اتفاق السعودية وباكستان.. الحوثي هي “بيت القصيد”

بقلم رئيس التحرير/ محمود شعبان

وقعت المملكة العربية السعودية وباكستان قبل أيام، اتفاقية دفاع مشترك رسمية، في خطوة تعزز شراكة أمنية تمتد لعقود، وذلك في ظل تصاعد التوترات الإقليمية، خاصة بعد أسبوع من الضربات الإسرائيلية على العاصمة القطرية الدوحة، التي قلبت الحسابات الدبلوماسية في المنطقة رأسًا على عقب. يأتي الاتفاق في وقت يشهد فيه الخليج تزايد القلق بشأن مدى إمكانية الاعتماد على الولايات المتحدة كضامن للأمن الإقليمي، ما دفع الرياض إلى تعزيز شراكاتها الدفاعية مع حلفاء موثوقين، وعلى رأسهم باكستان، الدولة النووية الكبرى في العالم الإسلامي.

يعود التحالف بين الرياض وإسلام آباد إلى عقود من المصالح الاستراتيجية والاقتصادية، وقد تضمن التعاون العسكري إرسال قوات باكستانية لتقديم التدريب الفني والميداني للجيش السعودي، بما يشمل القوات الجوية والبرية. كما تضمنت العلاقة دعمًا ماليًا من السعودية لباكستان، على شكل قروض ومساعدات تهدف إلى تعزيز الاحتياطيات النقدية للبلاد، ما منح باكستان موقعًا استراتيجيًا في المنطقة وقدرة على المساهمة في أي تحالفات عسكرية مستقبلية.

تزامن توقيع الاتفاق مع زيارة الأمين العام للمجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، علي لاريجاني، إلى المملكة العربية السعودية، حيث التقى ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان. وخلال اللقاء، الذي وصفته مصادر إيرانية بالمكثف والاستراتيجي، ناقش لاريجاني ملفات سياسية وأمنية حساسة تتعلق بالمنطقة، مع التركيز على الملف اليمني وتهدئة التوتر بين الأطراف الإقليمية.

حرصت إيران من خلال هذه المباحثات على تقليل تأثير الاتفاق السعودي-الباكستاني على الحوثيين، والعمل على دفع الطرفين السعودي والباكستاني نحو تبني سياسة أكثر حذرًا في أي خطوات عسكرية قد تُعمّق النزاع في اليمن. ووفق المصادر، شدد لاريجاني على ضرورة الحفاظ على التوازن الإقليمي وتجنب أي تصعيد عسكري مباشر ضد الحوثيين، مع إبقاء قنوات التفاوض مفتوحة لإيجاد حلول سياسية سلمية.

وفي السياق نفسه، لم تقتصر جهود إيران على السعودية، بل امتدت لتشمل باكستان بشكل مباشر، حيث أبدت طهران رغبتها في التفاهم مع حكومة شهباز شريف لتقليل انغماسها في التحالف العسكري مع الرياض. وحاولت إيران إقناع باكستان بأن يكون دورها استراتيجيًا ودبلوماسيًا أكثر من كونه قتاليًا مباشرًا، بهدف تخفيف أي تأثير سلبي على الحوثيين، وضمان استمرار مسارات الحل السياسي. وشمل ذلك مناقشات حول أهمية تجنب أي خطوات قد تُعقّد الوضع على الأرض، مع تقديم وعود بالوساطة والتفاوض لاحقًا مع الحوثيين حول الملف اليمني.

لا شك أن الاتفاق السعودي-الباكستاني يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالحرب المستمرة في اليمن منذ عام 2015، التي اندلعت بعد سيطرة الحوثيين على العاصمة اليمنية صنعاء. فالسعودية، رغم التحالفات والإعلان في 2015 عن انضمام باكستان وأربع دول عربية أخرى لحملة “عاصفة الحزم”، لم تتمكن من حسم النزاع. حينها، أعلن وزير الدفاع الباكستاني، خواجا عاصف، أن بلاده لم تتخذ قرارها بعد بشأن المشاركة العسكرية المباشرة، فيما أصر البرلمان الباكستاني على عدم إرسال وحدات قتالية إلى اليمن، مؤكدًا دعم الحلول السياسية والمفاوضات كخيار أساسي لاحتواء الأزمة.

نتيجة لذلك، فشلت الحكومة السعودية في إجبار باكستان على المشاركة بشكل فعلي في العمليات العسكرية، رغم إرسال حوالي ألفي جندي وضابط إلى السعودية لتقديم التدريب الفني والمساعدة للقوات الجوية والبرية، دون أن يكون لهم دور قتالي مباشر في اليمن. هذه التجربة في 2015 أكدت للرياض أن الاعتماد على الحكومة الباكستانية آنذاك بقيادة نواز شريف لم يحقق الأهداف المرجوة.

