- محمود شعبان
- 602 Views
كتب: مهدي سجادي
مقدمة
“أبلغني العميد منصور ستاري، قائد القوة الجوية للجيش، أن طائرة إيرباص إيرانية تعرضت لحادث فوق مضيق هرمز، واضطرت إلى الهبوط اضطراريا في البحر، ولا تتوافر لدينا معلومات عن مصيرها. على الفور، أبلغني السيد شمخاني أن البحرية التابعة للحرس الثوري دخلت في اشتباك مع سفن حربية ومروحيات أمريكية؛ حيث تم إغراق زورق تابع لنا ومروحية أمريكية، وأن البارجة الأمريكية أسقطت بصاروخ، طائرة الركاب التي وصلت إلى الموقع في اللحظة ذاتها. وأكدت التقارير اللاحقة صحة رواية “الحرس”. إنها جريمة مروّعة. استُشهد 290 راكبا وعضوا من طاقم الطائرة. أمرت بسرعة إعلان الخبر؛ حتى لا يسبقنا الأمريكيون في التغطية الإعلامية”.
هذه السطور مقتطفة من مذكرات أكبر هاشمي رفسنجاني، أحد أبرز الشخصيات السياسية في الجمهورية الإسلامية منذ تأسيسها. دوّنها في يومياته بتاريخ 3 يوليو/تموز 1988، في وقت كان يشغل فيه رئاسة البرلمان، إضافة إلى كونه نائب القائد العام للقوات المسلحة، أي القائد الأعلى الفعلي للحرب الإيرانية العراقية.
الواقعة التي يصفها رفسنجاني تتعلق بحادثة وقعت قبل أسبوعين فقط من إعلان إيران قبولها قرار مجلس الأمن رقم 598، الصادر قبل عام تقريبا. ويرى عدد من المحللين أن هذه الحادثة شكّلت عاملا حاسما في قرار القبول بالقرار الأممي، وأن الهجوم الأمريكي جاء دعما مباشرا للعراق، بهدف الضغط على طهران للقبول بوقف إطلاق النار.
لكن، ما هي حقيقة حادثة إسقاط طائرة الإيرباص الإيرانية في مياه الخليج؟ وما الذي جرى بالفعل في السماء الدامية لذلك اليوم؟

رواية نصّ الحادثة
منذ عام 1984، بدأ نظام صدام، وبدعمٍ علني من الولايات المتحدة، استهداف ناقلات النفط والسفن الإيرانية؛ في محاولة لإرباك صادرات النفط الإيراني وفرض ضغوط اقتصادية شديدة على طهران.
في الجمعة 23 يونيو/حزيران 1987، اصطدمت ناقلة النفط العملاقة الكويتية “بريجيتون“، التي كانت تحظى بحماية أربع مدمرات أمريكية، بلغم بحري. وعلى الفور، قام فرانك كارلوتشي، مستشار الأمن القومي للرئيس الأمريكي رونالد ريغان، بإيقاظ الرئيس قائلا دون مقدمات:
إحدى ناقلات النفط تعرضت لهجوم.
في النصف الثاني من أغسطس/آب 1987 قامت الولايات المتحدة بتعزيز وجودها العسكري في الخليج، فرفعت عدد قطعها البحرية إلى 24 سفينة حربية، لكن هذه السفن باتت ضمن مدى قوارب الحرس الثوري السريعة.
وفي 4 أغسطس/آب 1987، أُطلق صاروخ “كَرْم أَبریشم” (Silkworm) على ميناء الأحمدي في الكويت، حيث كانت ترسو ناقلات النفط الكويتية المحمية أمريكيا، والتي كانت أيضا تزود العراق بالإمدادات.
وفي أكتوبر/تشرين الأول من العام ذاته، أسقطت قوارب الحرس الثوري مروحية أمريكية من طراز MH-6، تابعة لقوات العمليات الخاصة 160 الأمريكية. وجاء هذا الرد بعدما استهدفت مروحيات أمريكية سفينة الإمداد الإيرانية “إيران إجرا” في المياه الإقليمية الإيرانية، بأمر مباشر من وزير الدفاع الأمريكي آنذاك “كاسبار واينبرغر”.

