- زاد إيران - المحرر
- 394 Views
تشهد البيئة الجيوسياسية في المنطقة تحولات متسارعة تعكس اتساع دائرة التفاعلات العسكرية والتقنية بين القوى الإقليمية والدولية، في وقت تتزايد فيه المؤشرات على دخول سباق تسلح أكثر تعقيدا من أي وقت مضى، ومع تزايد الضغوط السياسية وتبدّل موازين الردع، تتجه بعض الدول إلى إعادة تقييم خياراتها الاستراتيجية وتعزيز بنيتها الدفاعية عبر مسارات جديدة للتعاون العسكري، وفي ظل هذا المشهد المتوتر، تتواتر تقارير دولية تكشف عن تطورات لافتة في الصناعات الحربية، تظهر أن المنطقة مقبلة على مرحلة مختلفة قد تعيد رسم قواعد الاشتباك وترتيبات الأمن الإقليمي.
تناقلت وسائل إعلام دولية وإقليمية، وعلى رأسها موقع المانیتور الأميركي، تقارير موسعة حول دخول مقاتلات سوخوي 35 مخصصة لإيران في مرحلة الإنتاج داخل المصانع الروسية، مستندة إلى وثائق مسربة من مصادر عسكرية روسية وأوكرانية، وتشير هذه الوثائق إلى أن 16 مقاتلة من أصل 48 اتفقت موسكو وطهران على شرائها، قد دخلت فعليا خط التجميع في مصنع يوري غاغارين كومسومولسك آن آمور، وهو أحد أهم مراكز صناعة الطائرات الحربية الروسية.

ووفق ما ورد في الوثائق المسربة، فإن بدء الإنتاج يشكل أول عملية تحديث واسعة لسلاح الجو الإيراني منذ عقود، ما يعكس تحولا في القدرات العسكرية الجوية لطهران بعد سنوات طويلة من الاعتماد على طائرات قديمة تعود إلى حقبة ما قبل الثورة.
يذكر أن تقارير سابقة كانت قد كشفت عن إتمام الجانبين اتفاقا يشمل 48 مقاتلة، على أن يتم التسليم الكامل حتى عام 2028، غير أن التسريبات الجديدة تشير إلى إمكانية تقديم موعد التسليم إلى عام 2027.

هذا وتتضمن الوثائق تفاصيل دقيقة حول مسار التصنيع والمكوّنات الفنية للطائرات، حيث يظهر تدخل عدة مصانع روسية متخصصة، من بينها مصنع زوزدا المسؤول عن مقاعد الطرد K-36، وكذلك مصنع الأدوات الثاني في موسكو الذي يوفر مجموعة واسعة من الحساسات والأجهزة الميكانيكية الدقيقة، وتشمل الطلبات المنشورة حساسات ضغط تفاضلي من طراز RDIA-400-220-O وRDII-0.6-0.44-3، بالإضافة إلى أدوات بارومترية BR-5، وهي جزء من منظومة الأمان الخاصة بالطائرة.
كما توضح الوثائق أن وحدات تابعة لوزارة الدفاع الروسية تشرف على اعتماد المكونات، منها الوحدة 2311 ووحدات أخرى تحمل أرقاما عسكرية معروفة في منظومة الصناعات الدفاعية، وتشير كذلك إلى سلسلة من الدفعات المالية التي سددتها إيران في مارس ويوليو وديسمبر 2024، ما يؤكد أن عملية التمويل اكتملت، وأن تجهيز الطائرات يسير وفق خطة تتوافق مع توقعات التسليم في الفترة بين 2025 و2027.
وبحسب مصادر روسية، فإن بدء الإنتاج الفعلي تم في عام 2024، وأن موسكو تهدف إلى استكمال تصنيع الدفعة الأولى من الطائرات خلال فترة عامين، رغم الضغط الشديد الذي يتعرض له قطاع الصناعات العسكرية الروسي بسبب الحرب في أوكرانيا واحتياجات الجيش الروسي المحلي، فيما أشارت تقارير أخرى إلى أن نقل طائرات النقل العسكري الروسية من مصانع إيركوتسك إلى إيران يجري بوتيرة متكررة، ما يعزز احتمال وجود صفقات إضافية تشمل معدات أخرى قد لا تكون معلنة، كما تحدثت وسائل إعلام عن إمكان تسليم طهران مقاتلات سوخوي-30MK ضمن حزمة التعاون العسكري الواسع.

