- محمود شعبان
- متميز
- 536 Views
في قلب عاصفة سياسية وأمنية تهز منطقة الشرق الأوسط، تقف المحادثات الإيرانية الأمريكية على حافة الهاوية مع وضع أوزار الحرب الإيرانية الإسرائيلية والهجوم الأمريكي على المنشآت النووية في يوليو/تموز 2025، أصبحت الدبلوماسية بين طهران وواشنطن على مفترق طرق، حيث يتساءل المراقبون: هل ستظل الدبلوماسية خيارا قابلا للتطبيق، أم أن قواعد اللعبة الجديدة ستدفع الأطراف نحو مسارات أكثر حدة بعيدا عن خيارات السلام؟
تصاعد الأزمات
منذ يوم الخميس، 3 يوليو/تموز 2025، ترددت أنباء عن لقاء محتمل في أوسلو بين ستيف ويتكوف الممثل الأمريكي لشؤون الشرق الأوسط، ووزير خارجية إيران عباس عراقجي، هذه الأنباء، التي لم يتم تأكيدها أو نفيها حتى كتابة هذا التقرير أثارت جدلا واسعا حول جدوى الدبلوماسية في ظل التوترات الحالية.
الهجوم الأمريكي على المنشآت النووية الإيرانية، والتي عُرفت باسم “مطرقة منتصف الليل”، التي استهدفت منشأة فوردو لتخصيب اليورانيوم، وموقع نطنز النووي، ومركز أصفهان للأبحاث والتكنولوجيا النووية، إلى جانب الحرب الإيرانية الإسرائيلية، زاد من تعقيد المشهد، مما جعل الأسئلة حول مصير المفاوضات أكثر إلحاحا، ينقسم المحللون والسياسيون بين مؤيدين لإغلاق أبواب التفاوض ومعارضين يرون أن الدبلوماسية هي السبيل الوحيد لتجنب التصعيد في المستقبل.
الدبلوماسية بين الرفض والتأييد

1. معارضو التفاوض: الدبلوماسية كإشارة ضعف: تُعبّر الأصوات المحافظة في إيران، مثل تلك التي يمثلها موقع “راجا نيوز” المقرب من سعيد جليلي، مستشار المرشد الإيراني علي خامنئي عن رفض قاطع للتفاوض مع الولايات المتحدة، بمقال نُشر في يوليو/تموز 2025، استنكر الموقع تصريحات عراقجي التي اشترطت ضمانات أمريكية بعدم الهجوم العسكري خلال المفاوضات، واعتبر الموقع هذا الموقف “استخفافا بالنفس”، متهما التيار المائل للغرب بـ”متلازمة ستوكهولم الدبلوماسية”، ويجادل هؤلاء بأن التفاوض مع “معتدٍ” يعزز موقف العدو ويُظهر إيران كدولة ضعيفة تبحث عن “ابتسامة العدو” بدلا من الدفاع عن كرامتها الوطنية.
في السياق ذاته، كتب حسين شريعتمداري، رئيس تحرير صحيفة “كيهان”، قبل نهاية يونيو/حزيران 2025، أن المفاوضات مع أمريكا لم تجلب سوى الضرر، واصفا الإصرار على التفاوض بأنه “خيانة” أو “غباء”، ويُشير إلى أن التاريخ أثبت فشل هذا النهج، داعيا إلى رد حاسم على الاعتداءات الأمريكية بدلا من السعي للحوار.

2. مؤيدو التفاوض: الدبلوماسية كمخرج وحيد، على الجانب الآخر، يرى دبلوماسيون ومحللون أن التفاوض هو السبيل الوحيد لاحتواء الأزمة الحالية، في مقابلة أجرتها صحيفة “حمیحان” يوم 12 يونيو/حزيران 2025، أكد دبلوماسي إيراني كبير سابق أن “الدبلوماسية هي المخرج الوحيد، والتفاوض أداة أساسية فيها”، وأوضح أن الدبلوماسية تشمل عناصر متعددة، منها التفاوض، الذي يُستخدم لتحقيق الأهداف الوطنية ورغم تأكيده على ضرورة ملاحقة الهجمات على المنشآت النووية قانونيا، إلا أنه دعا إلى عدم إغلاق أبواب التفاوض.
كما أشار خبير في الشؤون الأمريكية، في مقابلة مع الصحيفة ذاتها، إلى أن الشروط المسبقة للتفاوض، مثل ضمانات أمريكية بعدم الهجوم، غير مجدية، لأن الثقة في الوعود الأمريكية باتت معدومة ومع ذلك، دعا إلى اتخاذ قرار واضح بشأن التفاوض، سواء بمواصلته أو إنهائه، بدلا من الاستمرار في الجدل العقيم.
ثلاثة مسارات محتملة

