أكاديمي وخبير إيراني: إيران بحاجة للقوة الناعمة والصلبة لحماية أراضيها

في مثل هذا اليوم من الحرب العالمية الثانية، وتحديدا في 25 أغسطس/آب 1941 تعرضت إيران لهجوم قوات الحلفاء بذريعة وجود خبراء ألمان داخل البلاد، وبالاستناد إلى معاهدة عام 1921 الموقعة بين إيران والاتحاد السوفيتي، التي خوّلت لموسكو التدخل العسكري في ظروف خاصة.

وقد عُرف هذا الحدث باسم “احتلال إيران خلال الحرب العالمية الثانية”، إذ أسفر عن سيطرة القوات البريطانية والسوفيتية على مناطق واسعة من الأراضي الإيرانية.
ومع تحالف بريطانيا والاتحاد السوفيتي، وحاجة الأخير إلى المساعدات البريطانية والأمريكية في جبهة القتال الشرقية، قرر الحلفاء استخدام إيران كممر لوجستي استراتيجي عُرف باسم ممر فارس“.
وبذلك، شنّت القوات السوفيتية هجومها فجر 25 أغسطس/آب 1941 من جهة الشمال، في حين تقدمت القوات البريطانية من الجنوب، لتنتهي العملية باحتلال كامل للبلاد.

تفكك الجيش الإيراني سريعا تحت وطأة الهجوم، واضطرّ رضا شاه إلى الاستقالة بضغط من الحلفاء، ولا سيما بريطانيا، وبعد فترة طويلة من التوتر والصراعات بين السوفييت وبقية دول الحلفاء، وما رافقها من أزمات داخلية متلاحقة في إيران، جرى – بوساطة محمد علي فروغي – التوصل إلى اتفاق بشأن طبيعة النظام الجديد ونقل العرش إلى ولي العهد، أي نجله.

وفي هذا السياق، أجرت صحيفة “آرمان ملي” الاثنين 25 أغسطس/آب 2025، حوارا مع غلام علي دهقان، أستاذ التاريخ والمحلل السياسي، لإعادة قراءة هذا الحدث التاريخي واستخلاص العِبر التي يمكن أن يحملها لنا، وفي ما يلي نص الحوار:

في 25 أغسطس/آب 1941 اجتازت قوات الحلفاء، المكوّنة من بريطانيا والاتحاد السوفيتي ولاحقا الولايات المتحدة، الحدود الإيرانية مبرّرة ذلك بمواجهة ألمانيا الهتلرية. لكن ما حقيقة ما جرى آنذاك؟

مع فجر ذلك اليوم، اندفعت القوات البريطانية والسوفيتية من خمسة محاور: الشمال، والشمال الشرقي، والغرب، والجنوب الغربي، إلى عمق الأراضي الإيرانية، علما بأنّ إيران كانت قد أعلنت حيادها رسميا بعد اندلاع الحرب العالمية الثانية بعامين، غير أنّ التقدّم السريع للجيش الألماني في جبهات شرق أوروبا خلال تموز/يوليو 1941 ودخوله الأراضي السوفيتية، دقّ ناقوس الخطر لدى الحلفاء، فقد خشيت موسكو من استيلاء الألمان على حقول نفط باكو، ثم انتقالهم لاحقا إلى السيطرة على حقول النفط في إيران، الأمر الذي أثار ذعر الحلفاء.

وكان الحلفاء قد حذّروا طهران مسبقا من تواجد الخبراء الألمان المقيمين في البلاد، لكن الحكومة الإيرانية لم تُعر التحذيرات أهمية تُذكر، فاتخذ الحلفاء من هذا الأمر ذريعة لاتهام إيران بخرق حيادها في الحرب، ليُطلقوا غزوهم من عدة محاور.