وفي أواخر الشهر نفسه، تعرضت السفينة الأمريكية “سانغاري“، الراسية في مياه الكويت، لهجوم بصواريخ كرم أبریشم. وفي اليوم التالي، أُصيبت ناقلة النفط “سي آيل سيتي”، التي كانت ترفع العلم الأمريكي وتتحرك تحت حماية السفن الحربية الأمريكية، بصواريخ إيرانية.
لكن القصة لم تنتهِ هنا…
في أبريل/نيسان 1988، اصطدمت الفرقاطة الأمريكية “يو إس إس صموئيل روبرتس” بلغم بحري. كما اشتبكت قوارب الحرس الثوري المسلحة بالسواحل الإماراتية مع السفينة الأمريكية “ويلتايد“. كانت المواجهات بين إيران والولايات المتحدة تقترب من نقطة الانفجار.
ردا على ذلك، قررت الولايات المتحدة تنفيذ هجوم انتقامي، فشنت في صباح يوم 17 أبريل/نيسان 1988، هجوما عسكريا على منصات النفط الإيرانية “رشادت”، و”نصر”، و”سلمان“. وقد تم تدمير منصة “رشادت” بالكامل، فيما لحقت أضرار جسيمة بمنصتي “نصر” و”سلمان”.
للتصدي لهذا الهجوم والدفاع عن المنصات المشتعلة، أرسلت البحرية الإيرانية المدمرتين “سهند” و”سبلان”، إضافة إلى الزورق الحربي “جوشن”.
وقد تعرضت المدمرة “سهند” والزورق “جوشن” لقصف مكثف بصواريخ بعيدة المدى أمريكية، ما أدى إلى غرقهما في البحر، كما لحقت أضرار كبيرة بالمدمرة “سبلان”.
وفي المقابل، فقدت القوات الأمريكية مروحية وعددا من الوحدات البحرية في الاشتباك.

في خضم هذه المواجهات، وفي يوم 3 يوليو/تموز 1988 ميلادي، أقلعت طائرة إيرباص تابعة للجمهورية الإسلامية الإيرانية، رحلة رقم 655، بقيادة الطيّار محسن رضائيان، من مطار بندر عباس باتجاه دبي.
وخلال تحليقها على ارتفاع 12.600 قدم، أُصيبت الطائرة بصاروخين أرض-جو أُطلقا من البارجة الحربية الأمريكية “يو إس إس فينسنس”، وسقطت قرب جزيرة “هنغام” الإيرانية.
وقد قُتل جميع الركاب البالغ عددهم 291 شخصا، من بينهم:
- 66 طفلا
- 52 امرأة
- و46 شخصا من جنسيات مختلفة، منها: الهند، ويوغوسلافيا، وأفغانستان، وباكستان، وإيطاليا، والإمارات العربية المتحدة.

بعد إسقاط الطائرة، زعم المسؤولون الأمريكيون أن الطائرة كانت خارج الممر الجوي الدولي، وأنها كانت تقلل من ارتفاعها وتتجه بسرعة قصوى نحو البارجة الحربية الأمريكية. وبحسب طاقم البارجة “فينسنس” – الذين لم يكن لديهم سوى أربع دقائق فقط لاتخاذ القرار – فقد ظنوا أن الطائرة الإيرباص مقاتلة من طراز “إف-14”.
وعلى الرغم من أن المسؤولين الأمريكيين أعربوا في ذلك الحين عن أسفهم للحادثة، واعتبر البعض ذلك بمثابة اعتذار ضمني، فإن الولايات المتحدة لاحقا منحت لقب “بطل” وميدالية “وسام الاستحقاق” لقائد البارجة، الكابتن “ويل روجرز”، في خطوة تناقض ذلك الأسف المعلن، وتثير جدلا واسعا.
ذريعة لإدانة الولايات المتحدة
خلال السنوات الماضية، اعتُبر هذا التصرف الأمريكي جريمة ضد حقوق الإنسان، وظلّ موضع انتقاد شديد من جانب مسؤولي إيران.
فقد وجّه كل من رئيس الجمهورية ورئيس البرلمان في ذلك الوقت سهام انتقادهما مباشرة نحو الولايات المتحدة.
