- زاد إيران - المحرر
- 628 Views
كتب: أمير عباس هدايت
تُعدّ مشكلة شحّ المياه واحدة من التحديات التاريخية والدائمة التي تواجه إيران، وذلك بسبب موقعها الجغرافي ضمن الحزام الجاف والصحراوي من العالم، إلى جانب ارتفاع درجات الحرارة في معظم مناطقها، وقد أسهمت هذه الخصوصية المناخية في تفاقم أزمات المياه والطاقة، لا سيّما خلال المواسم الحارّة، حتى أصبحت معضلة مزمنة تؤثر على مختلف جوانب الحياة.
رغم تكرار أزمة المياه خلال الأشهر الحارّة في العقود الماضية، لم يُطرح حتى اليوم حلّ شامل وفعّال للتعامل معها، فالماء، باعتباره عنصرا أساسيا للحياة وركيزة لا غنى عنها للزراعة والصناعة وسائر القطاعات، يُعدّ من أكثر الموارد الحيوية أهمية للإنسان، ولا شكّ في أن ظاهرتي الجفاف وتراجع الموارد المائية باتتا من الأولويات الملحّة التي تستدعي تحرّكا عاجلا وجادا.
تُظهر وتيرة الجفاف المتسارعة في إيران بوضوح أنّ الاعتماد على الحلول المؤقتة أو المشاريع القائمة على البناء والتشييد وحدها لم يعد كافيا لإدارة هذه الأزمة، فالبلاد باتت اليوم بحاجة أكثر من أي وقت مضى إلى استراتيجية متكاملة ومستدامة، تنسجم مع المبادئ البيئية، من أجل الحفاظ على مواردها المحدودة وتجنّب التبعات السلبية بعيدة المدى لهذه الظاهرة.
وفي هذا السياق، أجرى موقع “زاد إيران” حوارا مع حميد سينيساز، الخبير في شؤون المياه، وفي ما يلي نص الحوار:

كم تكلفة إنتاج مياه الشرب ونقلها إلى المستهلك في إيران وكم يدفع المستهلك مقابلها؟
أنا أعلم أنه يمكن جعل تكلفة كل متر مكعب من مياه الشرب باهظة على الناس والمستهلكين بسبب مشاريع البناء المكلفة الحالية مثل أنواع السدود، وأنفاق النقل وغيرها، ويمكن بدلا من ذلك استخدام طرق أقل تكلفة مثل إدارة أحواض المياه، وإدارة المكامن المائية، وبشكل عام التخزين تحت السطحي للمياه. لذلك، تختلف التكلفة التي يدفعها المستهلك للمياه بحسب طريقة إنتاجها.
بشكل عام، التكلفة النهائية لإنتاج ونقل كل لتر ماء للمستهلك تزيد عن المبلغ الذي تتقاضاه شركات المياه والصرف الصحي من المشتركين، حث قال «أتابك جعفري» مدير شركة المياه في مؤتمر صحفي إن تكلفة التشغيل وتوزيع المياه لكل ألف متر مكعب تبلغ 100 دولار، بينما لا يتم تحصيل سوى 10 دولارات فقط من الناس.
ما نسبة المياه المستهلكة التي تُستمد من المياه الجوفية؟ وبالنظر إلى انخفاض معدلات الأمطار وارتفاع استهلاك المياه في السنوات الأخيرة، ما الأضرار الناجمة عن السحب المفرط وغير القانوني من هذه الموارد، وما تداعيات ذلك على المدى القريب والبعيد؟
يُقدّر أن أكثر من خمسين بالمئة من إجمالي استهلاك المياه السنوي في البلاد يعتمد على المياه الجوفية، ومن البديهي أن خزانات المياه الجوفية التي يُفترض أن يُستخرج منها الماء فقط بموجب تصاريح رسمية صادرة عن وزارة الطاقة، والتي لا تُعاد تغذيتها بأي جهود من قبل الدولة أو المواطنين، تشبه حسابا مصرفيا تُسحب منه الشيكات دون إعادة تعبئته. وحتى لو كان هذا الحساب بنك كنوز قارون، فإن الشيكات الصادرة منه ستُرفض حتما مع مرور الوقت.
تعد ظاهرة الهبوط الأرضي الناشئة والمتزايدة، والتي تنجم بشكل مباشر عن النشاطات البشرية، في الغالب نتيجة للسحب المفرط وغير القانوني من المياه الجوفية، ففي السنوات الأخيرة، ومع انخفاض معدلات الأمطار في طهران، ولتعويض نقص المياه، شهدت عمليات حفر الآبار زيادة كبيرة، مما أدى إلى استنزاف المخزون الجوفي وتفاقم الهبوط الأرضي في المناطق الجنوبية والجنوبية الغربية من العاصمة، وهذا الهبوط يقلل بشكل ملحوظ من نفاذية الطبقات الجوفية ويحد من قدرتها على تخزين المياه.

