% أن أصل هذا النزاع لا يعود إلى السياسات الإقليمية الإيرانية، بل إلى التصرفات الاستفزازية لإسرائيل.
تحليل التوافق النسبي بين توجهات الشعب وقرارات الدولة العليا بشأن موضوع الحرب يكشف عن إعادة بناء رأس المال السياسي للنظام، إذ أيد 74% من المشاركين بدء العمليات المضادة لإيران، كما أبدى 67% تأييدهم لاستمرار الهجمات العسكرية حتى في حال توسّع نطاق النزاع، وقُدّرت أداء القوات المسلحة بأنه مُرضٍ من قبل 78% من المستطلعين، فيما أعلن 70% منهم استعدادهم للانضمام إلى القوات المسلحة إذا دعت الحاجة، وعند انتهاء القتال، حظي قرار وقف إطلاق النار بدعم 70% من المجتمع.
كما يؤكد مقارنة بيانات الاستطلاعات الحديثة بنتائج نشرت في يناير 2025 على تزايد ثقة المجتمع بشكل واضح، فقد ارتفعت ثقة الجمهور بالقوات المسلحة بنسبة 15% مقارنة بالماضي، وشهد مستوى الثقة بالبنية السياسية زيادة بنسبة 10%.
رغم الجهود المكثفة التي بذلتها وسائل الإعلام الأجنبية وحلفاء الولايات المتحدة الإقليميين لتشويه صورة النظام، رفض الشعب الإيراني تلك الروايات، فقد وصف 64% من المشاركين هجمات إيران على القواعد الأمريكية بأنها فعّالة وناجحة، بينما رأى 70% منهم أن الطرف الذي كان يرغب في وقف الحرب لم يكن إيران، بل الولايات المتحدة وإسرائيل، تعكس هذه الأرقام أنه خلافا لرغبات العدو، لم ينهار المجتمع الإيراني بل وُفرت الظروف لإعادة بناء رأس المال الاجتماعي داخل أزمة أمنية.
كان الاحتلال الإسرائيلي قد صمم مخططا معقدا وطويل الأمد ومحدد الأهداف، معتمدا على سيناريو طموح لضرب النظام الجمهوري الإسلامي وإحداث انهيار في البنية السياسية، ورغم أن المحللين الإيرانيين توقعوا مسبقا احتمال وقوع هجوم من هذا النوع، فقد حدثت مفاجآت في تفاصيل التنفيذ، ومع ذلك، كانت النتيجة النهائية لهذا الصراع مخالفة تماما لتوقعات إسرائيل والولايات المتحدة، بل وأعادت تشكيل معادلاتهما الاستراتيجية.
في مواجهة أزمة شاملة، أبدت إيران ترابطا وهدوءا وقدرة واضحة على اتخاذ القرار، كان الرد السريع من أعلى مستويات القيادة وتنسيق المؤسسات المختلفة دليلا على نضج وكفاءة الهيكل السياسي، الذي كان البعض قد اعتبره سابقا غير فعّال أو متآكل.
أظهرت القوات المسلحة الإيرانية ليس فقط جاهزية عملياتية عالية، بل أيضا قدرة ناجحة على احتواء والرد على هجوم متعدد الأوجه، وكان اختراق الصواريخ الإيرانية لأنظمة الدفاع المتعددة الطبقات لدى إسرائيل، التي تُعد من أكثر الأنظمة تقدما في العالم، علامة بارزة على إنجاز عسكري كبير.
أهم رسالة للحرب لدى المجتمع الإيراني كانت إبراز الجذور الثقافية العميقة والهوية الوطنية، فقد برهن الشعب في لحظة الأزمة أن مفهوم إيران ووحدتها الترابية يتجاوز الخلافات السياسية والعقائدية، وأن قيم مثل حب الوطن، والحساسية تجاه الاعتداءات الأجنبية، والتماسك الوطني، ورفض الهيمنة الخارجية ليست شعارات بل ممارسات واقعية.
بشكل عام، لم ينجح مشروع العدو في تحقيق التفكك الاجتماعي والسياسي، بل تجاوزت إيران هذه الأزمة مستعادة رأس المال الاجتماعي، معززةً الوحدة الوطنية، ومثبتةً قدراتها الدفاعية، هذه الحادثة قدّمت صورة جديدة عن القدرات الكامنة في المجتمع الإيراني وعن كفاءة هيكل الحكم، وهو تقييم أخطأ فيه الأعداء، وكان هذا الخطأ بداية هزيمتهم.