لكنّ ردّة فعل الإمام الخميني كانت لافتة من نوعها؛ إذ جاء رده على رسالة حسين منتظري، نائب القائد حينها، الذي طلب منه- إن اقتضت المصلحة- إصدار حكم الجهاد ضد الولايات المتحدة، على النحو التالي:
فبعد أن شكر الإمام الخميني مشاعر منتظري، دعا إلى التركيز الكامل على جبهات الحرب مع العراق، وكتب:
“يجب على مسؤولي النظام أن يبذلوا كل طاقاتهم في خدمة الحرب.
علينا في هذه الأيام أن نعمل على إحداث تحوّل عظيم في جميع القضايا المرتبطة بالحرب.
يجب أن يتجه الجميع بكل جدّ إلى جبهة قتال شاملة ضد أمريكا وأتباعها.
إن أي تردّد في هذا الظرف خيانة للإسلام، وإن الغفلة عن قضايا الحرب خيانة لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
وأنا أقدّم روحي المتواضعة هدية للمجاهدين في ميادين القتال.
إن تفجير طائرة الركاب ناقوس خطر يُهدّد جميع رحلات الطيران، ويجب أن نبذل أقصى ما بوسعنا لمنع تكرار مثل هذه المآسي المؤلمة”.

ومنذ ذلك الحين، تُحيى هذه الذكرى سنويا في التقويم الإيراني، وقد جرى تسمية هذا اليوم بـ”يوم فضح حقوق الإنسان الأمريكية”، تخليدا للضحايا وإدانة للجريمة.
المتابعات الدولية من جانب إيران لمقاضاة الولايات المتحدة
كشف تقرير الفريق الفني المتخصص في منظمة الإيكاو (ICAO) أن اللحظات الأخيرة قبل استهداف الطائرة شهدت خلافا في التقدير؛ فقد رأى بعض الأفراد أن الطائرة مدنية تجارية، بينما اعتقد آخرون أنها طائرة عسكرية هجومية. وبعد دقيقتين، تلقى أفراد غرفة العمليات تقريرا يُفيد بأن الطائرة من طراز F-14. في الوقت نفسه، صرخ طاقم البارجة الأمريكية “سايدز” قائلين:
“الطائرة تجارية، انتظروا”
كما صرّح أحد ضباط بارجة فينسنس أيضا بأن الطائرة قد تكون طائرة ركّاب.
ورغم وضوح الملابسات، فإن مجلس الأمن الدولي أصدر القرار رقم 616 بشأن هذه الحادثة، دون إدانة أي طرف. واكتفى بـ:
- الإعراب عن الأسف العميق لسقوط ضحايا أبرياء.
- التعاطف مع عائلات الضحايا.
- الترحيب بقرار منظمة الإيكاو تشكيل لجنة تحقيق.
- الدعوة إلى احترام اتفاقية شيكاغو لعام 1944 الخاصة بالطيران المدني.
- وتأكيد ضرورة تنفيذ القرار 598 المتعلق بوقف الحرب الإيرانية العراقية.
في أعقاب ذلك، تقدّمت إيران بشكوى إلى محكمة العدل الدولية في لاهاي، ووفقا لما صرّح به الدكتور افتخار جهرمي، رئيس مكتب الخدمات القانونية الدولية للجمهورية الإسلامية آنذاك، فقد حكمت المحكمة بـ:
- إلزام الولايات المتحدة بدفع 40 مليون دولار كتعويض عن الطائرة،
- و61.8 مليون دولار بشكل مؤقت (علي الحساب) تعويضا عن ضحايا الكارثة.
وقد ذكرت صحيفة واشنطن بوست، في تقرير نشر عام 1990، أن الوسام الذي مُنح لأفراد طاقم بارجة “فينسنس”، جاء تقديرا لكامل فترة خدمتهم بين عامي 1984 و1988، وضمن ذلك مواجهاتهم مع زوارق الحرس الثوري الإيراني السريعة.
أما ديفيد إيفانز، المحلل العسكري بصحيفة شيكاغو تريبيون، فقد رأى أن نظام التعرّف والتوجيه الناري في بارجة “فينسنس” لم يكن في ذلك اليوم (3 يوليو/تموز) على الوضع الآلي، بل كان يعمل بشكل يدوي، مما جعل الحادثة نتيجة مباشرة للخطأ البشري وسوء التقدير. وأكد أنه لو كان النظام على الوضع التلقائي، لما حدث أي خطأ في التعرف على الطائرة، وبالتالي لما وقعت هذه الكارثة الإنسانية.
