- محمود شعبان
- 540 Views
ترجمة: دنيا ياسر نور الدين
نشر موقع “اقتصاد أونلاين” الإيراني، الخميس 10 يوليو/تموز 2025، تقريرا استعرض فيه كيف نجحت سنغافورة في تحقيق توازن دقيق بين علاقاتها مع الصين والولايات المتحدة رغم التنافس الجيواقتصادي بينهما، من خلال سياسة خارجية مرنة واقتصاد منفتح ومتنوّع. كما قدم دروسا لإيران حول كيفية الاستفادة من هذا النموذج لتحقيق مصالحها الوطنية وتنويع شراكاتها الدولية.
أفاد الموقع بأن منصات مثل “وي إیكس أکستریم”، و”فونیكس”، و”میلي”، باتت تُعنى بشكل متزايد بتغطية التطورات الاقتصادية العالمية؛ نظرا إلى أهميتها في تشكيل مستقبل السياسات الاقتصادية للدول، حول السياسات المتوازنة لسنغافورة في ظل التنافس بين الصين والولايات المتحدة.
وأشار إلى أن الاقتصاد والسياسة يشكّلان وجهين لعملة واحدة، لا يمكن فصلهما عن بعضهما البعض. فاتباع استراتيجية ذكية في إدارة الملفات الاقتصادية والسياسات الخارجية يمكن أن يكون دافعا أساسيا نحو النمو والتطور، كما يمكن أن يُشكّل درعا واقيا في مواجهة الأزمات الاقتصادية المتلاحقة.
وتابع الموقع أن سنغافورة تُعد مثالا ناجحا لما يُعرف بـ”اللعب الذكي” في ساحتي الاقتصاد والسياسة. فبالتوازي مع تنفيذ إصلاحات اقتصادية داخلية عميقة، نجحت الدولة في توظيف التنافس القائم بين الصين والولايات المتحدة لصالحها، ما مكّنها من بناء اقتصاد قوي ومتطور.
وأفاد بأنه في عصر العولمة والمنافسة الحادّة، تحتاج دول مثل سنغافورة أكثر من أي وقت مضى إلى استراتيجيات متوازنة لضمان البقاء والنمو الاقتصادي. وفي ظل تصاعد التنافس التجاري والتكنولوجي بين الولايات المتحدة و الصين، كأكبر اقتصادين في العالم، ظهرت تداعيات ملحوظة على معادلات الاقتصاد للدول الأخرى.

وأضاف أن سنغافورة، التي تُعد شريكا اقتصاديا رئيسيا لكلتا القوتين، نفسها في قلب هذا الصراع الجيو-اقتصادي، ما يدفعها إلى تبني سياسات تحافظ على مصالحها الوطنية دون الإضرار بمسار تنميتها الاقتصادية الطويلة الأمد. وتُعتبر تجربتها في التعامل مع هذه التحديات، وفقا لتحليلات الخبراء، نموذجا فريدا للدبلوماسية الاقتصادية البراغماتية في جنوب شرق آسيا.
وتابع أن سنغافورة، باقتصادها القائم على التجارة وموقعها المحوري في سلاسل الإمداد العالمية واعتمادها الكبير على استقرار الأسواق الدولية، تُعد من أكثر الدول تأثرا بالتحولات الاقتصادية الكبرى والتوترات بين القوى العظمى. فمن ناحية، تُعد الصين أكبر شريك تجاري لها وتلعب دورا رئيسيا في تأمين الموارد والأسواق التصديرية.
وذكر أنه من ناحية أخرى، تبقى الولايات المتحدة من أكبر المستثمرين الأجانب ومزودي التكنولوجيا المتقدمة. وبالتالي، فإن أي خلل في العلاقات التجارية بين بكين وواشنطن يمكن أن يكون له تأثيرات متعددة الأبعاد على الاقتصاد السنغافوري المتشابك مع العالم. ومع ذلك، فإن براعة سنغافورة في إدارة هذه المعادلة تُعد أحد مفاتيح نجاحها.
وأشار إلى أن من أبرز سمات السياسة السنغافورية في التعامل مع الأزمات الدولية تجنب الانحياز الأيديولوجي والتركيز على المصلحة الوطنية. فقد حرصت سنغافورة في السنوات الأخيرة على تعزيز علاقاتها الاقتصادية مع الصين، خاصة في مجالات التجارة الرقمية، والخدمات المصرفية، والبنية التحتية الذكية، في حين حافظت على تعاون متين مع الغرب، لاسيما الولايات المتحدة، في المجالات الأمنية والمالية والتعليمية. هذا التوازن الثنائي يعكس إدراكًا عميقا لبنية الاقتصاد العالمي وأهمية تنويع الشراكات الاقتصادية.
وأفاد الموقع بأن الصين تُعد الشريك التجاري الأكبر لسنغافورة، وقد شهدت العلاقات الاقتصادية بين البلدين نموا كبيرا تجاوزت فيه التجارة الثنائية حاجز 100 مليار دولار. وتتمتع الشركات السنغافورية بحضور قوي في السوق الصينية، لا سيما في مجالات مثل اللوجستيات، وتقنية المعلومات، والخدمات المصرفية، والبنية التحتية الحضرية.
