سياسي إيراني بارز: الإصلاح حتمي والشعب هو الضامن الحقيقي لأمن واستقرار البلاد

ترجمة: دنيا ياسر نور الدين 

أجرت صحيفة «اعتماد» الإيرانية، الاثنين 4 أغسطس/آب 2025، حوارا مع عضو المجلس المركزي لحزب “اتحاد ملت” علي شكوري‌ راد، تناول الحوار أهمية الإصلاحات السياسية بعد الحرب الأخيرة بين إيران وإسرائيل، ودور الشعب في ضمان الأمن والاستقرار عبر وعيه وتجنّبه للعنف.

وفي ما يلي نص الحوار:

في هذه الأيام، كثيرا ما نسمع من ناشطين سياسيين مقرّبين من المرشد الإيراني الحديث عن ضرورة الإصلاح والتغيير.. كيف نشأت فكرة التغيير والإصلاح بعد حرب الـ12 يوما الأخيرة مع إسرائيل؟

برأيي، لم تكن المطالبة بإجراء تغييرات وتحولات تستجيب لتطلعات الشعب حكرا على مرحلة ما بعد الحرب الأخيرة بين إيران وإسرائيل، بل كانت هذه التوقعات موجودة دائما لكن خلال الحرب الأخيرة، أدرك النظام الحاكم إلى أيّ مدى يمكن أن يكون التلاحم الوطني ضامنا للأمن المستدام في البلاد. 

فحتى ذلك الحين، كان النظام يظن أنه قادر على الحفاظ على أعلى مستويات الأمن من خلال القوة العسكرية وحدها، لكنه بات اليوم يدرك أن ما يضمن بقاء وأمن البلاد هو اتحاد الشعب، وتلاحمه، ومشاركته، وحبّه للوطن.

النظام كان يمكن أن يصل إلى هذا الإدراك خلال حركة “المرأة، الحياة، الحرية”، التي اندلعت 2022 بعد مقتل الشابة مهسا أميني أثناء احتجازها لدى شرطة الأخلاق فقد تحوّلت تلك الحركة من احتجاج على قمع الحريات الفردية إلى موجة اجتماعية عارمة، قادتها النساء وساندها الشباب، مطالبة بإصلاحات جذرية في بنية الحكم وموقع المرأة داخل المجتمع، ورافضة لهيمنة المؤسسات القمعية على الحياة العامة.

ورغم أن هذه الانتفاضة كانت تعبّر عن وعي شعبي ناضج، ورغبة جماعية في التغيير السلمي، فإن النظام اختار تجاهلها ولم يُبدِ أي استجابة تُذكر إلا أن حرب الـ 12 يوما الأخيرة بيّنت أن ما يضمن الأمن المستدام يتجاوز القدرة الصاروخية الإيرانية، ويتمثل في مشاركة الشعب والتلاحم الوطني.

ولذلك، يبدو أن النظام بدأ يُقدّر قيمة الشعب أكثر من أي وقت مضى، وآمل أن يكون عازما على اتخاذ خطوات فعلية نحو تلبية مطالب الشعب هذه التجربة ليست جديدة، فقد حصل أمر مشابه بعد الانتخابات الرئاسية في يونيو /حزيران 1997.

حين كانت إيران تمرّ بمرحلة توتر واضطراب على الساحة الدولية، وكان الحضور الواسع للشعب في صناديق الاقتراع هو الذي غيّر المشهد لصالح إيران فبعد تلك الانتخابات، تحوّلت التهديدات الدولية إلى احترام عالمي، خصوصا بعد طرح “حوار الحضارات” في الأمم المتحدة، حيث قُدمت إيران كدولة تحظى بالاحترام.

وفي الحرب الأخيرة كذلك، أدرك النظام هذه المكوّنات للقوة الوطنية أكثر من ذي قبل، وأصبح يولِيها اهتماما أكبر وآمل أن لا يكون هذا الاهتمام مؤقتا أو ناقصا.

