التضخم يعود إلى الواجهة في إيران… أرقام تكشف ما خفي لسنوات

Image

بات الحديث عن الأسعار جزءا من الحياة اليومية في كل بيت إيراني، تماما كالأخبار والطقس، فارتفاع تكلفة الطعام أو السكن أو النقل لم يعد تفصيلا اقتصاديا بعيدا عن حياة الناس، بل تجربة يشعر بها الجميع مع كل زيارة للسوق أو كل محاولة لضبط ميزانية الشهر، وفي مثل هذه الظروف، يتحول أي إعلان اقتصادي رسمي إلى حدث تنتظره الأسر قبل الخبراء، لأنه يمس قدرتها على مواجهة ضغوط المعيشة ويعكس صورة أوسع عن اتجاهات المستقبل.

وعلى وقع هذه التحولات التي تلامس تفاصيل الحياة مباشرة، يعود ملف التضخم ليحتل موقعه في صدارة الاهتمام العام، لا بوصفه مؤشرا ماليا جامدا، بل باعتباره تعبيرا عن واقع اقتصادي يتشكل من جديد تحت تأثير عوامل داخلية وخارجية متعددة، ورغم أن الأرقام تعد اللغة الأساسية للاقتصاد، فإن توقيت كشفها والسياق الذي تأتي فيه أصبحا عنصرين حاسمين في قياس شفافية السياسة النقدية وقدرتها على التعامل مع ما يواجهه المجتمع من تحديات متراكمة.

بيانات المركزي… قراءة تحليلية وأبعاد العودة المتأخرة للشفافية

أعاد البنك المركزي الإيراني، الإثنين الأول من ديسمبر/ كانون الأول 2025، فتح ملف التضخم بعد انقطاع استمر ما يقارب ثلاث سنوات، في خطوة شكلت منعطفا مهما في السياسة النقدية، فقد أعاد المركزي تحديث منصة البيانات الرسمية التي توقفت عن العمل منذ العام 2022، وهو توقف ترك السوق دون مؤشرات دقيقة لفترة طويلة، ومع إعادة النشر، أتيح للمراقبين الاطلاع على صورة واضحة لمسار التضخم خلال السنوات 2022 و2023 و2024، وهي سنوات سجلت أعلى معدلات تضخم منذ عقود، وخاصة في فترة رئاسة الرئيس الإيراني السابق إبراهيم رئيسي.

Image

فوفق البيانات المنشورة، بلغ معدل التضخم السنوي المنتهي في نوفمبر/ تشرين الثاني 2025 نحو 41%. كما أظهرت الجداول أن عام 2023 شهد تضخما تجاوز 53% خلال عشرة أشهر منه، وهو أعلى مستوى منذ عام 1979، هذا الرقم كشف فارقا كبيرا بين الواقع وبين البيانات التي كانت تعلن رسميا خلال الفترة نفسها، حين كان البنك المركزي في عهد رئيسي يشير إلى معدلات أقل من 50% في معظم الأشهر.

كما تشير البيانات الجديدة إلى أن المنصة الرسمية للبنك المركزي لم تحدث لقرابة 32 شهرا، أي منذ مطلع 2022، ما جعل التقييم الاقتصادي معتمدا على أرقام مجتزأة وتصريحات غير مكتملة، ومع نشر البيانات المتأخرة، بات واضحا أن فترة حكم رئيسي بين 2021 و2023 كانت تحمل معدلات تضخم أعلى بكثير مما كان معلنا للرأي العام.

كما كشفت البيانات الاختلاف المستمر بين البنك المركزي ومركز الإحصاء الإيراني، فعام 2022 رفع البنك المركزي معدل التضخم السنوي من 46.5% إلى 53.1%، بينما أعلن مركز الإحصاء 45.8%. وفي عام 2023، أعلن البنك المركزي 47.4%، بينما سجل مركز الإحصاء 40.7%، أما عام 2024، فكان التضخم 35.8% وفق البنك المركزي مقابل 32.5% لدى مركز الإحصاء، فيما أرجع المختصون هذه الفجوة إلى اختلاف منهجية احتساب السلة الاستهلاكية ووزن كل فئة إنفاقية، إلا أن تأخر البنك المركزي في نشر بياناته جعل هذه التباينات أكثر إثارة للجدل.

كذلك، فيظهر من البيانات أن العامين 2023 و2024 قد شكلا المرحلة الأكثر قسوة من حيث التضخم، حيث تجاوز المعدل الشهري في بعض الفترات حاجز 50%. كما كشف التقرير أن توقف نشر البيانات خلال فترة رئيسي كان أحد العوامل التي عمّقت الغموض في السوق، إذ لم تكن المؤسسات قادرة على تقييم الحجم الحقيقي لارتفاع الأسعار.