وأوضح أن سنغافورة وتؤدي دورا محوريا في جذب الاستثمارات الصينية وتعمل كحلقة وصل بين الصين والأسواق العالمية. كما أبدت ترحيبا بمبادرة “الحزام والطريق” الصينية وشاركت في تطوير مشاريعها، ما أدى إلى تعزيز تبادل التكنولوجيا والاستثمارات المشتركة.
وتابع الموقع أن العلاقات مع الولايات المتحدة لا تقل أهمية؛ إذ تُعد أمريكا من كبار المستثمرين في سنغافورة، لا سيما في التكنولوجيا المتقدمة، والخدمات المالية، والتعليم والبحث العلمي. وأسهم اتفاق التجارة الحرة بين البلدين في زيادة حجم التبادل التجاري والاستثمارات بشكل ملحوظ. وعلى الصعيد الأمني، تتمتع سنغافورة بتعاون عسكري وثيق مع واشنطن.
وأفاد بأن المجال التكنولوجي والابتكار من أهم أدوات سنغافورة في الاستفادة من علاقاتها مع القوتين. فمن الصين، تحصل على تقنيات التصنيع والبنية التحتية الذكية، بينما تعتمد على الولايات المتحدة للحصول على التقنيات الأكثر تقدما مثل أشباه الموصلات، والذكاء الاصطناعي، والطاقة النظيفة. هذا التنوع في مصادر التكنولوجيا ساهم في تعزيز مرونة الاقتصاد السنغافوري وقدرته على المنافسة عالميا.

وأوضح أن أحد العوامل الأساسية في نجاح السياسة الخارجية لسنغافورة هو ما يُعرف بـ”الحياد النشط”. فهي تتجنب الانحياز في صراع القوى الكبرى، وتؤكد على مبادئ سيادة القانون، واحترام القانون الدولي، والتعددية. هذا النهج مكّن سنغافورة من تجنب الآثار المباشرة للحرب التجارية والتوترات الجيوسياسية بين الصين والولايات المتحدة، بل واستفادت من الفرص الاقتصادية الناتجة عنها، مما سمح لها بتعظيم مكاسبها من الجانبين.
وأشار إلى أن انخراط سنغافورة الفعّال في اتفاقيات متعددة الأطراف، مثل الاتفاق الشامل والتقدمي للشراكة عبر المحيط الهادئ، وتعاونها مع منظمات دولية مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، ساعدها في ترسيخ مكانتها كدولة متعددة المحاور في النظام العالمي الجديد. كما أسهم انضمامها إلى اتفاقيات مثل “الإطار الاقتصادي لمنطقة المحيطين الهندي والهادئ” و”الشراكة الاقتصادية الإقليمية الشاملة” في جعلها جسرا بين الشرق والغرب، مع توسيع دائرة منافعها الاقتصادية.
ونبه الموقع إلى أن التوترات المستمرة بين الصين والولايات المتحدة لا تزال تشكل تهديدا حقيقيا لسنغافورة. خاصة مع توجه الصين إلى تعزيز سياسة “الاعتماد على الذات” في مواجهة العقوبات الغربية، ما دفع دولا مثل سنغافورة إلى التكيف مع هذا النموذج الجديد. وقد بدأت سنغافورة بالفعل بتطوير قدراتها في مجالات مثل الابتكار الصناعي، والنقل الذكي، والخدمات المالية، لضمان استمرار مكانتها الاستراتيجية إقليميا وعالميا.
وأفاد بأن السياسات الأمريكية التقييدية والعقابية تجاه الصين زادت من حساسية الوضع بالنسبة لدول الطرف الثالث، ومنها سنغافورة، التي يتعين عليها الحذر من أن تؤدي علاقاتها الوثيقة مع الصين إلى تآكل الدعم الاستراتيجي والاستثماري الغربي.
واختتم الموقع تحليله بتأكيد أن تجربة سنغافورة في التفاعل مع التنافس الجيو-اقتصادي بين الصين والولايات المتحدة يمكن أن تقدم دروسا ثمينة لدول مثل إيران. إذ تحتاج إيران، إذا ما أرادت لعب دور أكبر في الاقتصاد العالمي، إلى تجاوز نهج العلاقات الثنائية الصفرية، والاتجاه نحو سياسة خارجية واقتصادية متوازنة.
وتابع أن ذلك يشمل إعادة تعريف السياسة الخارجية بناء على المصالح الوطنية بدلا من الأيديولوجيا، والانفتاح على جميع الأطراف، وتنفيذ إصلاحات اقتصادية جدية، وتحسين بيئة الأعمال، ومكافحة الفساد، وتوسيع المشاركة في المنظمات والتكتلات الاقتصادية الإقليمية. وبهذه المقاربة، يمكن لإيران أن تحاكي نموذج سنغافورة في تحويل التحديات إلى فرص، وتعزيز الاستقرار والمرونة الاقتصادية.