ويكتسب هذا التطور أهمية خاصة إثر حرب يونيو/ حزيران 2025 والتي اندلعت بعد استهداف تل أبيب لقيادات الصف الأول في الجيش والحرس الثوري، والتي كشفت عن ثغرات في القدرات الجوية الإيرانية، وهو ما يفسّر استعجال طهران في الحصول على طائرات مقاتلة حديثة، إذ ترى في اقتناء سوخوي-35 خطوة رئيسية في إعادة تشكيل بنيتها الدفاعية والهجومية.
سوخوي 35… المقاتلة التي تغيّر موازين القوى الجوية
تعد مقاتلة سوخوي-35 واحدة من أبرز المقاتلات متعددة المهام في الترسانة الجوية الروسية، وهي نسخة متقدمة للغاية من المقاتلة Su-27، بعد خضوعها لسلسلة تطويرات جوهرية شملت الهيكل والشكل الخارجي والمحركات والإلكترونيات، وتندرج الطائرة ضمن فئة الجيل 4++، أي أنها تقترب من قدرات الجيل الخامس دون امتلاك تقنيات الشبحية الكاملة، وهو ما يجعلها خيارا متوازنا وفعالا لدى الدول التي تسعى لتعزيز قدراتها الجوية دون تكاليف الأساطيل الغربية.

يعود تاريخ تطوير طائرات السوخوي من هذا النوع إلى ثمانينيات القرن الماضي، بينما كان أول تحليق لها عام 1988 تحت اسم Su-27M، وقد صمم هذا الطراز في الأساس لتحقيق التفوق الجوي، مع قدرات معززة في مجال الهجوم الأرضي، وقد انعكست عملية التطوير على هيكل الطائرة من خلال تحسين الانسيابية، وتخفيف الوزن، وتعزيز قدرة المناورة عبر أنظمة الدفع الموجه في النسخ المتقدمة، كما تم تزويدها بمحركات قوية من نوع Saturn 117S، تمنحها القدرة على التحليق بسرعات فوق صوتية دون الحاجة إلى استخدام محركات الحارق، وهي خاصية تسمى السوبر كروز التي تميز المقاتلات الحديثة.
تستطيع سوخوي 35 حمل 11.5 طن من الوقود، ما يمنحها مدى كبيرا يتراوح بين 3600 و4500 كيلومتر، إلى جانب سقف ارتفاع يصل إلى 18 كيلومترا، مما يعزز قدرتها على العمل في مسارح عمليات واسعة، كما تحمل الطائرة 12 نقطة تعليق للأسلحة على الأجنحة والهيكل، وتستطيع حمل ما يصل إلى ثمانية أطنان من الذخائر.

في مجال التسليح، تتفوق المقاتلة بمجموعة واسعة من الصواريخ الموجهة، أبرزها صواريخ جو جو قصيرة ومتوسطة المدى مثل R-73E وR-77، فضلا عن صواريخ مضادة للسفن من طراز Kh-35، وصواريخ موجهة راداريا أو حراريا للهجوم الأرضي مثل Kh-29T وKh-31P وKh-59M، وتمتلك مدفعا داخليا عيار 30 ملم من طراز GSh-301 مزودا بـ 150 طلقة، وتحتوي المقاتلة على منظومة تشويش إلكتروني متقدمة قادرة على تعطيل رادارات الخصم ورفع مستوى البقاء في المواجهات الجوية.
تتميز سو-35 أيضا بأنظمة أفيونكس متقدمة تشمل رادارا بمصفوفة طورية سلبية يسمح برصد وتتبع أهداف متعددة من مسافات بعيدة، إضافة إلى نظام بحث وتتبع بالأشعة تحت الحمراء، ما يتيح للطائرة الاشتباك مع أهداف جوية دون الحاجة لاستخدام الرادار، وبالتالي تقليل بصمتها الإلكترونية، وتمنح هذه الأنظمة المقاتلة قدرة عالية على المناورة والتحكم، جعلتها تعد من المقاتلات القادرة على مواجهة طائرات الجيل الرابع المتقدم في الغرب، مثل Typhoon وRafale وF-15C.

