- زاد إيران - المحرر
- 614 Views
كتب: الترجمان
من أخطر ما يقع فيه المترجم ليس قلة الكلمات، لكنه الاطمئنان الزائد إلى معانيها المباشرة، خصوصا عندما يتعلق الأمر بالثقافة والفنون. بعض المصطلحات الثقافية والفنية في إيران تحمل طبقات من المعنى لا يمكن نقلها حرفيا دون أن تتحول إلى موقف كوميدي أو مفارقة غريبة.
أتذكر يوما كنت أراجع ترجمة مقال عن مهرجان شعري في طهران، وكان النص الفارسي يقول:
“در این جشنواره، غذاها با نامهای ادبی سرو میشوند.”
الترجمة المقابلة كانت:
“في هذا المهرجان، تُقدَّم الأطعمة بأسماء أدبية.”
وقفت مذهولا، وابتسمت قليلا. “أسماء أدبية؟ هل سيأكل الزائر اليوم طبقا اسمه “عزف الحروف على صحن من الفاصولياء؟” أم سلطة بعنوان “‘روميو وجولييت في طاجن الدجاج؟” تخيلت القارئ العربي يتلقى التقرير وكأنه دليل سياحي لمطعم شعري، ويبدأ بالبحث عن الأطباق التي تحمل أبياتا من حافظ أو فروغ فرخزاد، بدل أن يركز على الجو الثقافي للمهرجان.
في الواقع، يكمن الخطأ في تجاهل السياق الثقافي للكلمات. التعبير الفارسي “با نامهای ادبی” لا يعني أن الأطعمة تتحول إلى شعر يُقرأ أثناء الأكل، بل أن قوائم الطعام تحمل أسماء مستوحاة من الأدب الإيراني أو الثقافة الشعبية: أحيانا يطلقون أسماء شخصيات تاريخية أو رموز شعرية على الحلويات والمقبلات، ليضيفوا بعدا ثقافيا للمهرجان، ويجعل تجربة الزائر أكثر متعة وتعلقا بالثقافة المحلية. إنها لمسة ثقافية، ليست نصاً شعريا يُقدَّم مع الحساء.
ذهبت مباشرة إلى المترجمة وقلت مبتسما: “هل تقصدين حقاً أن الإيرانيين يأكلون الشعر؟”
ضحكت بخجل وأجابت: “الكلمة ادبی تعني أدبي، أليس كذلك؟”
قلت لها: “نعم، لكن المعنى هنا ثقافي، لا حرفيا. ليست الأطعمة شعرا، لكنها تحمل أسماء مستوحاة من الأدب. لو ترجمتِ حرفيا دون فهم السياق، سيظن القارئ العربي أننا أمام مهرجان غريب يقدم الطعام مصحوبا بأبيات شعرية على الصحون.”
المكتب انفجر ضحكا، وتخيلنا عناوين ساخرة:
“مهرجان شعري في طهران… تناولوا بيت الشعر مع الحساء!”
“إيران تطلق أول مطعم شعري، قدم طبقك مع قصيدة!”
لتوضيح الصورة أكثر، أحيانا تسمى بعض الحلوى في المهرجان بـ”مهتاب” (ضوء القمر) أو “شاهد غزل” (رمز للرومانسية في الشعر الفارسي)، والمقبلات تحمل أسماء مثل “سلمان فارسی” أو “ليلى و مجنون”، بينما الأطباق الرئيسية قد تُسمّى باسم رموز تاريخية أو قصص أدبية. القارئ العربي غير المطّلع على الثقافة قد يظن أن المهرجان يقدم “طبقا شعريا” فعليا، بينما الحقيقة أن هذه مجرد رموز لإضافة الطابع الأدبي والجو الثقافي.
لكن خلف الضحك كان هناك درس مهم: الترجمة الحرفية للثقافة يمكن أن تحوّل حدثاً جاداً إلى نكتة لم يقصدها النص، والقارئ يأخذها على محمل الجد. المترجم لا ينقل الكلمات فحسب، إنه جسر ثقافي بين عالمين، وأي خطأ فيه يخلق وهما كاملا عن الواقع، أحيانا قد يصل إلى تشويه صورة ثقافة بأكملها.
هذا الخطأ شائع بين المترجمين الجدد، خصوصا عندما يواجهون كلمات مألوفة في القاموس، مثل “ادبی”، فيظنون أن معناها بسيط وواضح، فيترجمونها حرفيا، بينما في الثقافة الإيرانية، هذه الكلمات تحمل دلالات سياقية دقيقة: تضيف جوا، ترمز لهوية، تُبرز الذوق الشعري أو الأدبي، وتخلق تجربة متكاملة للزائر.
من هذه النادرة تعلمنا درسا مزدوجا: أولا، الثقافة تحتاج ترجمة مدروسة، لا ترجمة حرفية، وثانيا، الكلمات الثقافية أكثر خداعا من الكلمات الاقتصادية، لأنها تحمل رموزا ومعاني متراكبة لا تظهر للقارئ إلا إذا فهم السياق جيدا.
وهكذا خرجنا في ذلك اليوم بضحكة ودرس معا: أن المترجم هو صانع تجربة، لا مجرد ناقل نص، وأن أي غفلة عن السياق يمكن أن تحول مهرجانا شعريا إلى كوميديا غير مقصودة.