وبالرغم من الجدل الحاصل حول أسباب التأخير، فإن البيانات المنشورة اليوم تقدّم مرجعا دقيقا للسياسات النقدية خلال السنوات الأخيرة، وتتيح فهمًا أكثر وضوحًا لطبيعة الضغوط التضخمية التي شهدتها البلاد. ومع عودة البنك المركزي إلى نشر المؤشرات بانتظام، بات بالإمكان مقارنة السياسات المُعلنة بما تحقق فعليا على أرض الواقع.

جذور التضخم في إيران… مسار متصاعد من 2016 حتى اليوم

يمتد مسار التضخم في إيران خلال السنوات الماضية على خلفية أحداث اقتصادية وسياسية متشابكة أثرت بشكل مباشر في الأسعار، وتعد سنة 2016 محطة مهمة في هذا المسار، حيث شهد الاقتصاد الإيراني تراجعا كبيرا في معدلات التضخم بعد تنفيذ الاتفاق النووي ورفع بعض العقوبات، ما أدى إلى استقرار سعر الصرف وتحسن المؤشرات الكلية، ففي تلك السنة، بلغ التضخم النقطي 5.6%، وهو أحد أدنى المستويات التي شهدتها إيران في العقود الأخيرة.

وفي العام 2017، بدأت الأسواق تستشعر اضطرابات مرتبطة بالتوتر المتصاعد بشأن مصير الاتفاق النووي، ما رفع توقعات التضخم وحرك سعر الدولار تدريجيا، ورغم أن التضخم السنوي بقي نسبيا منخفضا، فإن التضخم النقطي وصل إلى 9% بنهاية العام، وهو رقم عده الخبراء إنذارا مبكرا لما سيحدث لاحقا.

Image

ثم جاء العام 2018، ليكون نقطة الانعطاف الكبرى، حين انسحبت الولايات المتحدة رسميا من الاتفاق النووي وأعادت فرض العقوبات، انهار الريال أمام الدولار وارتفعت تكاليف الاستيراد بشكل كبير، ودخل الاقتصاد مرحلة تضخم مرتفع تجاوز 40% ووصل في بعض الأشهر إلى 50%. هذه القفزة في الأسعار كانت أقوى صدمة تضخمية تواجهها البلاد منذ عقود.

وفي عامي 2019 و2020، استمرت الأزمة مع إضافة عامل جديد يتمثل في جائحة كورونا، التي خنقت النشاط الاقتصادي وزادت الإنفاق الحكومي، وفي ظل عجز الموازنة ونقص الإيرادات النفطية، لجأت الدولة إلى التوسع النقدي، ما أدى إلى زيادة المعروض من النقود ودفع التضخم إلى مستويات قاربت 50% مع نهاية 2020.

ومع حلول عام 2021، ظهر بعض التباطؤ في وتيرة التضخم، حيث تراجع المعدل السنوي إلى 34%، إلا أن هذا الانخفاض لم يدم طويلا، ففي عام 2022، اتخذت الحكومة قرارا بإلغاء الدولار المدعوم، وهو إجراء أدى إلى ارتفاع حاد في أسعار المواد الغذائية، ودفع التضخم النقطي إلى مستويات تتراوح بين 40 و50% على مدار العام، ليصبح 2022 واحدا من أعتى الأعوام على الأسر الإيرانية من حيث غلاء المعيشة.

Image

وفي عامي 2023 و2024، بدأت وتيرة التضخم تنخفض تدريجيا، لكنها بقيت مرتفعة مقارنة بالمعدلات العالمية، فقد سجل التضخم النقطي في نهاية 2024 نحو 37%. ورغم محاولات تثبيت سعر الصرف والحد من نمو السيولة، بقيت جذور التضخم موجودة، نتيجة اعتماد الاقتصاد على الواردات واختلالات النظام المصرفي واستمرار العقوبات.

ويبين هذا المسار الطويل أن التضخم في إيران لم يكن ظاهرة مؤقتة، بل نتيجة تراكمات ممتدة لسنوات من التوترات السياسية والاقتصادية، إضافة إلى قرارات مالية أثرت بشكل مباشر في الأسعار، فمن عام 2016 المستقر، إلى صدمة 2018، إلى أزمة 2020، ثم انفجرت الأسعار في 2022، أصبح التضخم جزءا مستمرا من المشهد الاقتصادي الإيراني، يتطلب إصلاحات عميقة لتغييره.

