من أوكرانيا إلى موسكو: هل تصمد الشراكة الإيرانية–الروسية في عالم ما بعد الحرب؟

Image

كتب: الترجمان

في الوقت الذي تقترب فيه حرب أوكرانيا من منعطف حاسم بعد دخولها عامها الرابع، تتزايد المؤشرات على احتمال التوصل إلى تسوية سياسية أو وقف إطلاق نار مستدام، برعاية أمريكية مباشرة. هذا التحول المحتمل لا يقتصر أثره على كييف وموسكو، لكن يمتد ليطال شبكة التحالفات الدولية التي تشكلت تحت ضغط الحرب، وفي مقدمتها العلاقة بين إيران وروسيا، التي شهدت في السنوات الأخيرة تقارباً غير مسبوق.

وخلال ديسمبر/كانون الأول 2025، حققت مفاوضات السلام الجارية بوساطة إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تقدما ملحوظا. فقد أعلن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي عن خطة سلام من 20 بنداً، أُعدت بالتنسيق مع المفاوضين الأمريكيين، تضمنت مقترحات حساسة مثل إنشاء مناطق منزوعة السلاح في شرق أوكرانيا. وأكد الكرملين بدوره حدوث تقدم «بطيء لكنه مستدام»، مع إطلاع الرئيس فلاديمير بوتين على مجريات المفاوضات.

شراكة تتجاوز التكتيك

في خضم هذه التحولات، يرى دبلوماسيون إيرانيون أن العلاقات بين طهران وموسكو تجاوزت مرحلة التنسيق الظرفي. فقد أكد رضا سجادي، سفير إيران الأسبق لدى روسيا، في تصريحات صحفية، أن ما يوصف اليوم بعبور العلاقات من المستوى التكتيكي إلى الاستراتيجي، يعني خروج البلدين من إطار «الهمس الجغرافي» والتعاون المحدود، والدخول في شراكة أعمق وأكثر جدية.

وأوضح أن الحكومات الإيرانية السابقة كانت تميل إلى تعريف التعاون الخارجي عبر بوابة الغرب، إلا أن الحكومات الأخيرة انتهجت سياسة أكثر واقعية، أسفرت عن بناء علاقات أوثق مع روسيا. ووفق هذا الطرح، لم تعد العلاقة بين البلدين محصورة في ملفات مرحلية، بل باتت تشمل تعاوناً طويل الأمد يمكن أن يحقق منافع متبادلة في مجالات الأمن والاقتصاد والسياسة الإقليمية.

Image

الاقتصاد والأمن… نقاط التقاء

ويشير هذا التوجه إلى إمكانات واسعة للتكامل الاقتصادي، في ظل اعتماد كل من إيران وروسيا على استيراد سلع غربية الصنع. فتعزيز التبادل التجاري والاستثماري بين الطرفين، بحسب الرؤية الإيرانية، قد يقلل من مستوى الاعتماد على الغرب، ويدعم الاقتصادين في مواجهة العقوبات والضغوط الدولية.

أما على الصعيد الأمني، فيستشهد المسؤولون الإيرانيون بتجربة التنسيق في سوريا، معتبرين أن دخول روسيا إلى هذا الملف، بالتعاون مع إيران، أسهم في إضعاف تنظيم «داعش» وتحقيق قدر من الاستقرار، على عكس التدخلات الغربية التي خلّفت، وفق هذا التوصيف، فوضى ودمارا في دول مثل العراق وأفغانستان.

اختبار ما بعد أوكرانيا

لكن هذا الخطاب المتفائل يصطدم بسؤال استراتيجي يفرضه اقتراب نهاية حرب أوكرانيا: ماذا لو أعادت روسيا ترتيب أولوياتها الدولية؟ فموسكو، التي اضطرت خلال سنوات الحرب إلى تعميق تعاونها مع شركاء شرقيين كإيران والصين وكوريا الشمالية، قد تجد في وقف إطلاق النار فرصة لتخفيف التوتر مع الولايات المتحدة وأوروبا، سعياً لتخفيف وطأة العقوبات وإنعاش اقتصادها.

وفي هذا السيناريو، يحذر محللون من أن روسيا قد تنتقل من محور المواجهة مع الغرب إلى سياسة أكثر براغماتية، ما قد يقلل من حاجتها إلى مستوى التعاون ذاته مع طهران. وهو ما يضع إيران أمام ضرورة التفكير في خياراتها الاستراتيجية بعيداً عن الاعتماد المفرط على شريك واحد.

العالم كـ”غابة سياسية”

يرى السفير الإيراني الأسبق في روسيا أن النظام الدولي الراهن يشبه «غابة سياسية» تحكمها القوة لا القواعد، في ظل ما يعتبره سلوكا غربيا يقوم على الهيمنة والضغط. وفي مثل هذا العالم، تصبح الحاجة إلى شركاء أقوياء مسألة وجودية. لكنه يقر في الوقت نفسه بأن موسكو لم تدرك دائماً حجم التهديدات الغربية بالقدر الكافي، ما يستدعي، برأيه، مزيدا من الحوار والتنسيق الاستراتيجي بين الطرفين.

Image

تكشف التطورات المتسارعة في أوكرانيا عن مفارقة لافتة في الرؤية الإيرانية للعلاقة مع روسيا. فمن جهة، تُقدَّم الشراكة مع موسكو بوصفها خيارا استراتيجيا ثابتا في مواجهة الغرب، ومن جهة أخرى، تفرض احتمالات التقارب الروسي–الغربي تساؤلات جدية حول مستقبل هذه العلاقة.

وفي عالم ما بعد حرب أوكرانيا، قد لا تكون التحالفات التي وُلدت تحت ضغط الصراع قابلة للاستمرار بالشكل نفسه. وبالنسبة لإيران، فإن الحفاظ على علاقات قوية مع روسيا يظل مهماً، لكنه لا يغني عن ضرورة تنويع الشراكات، والانفتاح المدروس على الإقليم وأوروبا، تفادياً لأن تجد نفسها على هامش نظام دولي يعاد تشكيله بسرعة.