إيران تصعد إجراءاتها ضد المهاجرين الأفغان

تتجه إيران نحو تصعيد كبير في تعاملها مع ملف المهاجرين الأفغان، مع اتخاذ قرارات حازمة ترمي إلى طرد مئات الآلاف منهم من أراضيها. هذا القرار، الذي جاء على خلفية اعتبارات أمنية وسياسية واقتصادية متشابكة، يعكس تحولا ملحوظا في السياسات الإيرانية تجاه أحد أكبر مجتمعات اللاجئين في البلاد.

ففي أعقاب الحرب التي استمرت 12 يوما بين إيران وإسرائيل، وما رافقها من توترات داخلية واختراقات أمنية، أقدمت الحكومة الإيرانية على تسريع عملية ترحيل الأجانب غير الشرعيين، وفي مقدمتهم الأفغان، حيث أعلنت وزارة الداخلية وقيادة الشرطة ودوائر المحافظات الثلاثاء 24 يونيو/ حزيران 2025 عن خطة لإخراج مئات الآلاف من المهاجرين غير الموثقين، في عملية تشمل رصد، واعتقال، وترحيل واسع النطاق.

وبالشأن نفسه، صرح محمد صادق معتمديان، محافظ طهران، أنه فقد تم تسخير جميع الإمكانات الأمنية واللوجستية، بما في ذلك حافلات النقل العام وقوى الأمن، لنقل المرحلين إلى الحدود، وأوضح معتمديان أن عمليات التوقيف ارتفعت بمعدل 3 إلى 4 مرات مقارنة بالشهور السابقة، كما حذر من استخدام المهاجرين في وظائف مخالفة، مؤكدا أن أي عقار سيؤجر لأفغان سيصادر وتبطل عقوده.

من جهة أخرى، أعلن رئيس مركز شؤون الرعايا الأجانب نادر ياراحمدي، أن حملة الترحيل تأتي بعد طرد قرابة 3 ملايين مهاجر غير قانوني خلال السنوات الثلاث الماضية، إلا أن السلطات تعترف بأن نسبة كبيرة من المرحلين تعود مجددًا عبر الحدود، ما دفعها إلى وضع إغلاق الحدود على رأس الأولويات الأمنية. كما أفادت تقارير رسمية بأن وزارة الداخلية تعتزم حصر الوجود الأجنبي في البلاد ضمن ست فئات مسموح لها بالإقامة المؤقتة، بما يشمل الحاصلين على بطاقات إحصاء رسمية والذين يعيشون ضمن معسكرات اللاجئين.

أسباب القرار الإيراني بطرد المهاجرين الأفغان

برزت الأسباب الأمنية كأحد أبرز دوافع القرار، فقد ربطت السلطات الإيرانية بين بعض الأفغان المقيمين بشكل غير قانوني وعمليات تجسس وتخريب بالتعاون مع إسرائيل، خاصة خلال النزاع الأخير، حيث أشارت تقارير إلى اعتقال أفراد من الجالية الأفغانية بتهم التورط في إطلاق طائرات مسيّرة أو تقديم دعم لوجستي للأجهزة المعادية. هذه الحوادث، وإن كانت محدودة من حيث العدد، فقد لاقت تغطية إعلامية مكثفة عززت مناخ الشك تجاه هذه الشريحة.

أما على الصعيد الاقتصادي، فتشير التقديرات إلى أن إيران تنفق أكثر من 10 مليارات دولار سنويا على المهاجرين الأفغان، تشمل خدمات الصحة والتعليم والدعم الغذائي، وفي ظل الأزمة الاقتصادية التي تعانيها طهران في الوقت الحالي، اعتبر مسؤولون أن هذه النفقات غير مبررة في وقت يعاني فيه المواطنون من البطالة وارتفاع تكاليف المعيشة، وقد تفاقمت هذه الأزمة مع الهجوم الأخير والعقوبات الأمريكية الجديدة المفروضة على طهران، مما دفعها إلى إعادة تقييم أولوياتها.

وفيما يتعلق بسوق العمل، يرى بعض المحللين أن تدفق العمالة الأفغانية، خاصة في قطاعات البناء والزراعة والخدمات، خلق حالة من الإغراق أثرت سلبا على فرص العمل المتاحة للإيرانيين، لا سيما الشباب. وتشير تقارير من وزارة العمل الإيرانية إلى أن أكثر من 65% من العمالة في مشاريع البناء الكبرى في العاصمة تعود لأجانب، أغلبهم أفغان. وقد دفعت هذه التحولات إلى تعزيز المطالب الشعبية بإخراج العمالة الأجنبية وتنظيم سوق العمل.

ترافق كل ذلك مع تصاعد حملة إعلامية ضد المهاجرين، وظهور خطابات شعبية ونخبوية تدعو إلى طرد الأفغان باعتبارهم عبئا، على حد تعبير ووسائل الإعلام، على البلاد، ما انعكس في حملات رقمية على وسائل التواصل الاجتماعي، ورسائل من سياسيين تحذر من تأثير ما أطلقوا عليه الوجود الأفغاني على الثقافة والسكان المحليين.

فقد استعرض تقرير نشره موقع اقتصاد آنلاين الأحد 29 يونيو/ حزيران 2025، آراء بعض مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي في وجود الأفغان في إيران، حيث كتب أحد المستخدمين باسم وحيد، انتقاد للحضور الواسع للأفغان في الوظائف الخاضعة لإشراف بلدية طهران، حيث قال “عندما يقوم رئيس بلدية طهران بتوظيف آلاف العمال الأفغان ضمن هيكل البلدية، فهذا يعني أنه بكل بساطة يمكن تسليم معلومات عن المواقع، ومسارات التنقل، وشبكة النقل، بل وحتى البنى التحتية الحيوية، إلى يد العدو. لا ينبغي أن تصبح مسألة الأمن لعبة بيد رخص اليد العاملة”.