هل تعكس تصريحات المقربين من المرشد الإيراني حول ضرورة الإصلاح تحوّلا حقيقيا في موقف النظام، أم أنها مجرّد استجابة اضطرارية للظروف الراهنة؟

تصريحات شخصيات سياسية بارزة مثل محمد باقر قاليباف رئيس البرلمان الإيراني، وعلي لاريجاني المستشار السياسي للمرشد الإيراني  الإيراني، وعلي أكبر ولايتي مستشار  المرشد الإيراني للشؤون الدولية، بشأن ضرورة التغيير والإصلاح في بنية الحكم، لم تكن مفاجئة في حدّ ذاتها غير أن ما يزال غامضا هو الدافع الحقيقي وراء هذه المواقف: هل تمثل توجها تكتيكيا مؤقتا لاحتواء الأوضاع المتأزمة، أم أنها تعكس تحوّلا استراتيجيا وجديا نحو إصلاحات مستدامة؟ من وجهة نظري، أصبح تغيير نهج النظام مسألة حتمية لا يمكن تأجيلها.

وفي كل الأحوال، فإن الحوار يشكّل المدخل الأساسي لأي تحول إيجابي لا بد من إطلاق عملية حوار شاملة مع مختلف مكوّنات المجتمع، سواء من خلال التنظيمات والهيئات الرسمية أو من خلال الفئات غير المنظمة ويجب أن يستمر هذا الحوار حتى تحقيق المطالب الشعبية بشكل فعلي كما ينبغي التذكير بأن التنظيمات الاجتماعية تمثل حلقة الوصل بين الشارع ومراكز القرار، إذ تنقل من جهة هموم الناس إلى قمة السلطة، ومن جهة أخرى تشرح للمجتمع تصورات النظام للحفاظ على استقرار الدولة وبنيتها.

إذا أردنا أن نرسم أول خطوة نحو هذا التغيير والتحول، فإن الحوار يمكن أن يكون هذا الخطوة الأولى لا ينبغي لأيّ فرد أو جماعة أن تعتبر نفسها فوق مستوى الحوار مع الآخرين بل يجب أن يكون الجميع مستعدا ومهيّأ للحوار من أجل الوصول إلى فهم مشترك.

رغم تركيز التحليلات على سلوك النظام، فإنّ تفاعل الشارع الإيراني منذ 2009 وحتى اليوم يكشف وعيا لافتا في تجنّب العنف والدفع نحو إصلاح داخلي.. برأيكم، ما مصدر هذا الوعي الشعبي؟

إن هذا الوعي الشعبي، وروح التلاحم الوطني، والالتزام بالمصالح العليا للبلاد، وتجنّب اللجوء إلى العنف، ليست مظاهر طارئة، بل هي من أبرز المكاسب التي تحقّقت خلال ما يُعرف في إيران بـ”عصر الإصلاحات” وهي الفترة التي امتدت بين عامي 1997 و2005، حين تولّى محمد خاتمي الرئاسة، وطرح مشروعا سياسيا يقوم على الانفتاح، واحترام الحريات، وتعزيز دولة القانون. 

لقد ساهم هذا المشروع الإصلاحي في ترسيخ قيم الحوار، والاعتدال، والسعي للتغيير السلمي، وهو ما ساعد الشعب لاحقا على تفادي الانزلاق نحو الفوضى أو العنف، رغم التحديات التي واجهها. فالهويّة التي تعبّر عنها الأمة الإيرانية اليوم هي هوية ناضجة وواعية، وقد تشكّلت إلى حدّ كبير بفضل تلك المرحلة الإصلاحية التي غرست هذا الوعي في وجدان المجتمع.

وعليه، فإن من يدّعي بأن حقبة الإصلاح لم تخلّف أي نتائج ملموسة، من المفيد له أن ينظر بتمعّن إلى هذا النوع من السلوك العام والشعبي السلمي، الذي يتّسم بالرشد والاتزان.

يعكس تعيين السياسي الإيراني المحافظ علي لاريجاني بدلا من السياسي المتشدد سعيد جليلي في المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، مؤشرا على تحوّل ملموس في توجهات النظام الإيراني، يمكن قراءته في سياق سياسة التهدئة التي ينتهجها الرئيس الإصلاحي مسعود بزشكيان.

وصول بزشكيان  إلى الرئاسة، في حد ذاته، جاء نتيجة اهتزاز ثقة المرشد الإيراني  بالتيار المتشدد إذ بدا أن النظام، بعد سنوات من تبني سياسات متشددة، توصّل إلى قناعة بضرورة تغيير المسار وطرحت القيادة فكرة تشكيل حكومة إصلاحية معتدلة، قادرة على احتواء التنوّع الاجتماعي داخل البلاد، وضبطه في إطار المصلحة الوطنية العليا.