واللافت أنّ عدد الألمان المقيمين في إيران لم يكن يتجاوز 150 خبيرا، في حين بلغ عدد الخبراء البريطانيين أنفسهم قرابة 350 شخصا، ما يكشف أنّ وجود الألمان لم يكن سوى ذريعة، بينما كان الهدف الحقيقي هو استخدام الأراضي الإيرانية ممرا استراتيجيا لإيصال المساعدات إلى الاتحاد السوفيتي.

خلال الفترة من 25 أغسطس/آب 1941 ولمدة 23 يوما احتلت قوات الحلفاء معظم أراضي البلاد، وقصفت الجيش الإيراني قصفا متتاليا أفضى إلى تفككه، وكانت النتيجة المباشرة لهذا الاحتلال تنحية رضا شاه (بهلوي الأول) عن العرش، وتنصيب ابنه ولي العهد مكانه، تنفيذا لاتفاق القوى المتحالفة.

ولم تقتصر آثار الاحتلال على تبدل الحكم فحسب، بل استمرّت تداعياته لسنوات طويلة، من مجاعات قاسية أنهكت الشعب، إلى تغلغل النفوذ الأجنبي بين النخب الإيرانية. ومن هنا أرى أنّ الدرس الأهم المستفاد من تلك التجربة التاريخية هو ضرورة الاعتماد على القوة الناعمة المتمثلة في حضور الشعب في مختلف الميادين، إلى جانب بناء بنية دفاعية متينة، وتطوير قوات عسكرية حديثة وفعّالة، فضلا عن وجود ساسة واعين بمتطلبات العصر، كي لا يتكرر مثل هذا السيناريو مرة أخرى.

ما كان موقف رضا شاه (بهلوي الأول) من احتلال إيران؟ فالبعض يعتقد أنّه كان مؤيّدا لهتلر، ومن الطبيعي أن يعارض هذا الاحتلال، فيما يرى آخرون أنّه ظلّ وفيّا لبريطانيا، فاستسلم بسهولة، وأن نفيه إلى جزيرة موريشيوس كان بسبب انتهاء صلاحيته، لتستمر السلالة البهلوية مع ابنه. فأيٌّ من هاتين الروايتين أصحّ؟

بناء على القرائن والشواهد، هناك روايتان حول موقف رضا شاه:

الرواية الأولى تقول إنه كان يسعى إلى كسب الوقت حتى يتضح مصير الحرب العالمية الثانية، ولذلك كان يؤكد باستمرار على سياسة الحياد، ويبدو أن جزءا كبيرا من الشعب الإيراني آنذاك كان مسرورا بانتصارات هتلر، خصوصا بعد اقتراب القوات الألمانية من موسكو وسانت بطرسبورغ، وهما من كبريات مدن الاتحاد السوفيتي. 

أمّا سبب سرور الإيرانيين بتقدّم الألمان فكان غضبهم من الروس بسبب حربَي إيران وروسيا وما نجم عنهما من انفصال أجزاء من أراضي إيران، وكذلك بسبب تدخلات الروس المتكررة في الشؤون الداخلية، مثل قضية قصف البرلمان بالمدافع، وفي ظل هذه الأجواء، ومع الأخذ بالاعتبار دعاية أنصار هتلر في إيران وتركيزهم على العِرق الآري للألمان، أصبح اتخاذ قرار لصالح الحلفاء مثل بريطانيا والاتحاد السوفيتي أمرا صعبا على الساسة الإيرانيين. 

ويرى أنصار هذه الرواية أن رضا شاه كان يريد، ما أمكن، أن تبقى سياسة إيران قائمة على الحياد، غير أن انتصارات هتلر في صيف عام 1941 جعلت الحلفاء يخشون بشدة من تكرار نجاحاته، فسعوا إلى اتخاذ إجراء وقائي، ووجدوا أن أفضل وسيلة لوقف فتوحات هتلر هي دعم القوات السوفيتية، وكان الطريق الأمثل لذلك يمر عبر إيران، إن تجاهل رضا شاه لهذا الأمر أثار غضبهم وأدى في النهاية إلى نفيه من إيران.