مستخدم أخر باسم مهدي كتب” لا يوجد بلد في حالة حرب يملك من الموارد ما يمكنه من التمييز بين المهاجر الجيد والسيئ. إيران أثبتت حسن ضيافتها بما فيه الكفاية. فليتحمّل الإخوة الأفغان قليلا حتى نتجاوز هذه المرحلة”، فيما أيد أخر الرأي نفسه بقوله” الآن إيران في حالة حرب، ومن المحتمل أن يسعى جزء من السكان للهجرة إلى دول الجوار، فأي دولة ستقبل مهاجرين لفترة غير محددة؟ هل ستكون أفغانستان نفسها، التي فرضت علينا ملايين المهاجرين، مستعدة لاستقبال الإيرانيين؟”

تداعيات القرار على إيران داخليا وخارجيا

رغم الآمال بتقليص النفقات، فقد يؤدي خروج الأفغان، الذين يشكلون عصبا أساسيا في قطاعات العمل الشاق، إلى نقص حاد في العمالة، خاصة في الإنشاءات والزراعة، ما قد يرفع تكاليف الإنتاج ويساهم في التضخم. فالكثير من شركات القطاع الخاص، وخصوصًا الصغيرة منها، تعتمد على اليد العاملة الأفغانية بسبب تدني أجورها وسهولة توظيفها خارج الأطر الرسمية.

اجتماعيا، يمكن أن يؤدي تنفيذ عمليات الطرد الجماعي إلى زيادة التوترات الداخلية، سواء بين المواطنين المؤيدين أو المعارضين للقرار، أو بين الأجهزة الأمنية والسكان في المناطق ذات الكثافة الأفغانية، ما يهدد بتفاقم الاحتقان الاجتماعي. وقد سُجّلت حالات عنف متبادل في بعض الأحياء الواقعة جنوب طهران، على خلفية الحملات الأمنية المكثفة.

أما سياسيا، قد يؤدي التركيز على الطرد القسري، دون آلية قانونية وإنسانية واضحة، إلى انتقادات دولية، وخاصة من المنظمات الحقوقية، كما أن طرد أعداد كبيرة من الأشخاص الذين عاشوا لسنوات داخل إيران، قد يؤدي إلى اضطرابات في مناطق الحدود، لا سيما إن أعادت طالبان رفض استيعاب العائدين، أو في حال امتلأت المخيمات الحدودية بما يفوق قدرتها الاستيعابية.

على مستوى العلاقات مع أفغانستان، من شأن هذه السياسة أن تعقد العلاقات بين إيران وحكومة طالبان، خاصة في ظل الخلافات الحدودية والمائية القائمة، وقد تدفع طالبان إلى اتخاذ مواقف أكثر عدائية تجاه إيران أو إثارة ملف الشيعة الأفغان المقيمين في أفغانستان، أو حتى تسهيل عبور اللاجئين مجددًا إلى الأراضي الإيرانية كنوع من الضغط السياسي.

موجات الهجرة الأفغانية إلى إيران

كانت إيران قد شهدت إيران منذ الثمانينات ثلاث موجات رئيسية من الهجرة الأفغانية، بدأت الموجة الأولى في أعقاب الغزو السوفييتي لأفغانستان عام 1979، حيث لجأ مئات الآلاف من الأفغان إلى إيران، خاصة من مناطق الهزارة والشيعة، واستقروا في المدن الكبرى مثل مشهد وطهران وقم. وقد حصل بعضهم على تصاريح مؤقتة، فيما عاش كثيرون بلا أوراق رسمية لعقود.

جاءت الموجة الثانية في التسعينات، عقب سيطرة طالبان على كابل عام 1996، حيث فر عدد كبير من المعارضين للحركة، خصوصا من الأقليات العرقية والدينية، إلى إيران. وقد تزامن ذلك مع تدهور الوضع الاقتصادي في أفغانستان، ما دفع بعضهم للبقاء في إيران رغم انتهاء الأسباب الأمنية المباشرة.

أما الموجة الثالثة فكانت الأكثر حدة، وحدثت في عام 2021 عقب انسحاب القوات الأمريكية من أفغانستان وعودة طالبان للسلطة. ووفقًا لمنظمة الهجرة الدولية، دخل أكثر من مليون أفغاني الأراضي الإيرانية خلال العام التالي. وقد ترافق ذلك مع انهيار النظام الصحي والتعليمي في أفغانستان، ما زاد من دوافع الهجرة.

حاليا، يقدر عدد الأفغان في إيران بين 5 إلى 8 ملايين، منهم من يحمل وثائق قانونية، ومنهم من يعيش في وضع غير قانوني، كما أن كثيرا من هؤلاء ولدوا في إيران، وتعلموا وعملوا فيها، ما يجعل مسألة إعادتهم أكثر تعقيدا من مجرد طرد إداري.

فبين مطرقة الضغوط الاقتصادية وسندان المخاطر الأمنية، تتجه إيران إلى إعادة رسم سياستها تجاه المهاجرين الأفغان. لكنّ القرار بطرد مئات الآلاف، وإن بدا ضروريا من وجهة نظر بعض الجهات، يبقى محفوفا بالمخاطر الإنسانية والسياسية، في ظل تعقيدات داخلية ودولية يصعب تجاهلها. فقد تنجح طهران في تنفيذ حملتها على المدى القصير، لكنها قد تواجه تكاليف اجتماعية ودبلوماسية باهظة على المدى البعيد.