وقد أدّى بزشكيان هذا الدور حتى الآن بنجاح، ضمن ما يمكن وصفه بـ”مصالحة غير معلنة” بين التيارات داخل النظام، تجلّت بوضوح خلال الانتخابات الرئاسية الأخيرة وأسفرت هذه المصالحة عن ارتفاع ملحوظ في نسبة المشاركة الشعبية في الانتخابات، كما أفرزت توجها إصلاحيا أكثر وضوحا في السياسات الحكومية التي تلت الاستحقاق الرئاسي.

لكن جذور هذا التحول تعود بالأساس إلى سلوك التيار المتشدد نفسه فبعد أن عمل المتشددون على “تصفية” مراكز السلطة وتشكيل هيكل سياسي أحادي اللون، بلغ بهم التشدد حدّا جعلهم يتجاوزون حتى الخطوط الحمراء في تعاملهم مع القيادة التي طالما اعتبروا أنفسهم من أوفى أتباعها عند هذه النقطة، بدأت القيادة تدرك بعمق أن هذا النهج بلغ مداه، وأن المضي فيه قد يهدد الاستقرار الداخلي، ما استدعى التراجع والانفتاح على مطالب الشارع، والبحث عن مسار سياسي أكثر توازنا.

إذا كان لا بُدّ من ذكر أمثلة على الضرورات الإصلاحية في هذه المرحلة الجديدة، فما النماذج التي يمكن الإشارة إليها؟

عندما تحدّثتُ عن ضرورة الحوار، يمكن استخراج جزء من مطالب الشعب من صُلب هذا الحديث هناك العديد من القضايا والضرورات التي ينبغي على نظام الحُكم أن يُوليها اهتماما جادّا وأول ما يمكن الخروج به من خلال الحوار هو إنهاء حالة الاستقطاب الثنائي بين “الخاص” و”غير الخاص”، وتحقيق المصالحة الوطنية، وتفعيل شعار “إيران لكل الإيرانيين” يتعيّن على الحُكم أن يضمن حقوق المواطنين، ويقضي على التمييز والفساد. 

ويجب الحفاظ على كرامة جميع المواطنين في كل الظروف، وينبغي أن يتمتع كل إيراني بكامل الحقوق القانونية التي تكفلها المواطنة كما ينبغي الاعتراف بأسلوب حياة الأجيال الشابة، وتهيئة الظروف المناسبة لنموّهم وتطورهم وعليه، فإن أولى الضرورات الإصلاحية هي فتح باب الحوار، والتخلّي عن ثنائية “الخاص” و”غير الخاص” وهذه النقاط سيكون لها أثر بالغ في تحقيق التماسك الاجتماعي والوحدة الوطنية.

يتساءل الإيرانيون عن احتمالية اندلاع الحرب مجددا؟ فهل احتمال نشوب جولة جديدة من الحرب قائم؟

وقوع الحرب احتمال بالغ الأهمية حتى لو بلغت احتمالية اندلاعها 1% فقط، فإن هذه النسبة تظل ذات أهمية كبرى لا يمكننا القول إن الاحتمال ضئيل، وبالتالي غير مهم. كما يُقال: “الاحتمال ضئيل، لكنه محتمل مهم”.

وبالنظر إلى النزعة العدوانية لدى إسرائيل، لا يمكن القول إن احتمال هجومها على إيران ضعيف لكني أعتقد أن مرور الوقت يُقلّص من هذا الاحتمال؛ فكلما ابتعدنا أكثر عن الحرب التي دامت 12 يوما، قلّ احتمال نشوب حرب جديدة.

إذا تمكّنت الدبلوماسية الإيرانية من تجنّب الحرب خلال شهر إلى شهرين قادمين، فمن الممكن أن تُبعد شبح الحرب عن البلاد بدرجة كبيرة كما أن تعزيز مشاركة الشعب، وتوسيع نطاق التلاحم الوطني، لهما دور أساسي في توفير أمن مستدام للبلاد.

يجب على النظام الحاكم أن يدرك أن مستقبله وبقاءه مرهونان بمستوى رضا الناس؛ والشعب لن يكون راضيا إلا حين تُلبّى مطالبه، ويجد سبل العيش الكريم متوفرة له.