أما الرواية الثانية فتشير إلى أن الاتحاد السوفيتي وبريطانيا كانا منذ أشهر يطالبان بإخراج جميع الخبراء الألمان من إيران، خصوصا أن بعض هؤلاء كانوا في الحقيقة جواسيس. فقد أكد أحدهم ويدعى “شولتسر” لاحقا في مذكراته أنه كان يتجسس لصالح ألمانيا الهتلرية متسترا بصفة “خبير”، وأنه كان يخطط فعلا لتخريب الصناعات النفطية في باكو وخوزستان. 

لكن التحذيرات التي وجهها الحلفاء عبر وزارة الخارجية الإيرانية كانت تصل فقط إلى رئيس الوزراء آنذاك علي منصور (المعروف بلقب منصور الملك)، وكان يقوم بأرشفتها دون متابعة، ولذلك لم يكن رضا شاه مطلعا عليها. ولم يدرك هذه الحقيقة إلا صباح 25 أغسطس/آب 1941، حين التقى بسفيري بريطانيا والاتحاد السوفيتي، السير بولارد وسميرنوف، فأخبراه بتلك التحذيرات السابقة، فأبدى شاه دهشته وقال إنه لم يكن على علم بها، وبعد هذا اللقاء عُزل علي منصور من منصبه، ووفق هذه الرواية فإن رضا شاه كان ضحية قرارات الآخرين.

وبحسب الرواية الأولى، فإن الشاه لم يبقَ وفيا لسياسة بريطانيا والاتحاد السوفيتي، بل كان ينتظر قدوم قوة ثالثة ليتحالف معها، وهو ما كان يحظى أيضا بتأييد الرأي العام، أما وفق الرواية الثانية، فالشاه ظلّ وفيّا للقوى الكبرى آنذاك، لكن الإهمال وربما المؤامرة من جانب المقربين جعلته في حالة جهل بالحقائق ثم أدت إلى عزله.

إحدى تبعات احتلال إيران من قِبَل الحلفاء كانت نشوء فرقة بيشه ‌وري في أذربيجان، التي أعلنت حكما ذاتيا استمرّ أقل من عام، فما مدى دور الاتحاد السوفيتي السابق في ظهور هذه الفرقة؟

في 12 ديسمير/كانون الأول 1945، قدّم جعفر بيشه‌ وري حكومته المزعومة إلى “مجلس أذربيجان” الذي كان قد أُنشئ محليا، وأبرز بنود برنامجه تمثلت في: إعلان الحكم الذاتي لأذربيجان، تقسيم الميزانية الوطنية، وتشكيل جيش محلي، والتعليم المجاني باللغة التركية، وتقسيم الأراضي الأميرية وأملاك المالكين الذين غادروا أذربيجان… إلخ، وقد تعهّد بعدم معارضة حكومة طهران ما دامت لا تتدخل في شؤونه، وفي اليوم التالي سلّم الجيش الإيراني نفسه بعد أن جُرّد من سلاحه.

وفي 1946 ، انتُخب أحمد قوام (قوام‌السلطنة) رئيسا للوزراء بأغلبية 51 صوتا في مجلس الشورى الوطني، وبعد تصديق الشاه الشاب – الذي أبدى ترددا ولم يوافق إلا بعد اتصال من نائب وزير الخارجية الأمريكي – توجّه قوام في 8 فبراير/شباط إلى موسكو. هناك اتبع سياسة “العصا والجزرة”: فمن جهة قدّم وعودا بمنح امتياز نفط الشمال (مشروطا بموافقة البرلمان القادم)، ومن جهة أخرى تقدّم بشكوى رسمية إلى الأمم المتحدة ضد الاتحاد السوفيتي لعدم انسحابه من إيران بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، بما يخالف اتفاق طهران، هذا التحرّك شكّل ضغطا مضاعفا على السوفييت على الصعيد الدولي.

