انتفاضة 5 يونيو وصراع الروايات.. النشأة، والدور، والمصير لجماعة المؤتلفة الإسلامية

كتب: محمد مهدي زماني

تُعدّ انتفاضة 5 يونيو/حزيران 1963، محطة مفصلية في تاريخ إيران المعاصر. اندلعت هذه الانتفاضة عقب اعتقال الإمام الخميني بسبب معارضته الشديدة لمشروع “لائحة الجمعيات الإقليمية والمحلية”، ولاحقا لما عُرف بـ”الثورة البيضاء” التي أطلقها نظام الشاه.

وقد تميّزت هذه الهبّة الشعبية بمشاركة واسعة من مختلف شرائح المجتمع، خاصة في مدن طهران، وقُم وورامين، لكنها قوبلت بقمع دموي من قِبل القوات الحكومية، ما أسفر عن سقوط عدد كبير من الضحايا بين المتظاهرين.

غير أن 15 خرداد لم تكن مجرد اضطرابات عابرة، بل شكلت الشرارة الأولى لمسار ثوري طويل انتهى بقيام الثورة الإسلامية عام 1357هـ. (1979م). وفي خضم هذه الأحداث، برز دور “جماعة مؤتلفه الإسلامية” باعتبارها إحدى أبرز الحركات الدينية-السياسية الفاعلة في تلك المرحلة، حيث شاركت بفعالية في الانتفاضة، واتبعت منهجا خاصا يميّزها عن باقي التيارات، وهو ما يستدعي دراسة وتحليلا أعمق لفهم أبعاد هذا الدور ومساره التاريخي.

ولادة تنظيم ديني-سياسي

تشكّلت جماعة المؤتلفة الإسلامية 1963 في ظل أوضاع دينية وسياسية متأزّمة في إيران، وذلك استجابة لحاجة ملحّة إلى وجود تنظيم ديني منسجم يعوّض الفراغ الذي خلّفه تراجع نشاط جماعة “فدائيي الإسلام” وضعف التيارات السياسية الدينية القائمة آنذاك. فقد شعرت النخبة الدينية بضرورة إيجاد هيكل تنظيمي فعّال يُمكّنها من الحضور في المشهد السياسي والمجتمعي، ومن هنا برزت “المؤتلفة” كإطار جامع لهذا التوجّه.

غير أن ولادة هذا الكيان لم تكن خالية من الغموض، ولا تزال حتى اليوم تُثير تساؤلات عديدة لدى المؤرخين والباحثين في تاريخ الثورة الإسلامية، خصوصا حول دوافع تأسيسه، وهويته الحقيقية، ومدى ارتباطه بقيادة الحركة.

تكوّنت النواة الأولى لجماعة مؤتلفه من تجّار متدينين ونشطاء في الهيئات الدينية بطهران، كان من أبرزهم: الحاج صادق أماني، وحبيب الله عسكر أولادي، ومهدي عراقي، ورضا صفار هرندي، ومرتضى نيك‌ نجاد. وقد امتلك هؤلاء خلفيات عميقة في العمل الديني، وبعضهم كانت له صلات سابقة بجماعة “فدائيي الإسلام”.

بعد حادثة المدرسة الفيضية في قم مارس/آذار 1963 والاحتجاجات التي أثارها مشروع “لائحة الجمعيات الإقليمية والمحلية”، تنامى الإحساس بضرورة توحيد الجهود وتنظيم الصفوف. فانبثقت الجماعة عن ائتلاف ثلاث هيئات دينية بارزة في سوق طهران:

  • هيئة مسجد أمين الدولة
  • هيئة مسجد الشيخ علي
  • وهيئة الأصفهانيين

وكان هذا التحالف بمثابة خطوة مفصلية في تنظيم القوى الدينية وإخراجها من حالتها الفردية إلى إطار مؤسسي منسّق.

السؤال المركزي: ما طبيعة جماعة المؤتلفة؟

هل كانت المؤتلفة منذ نشأتها مجرد مجموعة فكرية-ثقافية تطورت لاحقا باتجاه العمل السياسي والمسلح، أم أنها تأسست منذ البداية بهدف المواجهة العنيفة والإطاحة بنظام الشاه؟

هذا السؤال ظلّ محل جدل واسع بسبب تضارب الروايات التاريخية وغياب الوثائق الحاسمة، وهو ما أدى إلى استمرار ما يمكن تسميته بـ”صراع الروايات” حول حقيقة البدايات.