ويعتقد إيفانز أن محاكمة القبطان “ويل روجرز” على إسقاط طائرة ركّاب مدنية تضم 290 إنسانا بريئا كان سيكون تصرفا عادلا.
لكن بدلا من ذلك، منحته الولايات المتحدة وساما في نهاية خدمته، ولم يُحاسَب أيّ من طاقم البارجة فينسنس قضائيا، وهو ما رأته إيران إهانة لضحاياها واستخفافا بالعدالة الدولية.
بعد أربعين عاما… التاريخ يعيد نفسه لكن بصورة مختلفة
مرّت نحو واحد وأربعين سنة على حادثة إسقاط طائرة الإيرباص، وفي عام 2020 ، وقعت مأساة جديدة، لكن هذه المرة كانت بأيدي القوات المسلحة للجمهورية الإسلامية نفسها، في حادثة وصفت بأنها غريبة وصادمة، حين أُطلقت صواريخ على طائرة ركّاب مدنية قرب طهران.
لقد تكرّر التاريخ، ولكن بطرفين معكوسين؛ ففي حادثة الرحلة 655 كانت الجمهورية الإسلامية ضحية، أما في حادثة البوينغ الأوكرانية، فقد وجدت نفسها في موضع المتّهم.
في أواخر يناير/كانون الثاني 2020، وبينما كانت إيران قد نفذت هجوما صاروخيا على قاعدة “عين الأسد” العسكرية الأمريكية في العراق، جاءت الأنباء الصادمة بأن طائرة مدنية أوكرانية، كانت في طريقها من طهران إلى كييف، قد أُسقطت بصاروخ إيراني، ما أدى إلى مقتل جميع من كان على متنها.
فما هي حقيقة رحلة الخطوط الأوكرانية رقم 752؟
وما الذي جرى صباح ذلك اليوم فوق سماء طهران؟
هل كانت حادثة عرضية… أم فاجعة كان يمكن تفاديها؟
رواية الحادثة
في فجر 3 يناير/كانون الثاني 2020، نفّذت الولايات المتحدة عملية اغتيال في مطار بغداد أسفرت عن استشهاد قائد فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني، قاسم سليماني، الذي كان قد دخل العراق بدعوة رسمية من السلطات العراقية. وقد استُشهد معه أبو مهدي المهندس وعدد من مرافقيهم، في ما وصفته إيران بأنه إرهاب دولتي صارخ.
أثارت العملية غضبا شعبيا واسعا داخل إيران وفي محور المقاومة، وسط دعوات ملحّة للرد والانتقام. وبالتزامن مع تشييع جثمان سليماني في كرمان، نفّذ الحرس الثوري الإيراني فجر يوم 8 يناير/كانون الثاني، هجوما صاروخيا على قاعدة “عين الأسد” العسكرية الأمريكية في العراق، موجها تحذيرا بأن أي ردّ أمريكي سيؤدي إلى توسيع رقعة المواجهة.
لكن وبعد ساعات فقط من العملية، وفي صباح 8 يناير/كانون الثاني 2020، تم إسقاط طائرة الركاب الأوكرانية، الرحلة رقم 752، التابعة للخطوط الجوية الدولية الأوكرانية، التي كانت قد أقلعت من مطار الإمام الخميني متجهة إلى كييف، بصاروخ أطلقته الدفاعات الجوية للحرس الثوري. وأسفر الحادث عن مقتل جميع الركاب البالغ عددهم 176 شخصا.

ردود الفعل الرسمية داخل إيران
في البداية، نفت الجهات الرسمية الإيرانية أن تكون لها علاقة بإسقاط الطائرة، لكن سرعان ما أعلنت هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة تشكيل لجنة تحقيق، وأصدرت لاحقا بيانا جاء فيه:
بعد تنفيذ العملية الصاروخية ضد القاعدة الأمريكية، كثفت الطائرات الحربية الأمريكية تحركاتها في أجواء المنطقة، وتم رصد أهداف جوية مجهولة تقترب من مواقع استراتيجية داخل البلاد، ما رفع من حالة التأهب في وحدات الدفاع الجوي.