اللافت أنّ قوام، بعد عامين، أسس حزب “الديمقراطي” وتمكّن من السيطرة على أغلبية البرلمان الخامس عشر، وأرسل قبل التصويت على اتفاق قوام – سادجيكف رسالة إلى نواب حزبه يأمرهم بالتصويت ضده، ليُفشل الاتفاق عمليا. وبمعنى آخر: كما أنّ السوفييت هم من بسطوا نفوذ فرقة بيشه‌ وري، فقد كانوا هم أنفسهم من طووا صفحتها مقابل وعود لم تتحقق.

أما نصرالله سيف ‌بور فاطمي – مؤلف كتاب دبلوماسية النفط – وهو شقيق حسين فاطمي (وزير خارجية مصدق)، فيرى أنّ السبب الرئيسي وراء انسحاب السوفييت من إيران وانهيار فرقة بيشه ‌وري كان سياسة الرئيس الأمريكي آنذاك هاري ترومان. إذ يؤكد أن واشنطن وجهت إنذارا مباشرا إلى ستالين، مفاده أنّه إذا لم ينسحب الجيش الأحمر من أذربيجان فإن القوات الأمريكية ستقوم بإخراجه بالقوة، لكنه يطرح سؤالا مهما: إذا كان مجرد التهديد الأمريكي هو العامل الحاسم، فلماذا لم ينجح التهديد نفسه في إرغام السوفييت على الانسحاب من شرق أوروبا؟

وهنا تبرز رواية ثالثة، تنسب الدور الأساسي في إفشال مشروع بيشه ‌وري إلى بطولة وشجاعة أهالي أذربيجان أنفسهم؛ هؤلاء الذين كان لهم دور تاريخي في بناء إيران الموحّدة منذ العصر الصفوي، ثم في مواجهة الاستعمار والاستبداد، كما تجلّى في الثورة الدستورية على يد القادة الكبار ستار خان وباقر خان.

وبذلك يتضح أنّ مجموعة من العوامل الداخلية والخارجية تضافرت، لتُفضي في النهاية إلى استعادة وحدة إيران.

ما الذي نحتاج إليه حتى لا تراود القوى الأجنبية من جديدٍ فكرة الدخول إلى الأراضي الإيرانية، ولكي نتمكن من مقاومة الأعداء؟

لكي لا تفكر القوى الأجنبية مرة أخرى في غزو الأراضي الإيرانية، لا بدّ أن تتوافر لدينا مقومات تمكّننا من الصمود بوجه أي معتٍ.

تجربة الحرب العراقية الإيرانية 1980 أثبتت أنّ أيّ شعب يتمتّع بالتماسك الداخلي، حتى لو فوجئ بالهجوم في البداية، يمكنه أن يستعيد زمام المبادرة بعد فترة وأن يحوّل الأزمة والتهديد إلى فرصة، فقد نجحت إيران في تلك الحرب بعد حين في طرد القوات الغازية، بل وتوغلت داخل الأراضي العراقية لمعاقبة المعتدي.

وفي حرب الـ 12 يوما الأخيرة، شاهدنا كيف راهن العدو على تفرقة الشعب، غير أنّ الوحدة الوطنية أحبطت حساباته ومنعته من بلوغ أهدافه، ومن هنا تبرز أهمية القوة الناعمة المتمثلة في حضور جميع فئات الشعب وانسجامها.

لكن القوة الناعمة وحدها لا تكفي؛ فلا يمكن خوض المعارك بأيد فارغة،  ففي الحرب الأخيرة نفسها تبيّن كيف أنّ صواريخ إيران وقوة نيرانها، ودقّتها العالية في إصابة الأهداف داخل إسرائيل، كانت السبب المباشر في دفع العدو لطلب وقف إطلاق النار في الأيام الأخيرة.

وعليه، فإنّ مواجهة المخططات الشريرة لأعداء إيران تستلزم اليوم، أكثر من أي وقت مضى، الجمع بين القوة الناعمة المتمثلة في وحدة الشعب وصلابته، والقوة الصلبة المتجسدة في القدرات الدفاعية والهجومية المتطورة.