بعض الروايات، خاصة من الدوائر القريبة من الجماعة، تؤكد أن مؤتلفه تأسست بتوجيه مباشر وإشراف كامل من الإمام الخميني، وأنها كانت تابعة له بالكامل في رؤيتها ومسارها. في المقابل، هناك من يرى أن بعض أعضائها تصرفوا في بدايات التأسيس بشكل مستقل أو حتى عفوي، دون تنسيق تام مع القيادة الدينية العليا، ما يشير إلى تباين في مستويات الانضباط والتبعية داخل التنظيم.

هذا التعدد في السرديات يُبقي الحقيقة غير محسومة، ويعكس تعقيد المشهد السياسي والديني آنذاك، فضلا عن محدودية الوثائق الرسمية المتاحة.مرکز بررسی اسناد تاریخی

15 خرداد: نقطة تحوّل أم انحراف؟

في خضم انتفاضة 15 خرداد، التي اشتعلت نتيجة الغضب الشعبي الواسع إثر اعتقال الإمام الخميني ، برز دور جماعة المؤتلفة الإسلامية بشكل لافت لا يمكن إنكاره. فقد لعب أعضاؤها، خصوصا في طهران والمدن المركزية، دورا نشطا في تنظيم التظاهرات، توزيع المنشورات، وتحفيز الجماهير على الخروج والاحتجاج.

لكن هذه المكانة البارزة لم تعنِ بالضرورة انسجاما كاملا مع أهداف ووجهات نظر قيادة النهضة، بل إن مؤتلفه، في عدد من الحالات، تبنّت مسارا مغايرا، بل وأكثر راديكالية.

إحدى أبرز نقاط التباين تمثلت في اختلاف المنهج:
فبينما كان الإمام الخميني يؤكّد على النضال السلمي والتوعية الشعبية من خلال المساجد والمؤسسات الدينية، اتجهت بعض العناصر المؤثرة داخل مؤتلفه نحو قناعة مفادها أن العمل السياسي السلمي غير مجدٍ، وأن السبيل الوحيد للتغيير هو المواجهة العنيفة واغتيال رموز النظام. هذا التباين في الرؤية أصبح لاحقا إحدى العقبات الأساسية في العلاقة بين قيادة النهضة وهذه المجموعة.

ومن أبرز الأمثلة على هذا التباين، حادثة اغتيال حسن علي منصور، رئيس وزراء إيران آنذاك، في فبراير 1965، بعد أشهر قليلة من نفي الإمام الخميني. هذا الاغتيال الذي رآه البعض تجسيدا لغضب ثوري وقرارا شجاعا بالمواجهة المباشرة مع النظام، تسبّب في عواقب وخيمة على جماعة مؤتلفه، حيث أُعدم أربعة من أبرز أعضائها:

  • محمد بخارايي
  • رضا صفار هرندي
  • مرتضى نيك‌ نجاد
  • صادق أماني
شهادت؛ سرنوشت اعدام‌کنندگان خائنی به نام منصور

وهنا يطرح السؤال نفسه:
هل كان هذا الاغتيال قرارا جماعيا مُنظّم، أُتّخذ بتنسيق كامل بين قيادات المؤتلفة ومرجعياتها الدينية؟
أم أنه كان مبادرة فردية أو شبه فردية من بعض الأعضاء المتحمسين الذين تصرّفوا وفق اجتهاداتهم الشخصية وظروف المرحلة؟

هذا الغموض حول آلية اتخاذ القرار ووجود صراع داخلي بين الأجنحة المعتدلة والراديكالية أدى إلى تفكك في التنظيم وضعف في تماسكه، بل وتسبّب في ضربة قاصمة أصابت بنيته القيادية، إذ فقدت الجماعة عددا من أهم عناصرها الفكرية والتنظيمية في فترة قصيرة.

لقد أظهرت هذه الحادثة أن الاختلاف في التكتيكات والرؤى كان موجودا حتى داخل صفوف النهضة الواحدة، وأن هذا التشتّت في القرار كان من أولى بوادر أفول مؤتلفه في مجال الكفاح المسلّح، بعدما استهدفت السلطة الإيرانية رؤوسها الفاعلة.

ما بعد 15 خرداد ومصير مؤتلفه المتجه نحو التراجع

كان لاغتيال حسنعلي منصور، وما تبعه من إعدام أربعة من أبرز قادة مؤتلفه، أثرٌ بالغٌ ومُدمّر على هذه الجماعة. فقد شكّل ذلك الحدث ضربة قاصمة كادت تشلّ كيان التنظيم بالكامل. لم يقتصر الأثر على فقدان القيادات الفكرية والتنفيذية، بل تبعته حملة اعتقالات واسعة، أدّت إلى تدهور بنية التنظيم وضعف كبير في قدرته على التحرك.