وفي هذا الجو المتوتر، أقلعت الرحلة رقم 752 من مطار الإمام الخميني، وخلال التفافها، ظهرت بشكل يشبه طائرة معادية تقترب من موقع حساس تابع للحرس الثوري، مما أدى، نتيجة خطأ بشري غير متعمد، إلى استهدافها وإسقاطها، في كارثة أدت إلى استشهاد عدد من المواطنين الإيرانيين ووفاة عدد من الأجانب.
تعرب هيئة الأركان عن تعازيها العميقة وتعاطفها مع عائلات الضحايا الإيرانيين والأجانب، وتعتذر عن هذا الخطأ المؤلم، مؤكدة أنها ستُجري إصلاحات جوهرية في العمليات العسكرية لمنع تكرار مثل هذه الحوادث، كما أعلنت عن إحالة المسؤول عن الخطأ إلى القضاء العسكري لمحاسبته وفق القانون.
كما طُلب من قادة الحرس المعنيين الظهور في الإعلام الرسمي لتقديم توضيحات مفصلة للشعب الإيراني.
وبناء على ذلك، ظهر أمير علي حاجي زادة، قائد القوة الجوفضائية للحرس الثوري، على شاشة التلفزيون الرسمي، مقدما شرحا كاملا للحادثة، معترفا بالمسؤولية الكاملة، ومقدما اعتذاره وتعازيه لعائلات الضحايا، كما أكد استعداده وزملائه لتحمّل أي حكم قضائي يصدر بحقهم.
وعقب هذا البيان، أصدر المرشد الأعلى للثورة الإسلامية، علي خامنئي، بيانا ثانيا للتعزية، بعد بيانه الأول، عبّر فيه عن تضاعف ألم المصيبة، وطالب المسؤولين بـالتحقيق الجاد واتخاذ الإجراءات اللازمة.
إدانة أولية لإيران بدفع تعويضات ودية
على الرغم من أن محاكمة المتهمين في قضية إسقاط الطائرة الأوكرانية بدأت في المحاكم الإيرانية، فإن محاكم الدول التي ينتمي إليها ضحايا الحادث أصدرت بدورها أحكاما متعددة أدانت فيها إيران، وطالبتها بدفع تعويضات مالية. وقد أدّت تعقيدات هذه القضية وأبعادها المتعددة إلى إثارة خلافات ونزاعات قانونية واسعة على مستوى المحافل القضائية الدولية، وضمن ذلك منظمة الطيران المدني الدولي (الإيكاو) ومحكمة العدل الدولية، وهي قضايا تتطلب تحليلا مفصلا منفصلا.
إلى جانب هذه المسارات القانونية، قام أهالي الضحايا بتأسيس جمعية تنشط في كشف الغموض والزوايا غير المعلنة من هذه القضية، وتطالب بمزيد من الشفافية والمحاسبة.

كان حامد إسماعیلیون، وهو طبيب وكاتب فقد زوجته وابنته في الرحلة، رئيس مجلس إدارة جمعية عائلات ضحايا الرحلة PS752. وقد أطلق حملة دولية تحت شعار “سماء إيران ليست آمنة”، مستفيدا من دعم مؤسسات كندية وتغطية إعلامية دولية واسعة، وطالب بفرض حظر على الأجواء الإيرانية للطيران المدني، بحجة أن ملف إسقاط الطائرة الأوكرانية لا يزال غامضا ولم يُغلق بعد.
وتوسعت الاحتجاجات التي قادها إسماعیلیون في عدة دول، إلى أن شهدت ذروتها في خريف عام 2022م، متزامنة مع تصاعد الاحتجاجات المعروفة باسم “المرأة، الحياة، الحرية” داخل إيران، عقب وفاة مهسا أميني أثناء احتجازها لدى شرطة الآداب، وهو الحدث الذي فجّر موجة جديدة من السخط الدولي.
في ظل هذا التصعيد، وتزايد الإدانات من قادة سياسيين دوليين وشخصيات إعلامية بارزة يتهمون طهران بالتورط في مقتل مهسا أميني، تحولت نشاطات إسماعیلیون من التركيز على قضية الطائرة الأوكرانية إلى قضايا الشأن الداخلي الإيراني. وبدأ يلعب دورا بارزا في المعارضة خارج البلاد، من خلال تنظيم دعوات للتظاهر في الدول الأوروبية والأمريكية، متولّيا قيادة الحراك الخارجي.