في ظل الاستقطاب السياسي وتصاعد التوترات، تبرز 3 سيناريوهات محتملة لمستقبل المحادثات الإيرانية الأمريكية:
- مفاوضات مباشرة: حوار متوتر وسط انعدام الثقة، في هذا السيناريو، قد تلجأ إيران إلى مفاوضات مباشرة مع الولايات المتحدة، ربما بوساطة طرف ثالث كالنرويج، الهدف الأساسي سيكون منع تصعيد الأزمة، لكن المحادثات ستكون مشحونة بسبب انعدام الثقة المتبادل، خصوصا بعد الهجمات الأمريكية الأخيرة، قد تركز المفاوضات على القضية النووية أو تتوسع لتشمل قضايا إقليمية أخرى. ومع ذلك، فإن احتمال تصاعد التوترات يظل قائما، خاصة مع الضغوط الأوروبية لتفعيل آلية “سناب باك” التي تهدد بإعادة فرض العقوبات الدولية على إيران.
- مفاوضات غير مباشرة: استمرار النهج البطيء، السيناريو الثاني يتضمن مواصلة المفاوضات غير المباشرة، على غرار الجولات السابقة في مسقط وروما، هذا النهج، الذي يعتمد على وسطاء مثل وزير خارجية عُمان بدر البورسعيدي، يتميز ببطء التقدم، مما يثير انتقادات داخلية في إيران. قد تُجرى المحادثات عبر رسائل مكتوبة أو طاولة ثلاثية دون تواصل مباشر بين الطرفين ومع ذلك، فإن هذا السيناريو لا يضمن حل الأزمة، وقد يؤدي إلى استمرار التوترات، خاصة إذا لم تُحدد أطراف المفاوضات أهدافا واضحة.
- إغلاق الملف الدبلوماسي: البحث عن بدائل، في حال فشل المفاوضات، قد تختار إيران إغلاق الملف الدبلوماسي مع الولايات المتحدة، والسعي إلى مسارات بديلة لتحييد الضغوط الأمريكية والأوروبية، وقد تشمل هذه المسارات تعزيز العلاقات مع حلفاء مثل روسيا والصين، أو تبني سياسات دفاعية أكثر صرامة، لكن هذا الخيار محفوف بالمخاطر، حيث قد يؤدي إلى تصعيد الأزمة وتشديد العقوبات الدولية، خاصة مع تهديدات أوروبا بتفعيل “سناب باك”.
العلاقات الإيرانية الأوروبية: اتهامات متبادلة

خلال السنوات الأربع الماضية، شهدت العلاقات بين إيران وأوروبا تدهورا غير مسبوق، مدفوعا باتهامات أمنية متبادلة، تتهم أوروبا إيران بالتجسس، الإرهاب، والهجمات الإلكترونية، بالإضافة إلى دعم روسيا بطائرات مسيرة في حرب أوكرانيا على سبيل المثال، في يونيو/حزيران 2025، اتهمت فنلندا إيران بالتجسس، بينما وجهت هولندا اتهامات بتخطيط إيران لعمليات اغتيال، كما أغلقت ألمانيا مركز هامبورغ الإسلامي، واعتقلت السويد إمام مركز الإمام علي في فبراير/شباط 2024.
من جانبها، تنفي إيران هذه الاتهامات، وتتهم أوروبا بالتواطؤ في الهجمات الإسرائيلية والأمريكية، خاصة بعد إعلان فرنسا عن دورها في اعتراض طائرات إيرانية مسيرة، كما تنتقد إيران موقف أوروبا من الاحتجاجات الداخلية عام 2022 ودعمها لإسرائيل في حرب غزة.
قضية أوكرانيا: تعقيد العلاقات
تُعد قضية أوكرانيا نقطة تحول في العلاقات الإيرانية الأوروبية، يرى الأوروبيون أن إمداد إيران لروسيا بالطائرات المسيرة، مثل “شاهد 136″، يشكل تهديدا مباشرا للأمن الأوروبي.
رغم تأكيد إيران أن تعاونها العسكري مع روسيا يسبق حرب أوكرانيا ولا يستهدف طرفا ثالثا، فإن أوروبا ترفض هذا التفسير، كما هددت إيران بـ”شتاء قاسٍ” في أوروبا عام 2022، مما زاد من التوترات.
البرنامج النووي: محور الخلاف

يبقى البرنامج النووي الإيراني محور الخلاف مع أوروبا، حيث تتهم دول الترويكا الأوروبية (ألمانيا، فرنسا، والمملكة المتحدة) إيران بعدم الالتزام بالاتفاق النووي، وتسعى لإعادة فرض عقوبات عبر آلية “سناب باك” في أكتوبر/تشرين الأول 2025 في المقابل، تؤكد إيران التزامها بمعاهدة عدم الانتشار، وتتهم الوكالة الدولية للطاقة الذرية باتخاذ قرارات سياسية تحت ضغط إسرائيل.
تواجه المحادثات الإيرانية الأمريكية تحديات غير مسبوقة في ظل التوترات الأمنية والسياسية بين دعوات لإغلاق أبواب الدبلوماسية ومطالبات بتعزيزها، تبقى إيران أمام خيارات معقدة، السيناريوهات المطروحة – من مفاوضات مباشرة إلى إغلاق الملف الدبلوماسي – تحمل مخاطر وفرصا، في الوقت ذاته، تتفاقم العلاقات مع أوروبا بسبب الاتهامات الأمنية وقضية أوكرانيا.
مع اقتراب موعد تفعيل “سناب باك”، يصبح عامل الوقت حاسما، هل ستتمكن إيران والولايات المتحدة من إيجاد أرضية مشتركة، أم أن التصعيد سيبقى السيناريو الأكثر ترجيحا؟