مع وصول عمران خان إلى السلطة لاحقًا، حاول أن يتبنى دور الوسيط بين السعودية والحوثيين لإنهاء الحرب اليمنية، إلا أن جهوده اصطدمت بعقبات سياسية داخلية وإقليمية، ولم تسعفه الظروف لتحقيق اختراق ملموس. بعد إزاحته، تولى شهباز شريف، زعيم حزب الرابطة الإسلامية الباكستانية، منصب رئيس الوزراء خلفًا له حتى أغسطس 2023، قبل أن يتولى أنور الحق كاكار الحكومة الانتقالية مؤقتًا، ثم يعود شهباز شريف إلى المنصب في مارس 2024 بعد الانتخابات البرلمانية.

هذه الخلفية السياسية مهمة لفهم سياق الاتفاق الجديد، إذ يعكس فشل نواز شريف في 2015 موقف البرلمان الباكستاني المتردد تجاه المشاركة في الحرب، مقابل رغبة الرياض في إشراك باكستان بقوة الآن، تحت قيادة شهباز شريف، لضمان توفير خبرات عسكرية وأسلحة محتملة لمواجهة الحوثيين، وكذلك دعم دبلوماسي محتمل ضد الجماعة اليمنية.

وبحسب مصادر قريبة من مكتب علي لاريجاني في إيران، فإن الهدف الأساسي للاتفاق السعودي-الباكستاني هو دفع باكستان للانخراط في الحرب ضد الحوثيين بشكل أكثر فعالية من عام 2015. لكن إيران، من خلال لقاءاتها المكثفة مع كل من الرياض وإسلام آباد، سعت إلى تخفيف الانخراط المباشر للباكستانيين في العمليات القتالية، بحيث يقتصر دورهم على الدعم الاستراتيجي، التدريب الفني، والتغطية اللوجستية، مع الحفاظ على قنوات تفاوضية مفتوحة للتهدئة.

ولذلك، ركزت طهران على ثلاثة محاور رئيسية:

  1. إقناع باكستان بعدم الانخراط الكامل في العمليات العسكرية، مع إبقاء دورها استشاريًا واستراتيجيًا في الحرب اليمنية.
  2. الحد من أي تصعيد مباشر ضد الحوثيين، مع التأكيد على ضرورة فتح مسارات تفاوضية لإيجاد حلول سلمية مستدامة في اليمن.
  3. ضبط التوازن الإقليمي، من خلال توجيه رسائل واضحة إلى السعودية بأن أي تحرك عسكري مبالغ فيه سيؤدي إلى تعقيد الملف اليمني ويزيد من خطر توسيع نطاق الصراع.

بهذا الشكل، أصبحت إيران طرفًا فعالًا في مراقبة وتحجيم تأثير الاتفاق السعودي-الباكستاني على الحوثيين، في محاولة لإيجاد توازن بين أهداف الرياض العسكرية، والحرص الإيراني على الحد من أي خسائر استراتيجية أو توسع في نطاق النزاع.

وبالرغم من جهود إيران، فإن الهدف الرئيس للرياض من الاتفاق واضح: تعزيز قدراتها العسكرية في مواجهة الحوثيين، وتعويض فشل محاولات عام 2015، مع استخدام باكستان كقوة دعم استراتيجية، سواء عبر التدريب، الخبرات العسكرية، أو التغطية اللوجستية، وحتى الاستعانة بالجنود الباكستانيين في القتال إذا اقتضت الحاجة.

يعكس الاتفاق قدرة الرياض على إعادة صياغة تحالفاتها الإقليمية في مواجهة الحوثيين، ويوفر لها أداة ضغط غير مباشرة على باكستان لضمان التزامها بالأهداف الدفاعية، بينما يبرز الدور الإيراني في محاولة التخفيف من أي تصعيد محتمل ضد الحوثيين، بما يعكس شبكة معقدة من العلاقات الاستراتيجية والتوازنات الإقليمية.

ويمثل الاتفاق السعودي-الباكستاني خطوة استراتيجية محورية، حيث يسعى السعوديون لإدخال باكستان بقوة في الحرب اليمنية لتعويض فشل محاولات 2015، بينما تحاول إيران عبر القنوات الدبلوماسية ومن خلال مفاوضات علي لاريجاني مع السعودية الحد من أي تأثير مباشر للاتفاق على الحوثيين وضمان عدم تصعيد الصراع، مع العمل على فتح آفاق الحل السياسي.

هذا المزيج من الضغوط العسكرية والدبلوماسية يعكس هشاشة الوضع اليمني وأهمية التوازنات الإقليمية، ويضع باكستان في موقع حساس بين الالتزام بتحالفها التاريخي مع السعودية، واستمرار العلاقات الاستراتيجية مع إيران، والحاجة إلى الحفاظ على استقرارها الداخلي.

كلمات مفتاحية: