- زاد إيران - المحرر
- متميز
- 109 Views
كتب: الترجمان
في اللحظة التي سكنت فيها أصوات محركات البحث خلف جدران “الإنترنت الوطني” في إيران، كانت هناك معركة من نوع آخر تشتعل فتيلها فوق سحاب منصة “إكس”. لم تكن حرب الأربعين يوما مجرد مواجهة بالحديد والنار في عرض البحر أو على مشارف الحدود، بل كانت “حرب رواية” بامتياز، أدارتها قيادات الصف الأول في طهران من خلف شاشات صماء، وفي ظروف أمنية بالغة التعقيد.
هذه الحرب الرقمية التي اندلعت في وقت كان فيه المواطن الإيراني العادي معزولا عن الشبكة العالمية، أفرزت ظاهرة فريدة يمكن تسميتها “الدبلوماسية اليدوية”، حيث تحولت قصاصات الورق المكتوبة بخط يد جنرالات وسياسيين لا يحملون هواتف ذكية إلى مانشيتات دولية تهز أسواق النفط وتغير معادلات الردع في لحظات.
مخاض الرواية من القلم إلى الشاشة
بدأت الحكاية من ضرورة أمنية تحولت إلى استراتيجية إعلامية؛ فالمسؤولون الذين يديرون مفاصل الدولة في لحظات التأزم يواجهون بروتوكولات صارمة تمنعهم من استخدام الهواتف الذكية خشية التجسس أو التعقب المكاني. هنا، برز علي لاريجاني، أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني السابق، كأحد أهم “مهندسي التغريد” في هذه المعركة.
لم يكن لاريجاني يملك ترف الضغط على الأزرار، بل كان يخط بيمينه مواقف النظام باللغات العربية والإنجليزية والفارسية، ليقوم فريق تقني بنقل هذه الكلمات من الورق إلى الفضاء السيبراني.
هذه العملية، رغم بدائيتها التقنية، كانت تحمل في طياتها رمزية سياسية عالية؛ فهي تعكس إصرارا على الحضور في الساحة الدولية رغم الحصار التكنولوجي، وتحول “التغريدة” من مجرد رأي شخصي إلى وثيقة رسمية موقعة بمداد الردع الإيراني.
تجلت ذروة هذه الدبلوماسية اليدوية في الرد المباشر على تهديدات الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب. فبينما كان الأخير يغرد من البيت الأبيض حول ضرورة النصر السريع، كان لاريجاني يرسل قصاصة ورق مفادها أن “بداية الحرب سهلة، لكن نهايتها لن تحسمها بضع تغريدات”.
هذا السجال الرقمي لم يكن ترفا، بل كان جزءا من عملية إحاطة نفسية للخصم، تهدف إلى إفهامه بأن آلة القرار في طهران تعمل بكامل طاقتها، وأن استهداف القادة أو غياب الوسائل التكنولوجية الحديثة لن يثني الدولة عن صياغة ردودها بدقة متناهية، مستلهمة من التراث الديني والسياسي صمودا يتجاوز لحظة التهديد المباشر.

وراثة الميدان الرقمي واللعب على أوتار “الجيل زد”
مع انتقال الثقل السياسي والعسكري بعد رحيل لاريجاني، برز دور محمد باقر قالیباف، رئيس البرلمان، الذي نقل المعركة الرقمية إلى مستوى أكثر حداثة وتأثيرا. لم يكتفِ قالیباف بمخاطبة النخب السياسية، بل استهدف بعناية “الجيل زد” في الولايات المتحدة والغرب. اعتمدت استراتيجيته على فك الارتباط بين المواطن الأمريكي وحكومته، من خلال التركيز على التكاليف الباهظة للحرب.
كانت تغريداته حول ارتفاع أسعار الوقود واضطرار العائلات الأمريكية لإلغاء وجبات الطعام بسبب التضخم، بمثابة صواريخ ذكية استهدفت الجبهة الداخلية للعدو. هذه الرسائل لم تكن عشوائية، بل كانت تدار من قبل فريق يدرك تماما سيكولوجية الجمهور الغربي الناطق بالإنجليزية، مما جعل منشورات قالیباف تحقق ملايين المشاهدات وتتحول إلى مادة للجدل داخل المجتمع الأمريكي نفسه، حول جدوى شعار “أمريكا أولا” حين يتحول في الممارسة إلى “إسرائيل أولا”.
لقد نجح هذا النوع من الخطاب في تحويل الأزمة من صراع عسكري بحت إلى قضية اقتصادية واجتماعية تمس جيب المواطن الغربي. قالیباف لم يهدد فقط بإغلاق مضيق هرمز، بل رسم صورة قاتمة لمستقبل الطاقة العالمي إذا ما استُهدفت البنى التحتية الإيرانية.
هذا “الرجز الاقتصادي” خلق توازنا في القوى؛ فبينما كان الإعلام الغربي يصور إيران كدولة معزولة، كانت أرقام التفاعل على منصة “إكس” تقول إن صوت طهران يصل إلى قلب نيويورك ولندن، متجاوزا مقص الرقيب ومحققا اختراقا في وعي الشعوب التي بدأت تتساءل عن ثمن التورط في حرب لا ناقة لها فيها ولا جمل.

سيادة المضيق عبر “إكس”: لغة النار والبروتوكول
على الجبهة البحرية، كانت التغريدات تأخذ طابعا أكثر خشونة ووضوحا. تحولت صفحة علی رضا تنکسیری، القائد السابق القوة البحرية للحرس الثوري”، إلى غرفة عمليات إعلامية تدير حركة الملاحة في واحد من أهم ممرات العالم المائية.
لم تكن الرسائل هناك ديبلوماسية، بل كانت “أوامر عسكرية” منشورة للعلن. التغريدات التي كانت تؤكد أن مضيق هرمز تحت السيطرة الكاملة وأن أي عبور يتطلب إذنا مسبقا، كانت بمثابة إعلان سيادة عملي أمام المجتمع الدولي.
الأخطر من ذلك كان استخدام المنصة لنشر إحداثيات وأهداف مشروعة، وتحذير العمال والمدنيين من الاقتراب من القواعد الأمريكية، وهو ما يعد ذروة الحرب النفسية التي تسبق الاشتباك أو ترافقه.
بعد رحيل تنكسيري، لم يتوقف النشاط الرقمي، بل زادت حدته تحت اسم “قيادة القوة البحرية للحرس الثوري”. وجهت البحرية رسائل باللغة العربية إلى دول الجوار، تحذرهم فيها من الركون إلى الوعود الأمريكية بالتمكين الأمني، مستشهدة بوقائع تاريخية وجارية تثبت أن واشنطن تتخلى عن حلفائها عند أول منعطف للمصالح.
هذا الخطاب الموجه باللغة العربية كان يهدف إلى عزل القوات الأمريكية إقليمياً وتحريض الوعي الجمعي العربي ضد التواجد الأجنبي، مع التأكيد على أن أمن المنطقة لا يتحقق إلا بوحدة دولها الإسلامية، وهو ما ينسجم مع الرؤية الاستراتيجية الإيرانية طويلة الأمد لإخراج القوات الأجنبية من غرب آسيا.

المخابرات والكي العبري للوعي
دخلت منظمة استخبارات الحرس الثوري على خط المواجهة الرقمية بأسلوب “الكي بالوعي”. كانت التغريدات المنشورة باللغة العبرية تستهدف بشكل مباشر المجتمع الإسرائيلي، من خلال الكشف عن امتلاك معلومات استخباراتية دقيقة حول مواقع الملاجئ وخرائط المهندسين للمنشآت الحساسة.
لم يكن الهدف هنا هو الإعلام، بل إشعار المستوطن والمسؤول الإسرائيلي بأنهم تحت المجهر في كل لحظة. هذه “الشفافية الهجومية” في نشر المعلومات الاستخباراتية عملت كأداة ردع قوية، حيث وضعت القيادة الإسرائيلية في موقف دفاعي أمام جمهورها الذي بدأ يشكك في قدرة المنظومات الأمنية على حماية المعلومات السرية.
علاوة على ذلك، برعت صفحة الاستخبارات في تفكيك الرواية الأمريكية حول “الانقسام الداخلي” في إيران. حين تحدث ترامب عن شروخ في جدار السلطة بطهران، ردت الاستخبارات بلغة الأرقام الصادمة حول استقالات الجنرالات وتراجع شعبية الإدارة الأمريكية داخل الكونغرس والسيناتور.
هذا القلب للطاولة الإعلامية جعل من منصة “إكس” ساحة لكشف العورات السياسية للخصم، حيث استُخدمت لغة “الأهداف المشروعة” وصور الأهداف العسكرية مع توقيتات زمنية محددة (مثل توقيت 03:30 بتوقيت طهران)، مما خلق حالة من الترقب والرعب لدى دوائر صنع القرار في الطرف الآخر، وجعل الجميع ينتظر التغريدة التالية كما ينتظرون وصول الصاروخ.

الداخل الإيراني: صمود خلف جدار الصمت الرقمي
بينما كان القادة يصولون ويجولون في “إكس”، كان الداخل الإيراني يعيش تجربة استثنائية من التكاتف الاجتماعي تحت إشراف الإعلام المحلي. في المحافظات، مثل قزوين، تحول الصحفيون إلى جسور تواصل حية بين السلطة والمواطن.
في ظل غياب الإنترنت العالمي، كانت الصحافة المحلية هي المصدر الوحيد للمعلومة الصحيحة، مما قطع الطريق على طوفان الإشاعات التي كان يبثها الإعلام المعادي عبر الأقمار الصناعية. الدور الذي لعبه المراسلون الميدانيون في “مواكب الشهداء” وغيرها من الفعاليات، لم يكن مجرد تغطية إخبارية، بل كان عملية “صناعة استقرار”.
لقد أثبتت التجربة أن الوعي المجتمعي لا يتأثر بالضرورة بقطع التكنولوجيا إذا ما وُجدت ثقة بين الشارع والإعلام الوطني. الصحفيون الذين تواجدوا في قلب الحدث نقلوا مطالبات الناس ونبضهم إلى المسؤولين، وفي الوقت نفسه، شرحوا أبعاد المعركة وأهمية الصمود.
هذا التناغم بين “الخارج الرقمي” الذي يقوده كبار المسؤولين و“الداخل الميداني” الذي يقوده الصحفيون والنشطاء، خلق بنية صلبة مكنت إيران من تجاوز الأربعين يوماً دون حدوث هزات اجتماعية كبرى، رغم الضغوط الاقتصادية والعسكرية الهائلة.
دروس الحرب الرقمية الأولى
إن حرب الأربعين يوما قدمت درسا بليغا في كيفية إدارة الصراعات الكبرى في عصر المعلومات، حتى في ظل الحصار الرقمي. لقد أثبتت إيران أن “السيادة الرقمية” لا تعني فقط امتلاك التكنولوجيا، بل امتلاك “الرواية” والقدرة على إيصالها للجمهور المستهدف باللغة التي يفهمها.
من الدبلوماسية اليدوية للاريجاني، إلى الخطاب الاقتصادي لقالیباف، والتهديدات العبرية للاستخبارات، تحول “إكس” من منصة للتواصل الاجتماعي إلى خندق عسكري لا يقل أهمية عن منصات إطلاق الصواريخ.
ومع نهاية هذه الجولة، يبقى السؤال معلقا حول مستقبل هذا الصراع: هل ستكون المعركة القادمة بضغطة زر تقني، أم بمداد قلم يكتب تاريخا جديدا في المنطقة؟ إن الثابت الوحيد هو أن جبهة “إكس” لم تعد مجرد فضاء افتراضي، بل باتت جزءا لا يتجزأ من جغرافيا الحرب والسيادة في الشرق الأوسط.