وفي 24 أكتوبر/تشرين الأول 2022، أصدر نحو 30 ناشطا سياسيا من داخل إيران بيانا طالبوا فيه إسماعیلیون بـتشكيل مجلس تنسيقي في الخارج لدعم واستمرار ما وصفوه بـ “الانتفاضة الثورية للشعب الإيراني”.
انحسار الاضطرابات وإعلان الحكم القضائي في إيران
مع نهاية مارس/آذار 2023، تمكّنت السلطات الإيرانية من السيطرة على الاضطرابات التي أعقبت قضية مهسا أميني، وانخفضت حدّتها بشكل ملحوظ. وفي الوقت نفسه، أعلنت المحكمة العسكرية في طهران، خلال أبريل/نيسان 2023، أحكامها في قضية الضباط المتهمين بإسقاط الطائرة الأوكرانية.
وبحسب وسائل الإعلام الإيرانية، قضت الشعبة الثانية من المحكمة العسكرية الأولى في طهران بأن المتهم الأول، وهو قائد منظومة الدفاع الجوي “تور-إم1″، أطلق صاروخين باتجاه الرحلة PS752 التابعة للخطوط الجوية الأوكرانية، بناء على اعتقاد خاطئ بأن الهدف كان صاروخ كروز، وخلافا للأوامر الصادرة من مركز القيادة وبدون الحصول على ترخيص، كما جاء في القرار.
واستنادا إلى نص الحكم، أدين المتهم الأول بارتكاب القتل شبه العمد لجميع ركاب الطائرة، وحُكم عليه بالسجن ثلاث سنوات مع الأشغال الشاقة. أما بقية المتهمين، فقد صدرت بحقهم أحكام بالسجن تتراوح بين سنة واحدة وعشر سنوات.
ووفقا لما أعلن، فقد تم تخصيص مبلغ 150 ألف دولار أمريكي أو ما يعادله باليورو لكل ضحية كتعويض رمزي “تطييبا للخواطر”، بصرف النظر عن نتائج المحاكمة.
وفي تلك الفترة أيضا، أعلن حامد إسماعیلیون استقالته من منصبه كـمتحدث رسمي باسم جمعية دعم أسر الضحايا.

تبرئة إيران من قبل محكمة كندية وسط صمت إعلامي
لكن ملف الطائرة الأوكرانية لم يُغلق بعد. فبعد عام كامل، أصدرت المحكمة العليا في أونتاريو، كندا، حكما يُحمّل شركة الخطوط الجوية الأوكرانية الدولية (UIA) المسؤولية الكاملة عن دفع تعويضات لأسر ضحايا الرحلة PS752، نتيجة الإهمال في الالتزام بإرشادات السلامة وتحذيرات الخطر.
واعتبرت المحكمة أن الشركة أخفقت في تقييم المخاطر المرتبطة بتنفيذ رحلة من مطار طهران، في وقت كانت فيه إيران قد أطلقت قبل ساعات قليلة هجوما صاروخيا ضد القوات الأمريكية في العراق، وكانت في حالة تأهب قصوى تحسبا لهجوم مضاد.

وقد صدر هذا الحكم عن القاضية “ياسمين أكبر علي”، بعد محاكمة استمرت 18 يوما في مدينة تورونتو، انتهت في يناير/كانون الثاني 2024.
ورغم أهمية هذا الحكم، ساد صمتٌ ملحوظ في وسائل الإعلام التي كانت سابقا تسعى إلى تحميل إيران المسؤولية الكاملة. وقد حاول مراسل قناة “إيران إنترناشيونال” من خلال تفسيرات متحيزة، الالتفاف على فحوى الحكم، والادعاء بأنه لا يُسقط مسؤولية الجمهورية الإسلامية.
لكن الآثار النفسية والسياسية لحادث إسقاط طائرة الرحلة 752، لا تزال حاضرة في الذاكرة الجماعية للشعب الإيراني، خصوصا لدى النخب الثقافية والعلمية، حيث تُقام سنويا فعاليات إحياء لذكرى الضحايا.