ما هو حجم استهلاك المياه في القطاع الزراعي؟ وهل من المنطقي تخصيص ما بين 70 و90 بالمئة من موارد المياه لهذا القطاع؟ وهل يسبب القطاع الزراعي هدرا كبيرا للمياه؟ وكيف يمكن زيادة كفاءة استخدام المياه دون تقليل الإنتاج؟
يُحتسب حجم استهلاك المياه في القطاع الزراعي في إيران عن طريق حساب الفارق بين حجم العدادات الموجودة في قطاعات الشرب والصناعة وبين إجمالي الموارد المائية المتجددة، ومن المؤكد أن هذه الطريقة تتضمن ضمنيا خسائر المياه في جميع قطاعات الاستهلاك، كما تُضاف أيضا الاستهلاكات المخفية وغير القانونية في قطاعات الشرب والصناعة ضمن استهلاك القطاع الزراعي.
لذلك، الأرقام المذكورة قد لا تكون دقيقة، وهناك خلافات جدية بين الخبراء حول الرقم الحقيقي لاستهلاك المياه في القطاع الزراعي منذ فترة طويلة، وتشير التقديرات العلمية الحديثة، المعتمدة على القياس الطيفي عبر الأقمار الصناعية، إلى أن الاستهلاك الفعلي للمياه في القطاع الزراعي أقل من 50% من إجمالي الموارد المائية المتجددة في إيران.
ومن الجدير بالذكر أن متوسط استهلاك المياه للقطاع الزراعي عالميا، وفقا لإحصائيات منظمة الأغذية والزراعة (الفاو)، يبلغ حوالي 69 %، ويُعتبر القطاع الزراعي أكبر مستهلك للمياه في العالم نظرا لأهميته في تأمين الغذاء، ولا يمكن وصفه بهدر المياه، ففي البلدان الجافة، يعتمد القطاع الزراعي بشكل كبير على المياه، ولهذا السبب تكون حصته مرتفعة، ويمكن مقارنة ذلك بمن يدعي أن قطاع النقل هو أكبر مستهلك للبنزين والديزل وبالتالي يجب تقليصه.
وأهم مبدأ لزيادة كفاءة استهلاك المياه في القطاع الزراعي هو إعادة حسّ الإدارة والمسؤولية تجاه المياه إلى المزارعين أنفسهم، طالما أن قرار تخصيص المياه الزراعية يُتخذ من قبل جهة غير متخصصة مثل وزارة الطاقة، فإن المزارعين لا يشعرون بأن المياه ملك لهم، ويقتصر جهدهم على إظهار أنهم بحاجة إلى كامل كمية المياه المحددة في تصاريحهم فقط.

مستوى استهلاك المياه في العاصمة فريد من نوعه على مستوى إيران، فقط استهلاك مياه الشرب في طهران يعادل نحو خمسة أضعاف المتوسط الوطني، فما العوامل التي تسهم في ذلك؟ وهل من المحتمل أن تواجه طهران مشكلة في تأمين المياه؟
يرجع ارتفاع متوسط استهلاك المياه في طهران إلى كثرة وتكدس المراكز الإدارية والتجارية والصناعية في النسيج الحضري للعاصمة، حيث تُحتسب الاستهلاكات التجارية والإدارية والصناعية المحيطة بطهران ضمن قطاع مياه الشرب، كما أن سكان طهران في النهار يعادلون تقريبا ضعف عدد سكان المدينة في الليل، بسبب الهجرة اليومية للباحثين عن العمل من المناطق المحيطة إلى العاصمة، وهذا يزيد من حجم استهلاك المياه المسجل في طهران.
ومع أن طهران لا تزال المدينة الأكثر جذبا للحصول على فرص عمل، ولا زالت هجرة السكان إلى هذه المدينة الكبرى والمدن الجديدة المحيطة بها مستمرة، فإن تفاقم أزمة المياه في طهران مع هذا الاتجاه أصبح أمرا متوقعا وليس مستبعدا.

لماذا تبدو مشاريع بناء السدود المكلفة دائما أكثر جاذبية من الحلول غير الهيكلية والإيكولوجية، ولماذا يضع المسؤولون هذه المشاريع في مقدمة أولوياتهم منذ سنوات؟
لقد أجبت على السؤال ضمن نصه: لأنها “مكلفة”. وهذا يعني حصول الجهة المسؤولة على ميزانية كبيرة وثقيلة من مخصصات الدولة للبنية التحتية، أي جهة حكومية تكره أن تحصل على ميزانية أكبر؟
بعد انتهاء الحرب بين إيران ونظام صدام حسين، انطلقت موجة بناء السدود في إيران بقيادة “علي أكبر هاشمي رفسنجاني” الرئيس السابق، بهدف إدارة ومراقبة المياه السطحية، وتوفير المياه للمناطق الأقل حظا، وتلبية احتياجات البلاد من الماء والكهرباء.
ووفقا للبيانات الرسمية، تم بناء 25 سدا خزانيا وترابيا وصخريا في مختلف أنحاء البلاد خلال فترة رئاسة هاشمي رفسنجاني التي انتهت عام 1997.
استمر هذا التوجه بوتيرة متسارعة حتى أُضيفت 35 سدا خلال حكومة محمد خاتمي، ثم قامت حكومة محمود أحمدي نجاد بتشغيل 18 سدا بوتيرة أبطأ نسبيا، فيما أطلقت الحكومة العاشرة 39 سدا جديدا، وقد أثار هذا الكم الكبير من بناء السدود انتقادات مستمرة تجاه سياسات السدود في البلاد.
أزمة المياه في إيران لم تنشأ بين ليلة وضحاها، وقد أكد الخبراء لسنوات على ضرورة التخلي عن الإدارة السطحية والاتجاه نحو إدارة موارد المياه الجوفية، لكن وزارة الطاقة ما تزال تفضل المشاريع المكلفة مثل بناء السدود لأسباب اقتصادية.
وبتكلفة أقل بكثير، يمكن من خلال تطوير وتعزيز الغطاء النباتي تحسين قدرة التربة على الاحتفاظ بالمياه وتخزينها، ومنع هدرها بسبب التبخر، وبدلا من فقدان المياه على شكل بخار أو جريان سطحي، تتغلغل المياه إلى الطبقات تحت الأرضية وتغذي خزانات المياه الجوفية، مما يمكن أن يفي باحتياجات البلاد المائية خلال الفصول الحارة، ومع ذلك، هذا النهج لا يتوافق كثيرا مع أولويات وسياسات وزارة الطاقة الحالية.

يُقال إن من أسباب نشوء أزمة المياه هذا العام سياسة الحكومة في إطلاق كميات المياه من خلف السدود لتوليد الكهرباء. هل ترى أن هذه السياسة صحيحة؟
بحسب تقارير ميزان الطاقة، يخصص نحو 13 إلى 14 بالمئة من القدرة الاسمية لإنتاج الكهرباء في البلاد لمحطات الطاقة الكهرمائية في السدود، ومع ذلك، فإن الكمية الفعلية للكهرباء التي تزود بها هذه المحطات الشبكة لا تتجاوز عادة 6 بالمئة، وقد انخفضت هذه النسبة أكثر في السنوات الأخيرة بسبب استمرار موجات الجفاف.
للأسف، في بعض السنوات، ولتعويض نقص الكهرباء في فصل الشتاء، وللتقليل من تلوث الهواء وارتفاع تركيز الملوثات وضعف جودة الوقود المستخدم في محطات الطاقة الحرارية، تم استخدام مخزون مياه السدود لتوليد الكهرباء، مما أدى إلى تقليل الموارد المائية المتاحة لفصل الصيف.
هل تعتبر تقنين المياه طريقة جيدة لإدارة أزمة مياه الشرب؟ وما الحلول المتاحة للرقابة وإدارة مياه الشرب؟
عندما لم تُتخذ سابقا قائمة طويلة من الإجراءات الإدارية الممكنة لمنع وقوع الوضع الحالي الصعب، يصبح التقنين هو الحل الوحيد المتاح حاليا؛ لكنه بالتأكيد ليس الحل الإداري الأنسب على المدى الطويل.
وأكثر الطرق حكمة لإدارة المياه، سواء مياه الشرب أو غيرها من الاستعمالات، في بلد ذو مناخ دافئ وشبه جاف كإيران، هي زيادة سرعة وكمية تسرب مياه الأمطار إلى خزانات المياه الجوفية في أماكن هطولها.
مع ذلك، في ظل الظروف الحالية للجفاف، حتى لو هطلت أمطار قبل نهاية الصيف، فإن احتمال تسرب المياه إلى الطبقات السفلية من الأرض ضعيف جدا بسبب تماسك وتدهور بنية التربة الناتجة عن الجفاف، ونتيجة لذلك، ومع أقل كمية من الأمطار، تتدفق المياه السطحية وربما نشهد فيضانات.
لذا، من الضروري العمل على تحسين مسامية التربة وزيادة قدرتها على تخزين المياه من خلال الحفاظ على خصائصها الطبيعية. وإلا، فلن يتحسن وضع الموارد المائية في البلاد حتى مع هطول أمطار غزيرة.
أما المياه المتجمعة خلف السدود، فهي مصحوبة بكميات كبيرة من الطمي والرواسب، مما يقلل من سعة التخزين للسدود، ويزيد من كمية الرواسب في خزانات المياه في البلاد، ويستدعي المزيد من عمليات تنقية المياه في النهاية.