قراءة مقارنة وتوقعات مستقبلية… أين يقف التضخم الإيراني بين تجارب العالم؟

يتضح من مقارنة التضخم في إيران مع بقية دول العالم أن الفجوة واسعة على المستويين البنيوي والزمني، ففي عام 2022، حين شهدت الاقتصادات الكبرى ارتفاعات في الأسعار بسبب الحرب في أوكرانيا وتعطل سلاسل التوريد، حيث وصلت معدلات التضخم في الولايات المتحدة وأوروبا إلى نحو 8 أو 9%، ورغم أن هذه الأرقام كانت صادمة بالنسبة إلى تلك الدول، إلا أنها تبقى بعيدة جدا عن مستويات التضخم التي سجلتها إيران، والتي تجاوزت 40% خلال الفترة نفسها.

Image

الفارق الأساسي يعود إلى طبيعة الأزمة، ففي حين جاء التضخم العالمي نتيجة صدمات عرض مؤقتة، فإن التضخم الإيراني يتغذى منذ سنوات على اختلالات اقتصادية عميقة تتمثل في نمو نقدي مرتفع، ضعف في النظام المصرفي، واعتماد كبير على التمويل بالعجز، هذه العوامل الهيكلية تجعل موجات التضخم أكثر دواما وتصعب السيطرة عليها، حتى عند تطبيق سياسات انكماشية أو أدوات نقدية تقليدية.

على الجانب الأخر، فقد كانت الآثار الاجتماعية للتضخم في إيران على مدى السنوات الماضية عميقة، فقد تراجعت القدرة الشرائية للأسر بشكل ملحوظ، وازدادت الفجوة بين الفئات ذات الدخل الثابت وتكاليف المعيشة، خاصة في قطاعات السكن والغذاء والنقل، كما باتت بعض السلع التي كانت تعتبر أساسية خارج متناول شريحة كبيرة من المواطنين، ما أدى إلى تغيير في نمط الاستهلاك وأحدث ضغطا إضافيا على الطبقة المتوسطة.

من جهة أخرى، لعبت التوقعات التضخمية دورا كبيرا في تسريع ارتفاع الأسعار، فحين يتوقع المستهلكون والتجار أن الأسعار ستواصل ارتفاعها، يُسرع الجميع إلى الشراء أو زيادة الهامش الربحي، ما يؤدي تلقائيا إلى ارتفاع التضخم ذاته، هذا السلوك النفسي الاقتصادي يصعب كسره ما لم تكن هناك إجراءات جذرية تعيد الثقة إلى السوق.

أما على صعيد المستقبل، فتظهر ثلاثة سيناريوهات رئيسية ترتبط إلى حد كبير بالتطورات السياسية والاقتصادية، السيناريو المتفائل يفترض تحسنا في البيئة السياسية وتراجعا في مستوى العقوبات، إلى جانب إصلاحات مالية قادرة على ضبط الإنفاق العام، وهو ما قد يخفض التضخم إلى 15 أو 20%. السيناريو الثاني، وهو الأكثر ترجيحا وفق خبراء، يفترض استمرار السياسات الحالية، مما يبقي التضخم في حدود 30 إلى 40%. أما السيناريو الثالث، فيتوقع ارتفاع التضخم فوق 50% إذا شهدت البلاد صدمات جديدة في سعر العملة أو توترات إقليمية مؤثرة.

Image

في كل الأحوال، يمثل التضخم تحديا مستمرا لا يمكن فصله عن بنية الاقتصاد الإيراني نفسها، فالحلول تتطلب معالجة السبب لا النتيجة، عبر ضبط النمو النقدي، وإصلاح الهياكل المصرفية، وتنويع مصادر الدخل بعيدا عن النفط، وتوفير بيئة مستقرة لجذب الاستثمارات. وحتى ذلك الحين، سيظل التضخم عنصرا محوريا في قراءة الوضع الاقتصادي وفي رسم السياسات التي تؤثر مباشرة على حياة المواطنين.

تؤكد المعطيات الموثقة الصادرة مؤخرا أن التضخم في إيران ليس مجرد مؤشر مالي متقلب، بل حالة اقتصادية ممتدة تكشف عمق التحديات البنيوية التي تواجهها البلاد. وبينما يمثّل الإفصاح الرسمي خطوة أساسية نحو الشفافية، فإن الأرقام تظهر بوضوح أن الطريق نحو الاستقرار السعري لا يزال طويلا، فالمشهد الاقتصادي، كما تكشفه البيانات، يحتاج إلى مقاربة شاملة تتجاوز الإجراءات السطحية، وتضع في الاعتبار أن التضخم أصبح عاملا رئيسيا في تشكيل مستقبل المجتمع والاقتصاد على حد سواء.