في أعقاب هذه الكارثة، اضطُرّت مؤتلفه إلى الدخول في مرحلة من التحولات البنيوية لمحاولة البقاء والاستمرار.
رغم محاولات إعادة البناء والتنظيم وسط الظروف الأمنية القمعية التي فرضها نظام الشاه، واجهت الجماعة صراعا داخليا محتدما بين أعضائها، خصوصا الجيل الجديد والقيادات المتبقية.

تيارٌ من الأعضاء بدأ يرى أن الكفاح المسلح لم يعد مجديا، نظرا للخسائر الفادحة التي تكبّدها التنظيم، فاتّجهوا نحو نشاطات ثقافية، اقتصادية، وخيرية، إيمانا بأن تقوية الجذور الدينية والثقافية للمجتمع قد تكون خطوة تمهيدية للعودة لاحقا إلى العمل السياسي المنظّم.شلیک به نخست‌وزیر؛ ماجرای یک قول دوستانه

في المقابل، ظلّت فئة أخرى متمسكة بخيار الكفاح المسلح، معتبرة أن العنف الثوري هو الطريق الوحيد لمواجهة النظام، ورفضت التراجع أو المهادنة.

هذا الانقسام في الرؤى، الذي تفاقم بسبب غياب قيادة موحدة وغياب الكاريزما التي كانت تحرك التنظيم سابقا، أدّى إلى تشظي الصفوف وظهور انقسامات متعددة، حاول كل فرع منها أن يشقّ طريقه الخاص، ما ساهم في عزل المؤتلفة عن المشهد الثوري العام مع نهاية عهد الشاه.

“المؤتلفة” في الجمهورية الإسلامية

مع انتصار الثورة الإسلامية عام 1979م وسقوط نظام الشاه، فُتِح فصل جديد في تاريخ إيران. جماعة المؤتلفة الإسلامية، كغيرها من الجماعات التي شاركت – بدرجات متفاوتة – في الكفاح الثوري، بدأت تسعى للحصول على حصتها في السلطة والنظام الوليد. غير أن هذا السعي، على غرار المراحل السابقة من حياة المؤتلفة، لم يخلُ من التحديات والتعقيدات.
فبينما نال بعض الأعضاء البارزين والمخضرمين في هذه الجماعة، بفضل تاريخهم النضالي وصلاتهم بالمؤسسة الدينية، مناصب رفيعة في الدولة، فضّل آخرون أن يواصلوا نشاطهم ضمن الأطر الحزبية والاقتصادية، دون أن يندمجوا في البنية الرسمية للحكومة.

ومع مرور الوقت وترسّخ النظام الجمهوري الإسلامي، شهدت جماعة المؤتلفة الإسلامية – التي كانت في الماضي تُعتبر رمزا للكفاح المسلح والاغتيالات والراديكالية الدينية في الذاكرة العامة وفي وثائق السافاك – تحولا جذريا في طبيعتها. فقد أصبحت حزبا محافظا وتقليديا يركّز في الغالب على الأنشطة الاقتصادية والسياسية ضمن إطار المبادئ والقواعد المستقرة للنظام. وقد اتّجه نهجها من الراديكالية الثورية نحو الواقعية السياسية والاقتصادية، وأصبحت تُعتبر إحدى الأذرع الفكرية للتيار الأصولي في الساحة الاجتماعية والثقافية.

هذا التحوّل الجذري، من جماعة سرية وعملياتية إلى حزب رسمي ومحافظ، يثير تساؤلات جدّية حول مدى أصالة وثبات أهداف هذه الجماعة على امتداد تاريخها.
فهل كانت هذه التحوّلات ناتجة عن نضج سياسي ووعي واقعي بظروف ما بعد الثورة التي لم تعد تقتضي الكفاح المسلح؟
أم أن هذا التغيير كان نتيجة حتمية للتكيّف مع حقائق السلطة وتبدّل الذوق السياسي في المرحلة الجديدة، التي لم تعد تتسع للنهج السابق؟
بعبارة أخرى: هل قامت مؤتلفه بمواءمة نفسها مع الواقع الجديد؟ أم أنها تراجعت عن مبادئها الثورية الأولى؟

هذا السؤال يشكّل بحد ذاته جزءا مهما من صراع السرديات حول مصير الجماعات التي نشأت من رحم الثورة ووجدت لنفسها موضعا داخل النظام الجديد.