يذكر أن النسخة Su-35S من تلك المقاتلة، وهي النسخة القياسية المتقدمة، تدخل الخدمة في سلاح الجو الروسي منذ عام 2008، وتعد اليوم النسخة الرئيسة المعدة للتصدير، حيث اقتنتها الصين سابقا واهتمت بها دول أخرى، أما إيران، فهي تتطلع إلى الحصول على هذا الطراز لتعويض فجوات كبيرة في قدراتها الجوية، خصوصا بعد الحرب الأخيرة وما كشفت عنه من حاجة ملحة لتحديث أسطولها القتالي.
التحالف الروسي الإيراني… من سوخوي-35 إلى أنظمة الدفاع المتقدمة
شهدت العلاقة بين إيران وروسيا إعادة تموضع لافتة بعد حرب يونيو/ تموز 2025، إذ شكلت تلك المواجهة نقطة تحول في إدراك إيران لحاجتها المتزايدة إلى شريك دولي قادر على توفير مظلة سياسية وعسكرية في ظل تصاعد الضغوط الغربية، وعلى الرغم من الانتقادات الإيرانية غير المعلنة لتقاعس موسكو عن التدخل في تلك الأزمة، فإن النتائج جاءت في غير المتوقع، إذ اقتربت طهران أكثر من موسكو بدلا من الابتعاد عنها.
تشير تحليلات مراكز أبحاث روسية وإيرانية إلى أن طهران باتت تنظر إلى موسكو باعتبارها الشريك الدولي الأكثر استعدادا للتعاون العسكري والتقني، خصوصا في مجال أنظمة التسليح المتقدمة التي يصعب الحصول عليها في ظل آليات سناب باك، آليات العقوبات الاقتصادية الأوروبية ضد إيران والتي أعادت فرض عقوبات الأمم المتحدة، كما تكشف الوثائق المسربة من شركة روستك الروسية عن أن التعاون العسكري يتجاوز صفقة سوخوي 35، وصولا إلى مشاريع إضافية محتملة مثل نقل تقنيات الصواريخ الموجهة وأنظمة الدفاع الجوي.

وعلى الجانب الروسي، تدرك موسكو، من وجهة نظر محللين إيرانيين، أن إيران تمثل أحد الأركان المهمة في استراتيجيتها لبناء نظام دولي ما بعد غربي، قائم على تقليص الهيمنة الأميركية وتعزيز المحاور المناهضة للغرب، ورغم أن روسيا لم تعد تعتمد على إيران في ساحة الطائرات المسيرة كما كانت في بداية حرب أوكرانيا، بعد أن بدأت بإنتاج نسخ مطورة محليا، إلا أن طهران تبقى شريكا اقتصاديا وجيوسياسيا مهما، خصوصا في ظل انغلاق المنافذ الغربية أمام موسكو.
وقد أدى تصاعد خطر مواجهة عسكرية جديدة مع إسرائيل إلى تعزيز قناعة إيران بأن الوجود الروسي في مشاريعها النووية والطاقة والمواصلات يمثل عنصر ردع غير مباشر، إذ تتجنب إسرائيل استهداف المواقع التي تضم حضورا روسيا خشية التصعيد الدبلوماسي، وبالمقابل، ترى روسيا أن توريد الأسلحة المتقدمة لإيران، وإن جاء ضمن حدود معينة، يسهم في تعزيز مستوى النفوذ الروسي في الشرق الأوسط دون الانجرار إلى مواجهة مباشرة.
كما يشير خبراء إيرانيون إلى أن الأزمة الاقتصادية العميقة التي تواجهها البلاد، إلى جانب تراجع الشركاء التجاريين الأوروبيين، جعلت موسكو أحد المصادر القليلة المتبقية للاستثمار والنقل التكنولوجي، وقد استغلت روسيا هذا الواقع لتعزيز موقعها في المعادلة، بحيث تميل كفة العلاقة الآن بشكل واضح لصالح الكرملين، بينما تجد طهران نفسها مضطرة للحفاظ على هذا التحالف باعتباره واحدا من الخيارات المحدودة المتاحة أمامها.

