مهرجان فجر في نسخته الـ٤٤ … بين التتويج الرسمي والانتقاد الأصولي

شهدت الساحة الثقافية الإيرانية خلال الأيام الماضية جدلا واسعا حول حصيلة أحد أبرز استحقاقاتها السينمائية السنوية، في ظل تباين حاد بين خطاب رسمي احتفائي ونقد إعلامي لاذع.  وبين إشادة بما تحقق من مشاركة وألق وجوائز، وانتقادات طالت مستوى التنظيم والاختيارات الفنية، برزت أسئلة جوهرية حول اتجاهات المشهد السينمائي الإيراني وحدود قدرته على التجدد والاستجابة للتحولات المجتمعية. في قلب هذا النقاش، تقاطعت رؤى سياسية وثقافية لتعيد فتح ملف العلاقة بين الفن والمؤسسة، وبين الطموح الإبداعي ومتطلبات اللحظة الوطنية.

مهرجان بدأ بلا بهاء وانتهى بلا أثر

ففي تقييم لافت حمل نبرة نقدية حادة، رأت صحيفة خراسان الأصولية، في عددها الصادر الخميس 12 فبراير/ شباط 2026، أن الدورة الرابعة والأربعين من مهرجان فجر السينمائي بدأت وانتهت بلا أي بهاء ولا أهمية تذكر، معتبرة أن الحدث الأهم في الأجندة السينمائية الإيرانية لم ينجح هذا العام في استعادة الزخم الذي شهده في دورته السابقة. وخلصت الصحيفة إلى أن المهرجان، رغم بعض النقاط الإيجابية المحدودة، أخفق في تقديم دورة متماسكة من حيث الجودة الفنية والتنظيمية، وهو ما انعكس على مستوى الأفلام، وعلى صورة الحدث برمته.

Image

وأشارت الصحيفة إلى أن دورة العام الماضي، أي الثالثة والأربعين، كانت قد نجحت بعد سنوات من الركود في إعادة قدر من الحيوية إلى المهرجان، إلا أن هذا التحسن لم يستمر في السنة الثانية من إدارة منوجهر شاهسواري، المخرج الإيراني، وبرأيها، فإن ما تحقق سابقا لم يبن عليه، بل بدا وكأن الدورة الحالية عادت إلى مربع الارتباك، سواء في الاختيارات أو في مستوى العروض.

Image

كما توقفت خراسان عند افتتاح المهرجان، معتبرة أن اختيار فيلم الرسوم المتحركة حراس الشمس ليكون فيلم الافتتاح لم يكن موفقا، لا من حيث القيمة الفنية ولا من حيث الرمزية. ورأت أن المهرجانات العالمية عادة ما تفتتح بدعوة مخرج بارز وفيلم جماهيري أو نقدي لافت، في حين أن فجر ٤٤ افتتح بعمل وصفته بأنه عادي وفاتر، حتى إن مشاركته في دورة العام الماضي، بحسب رأيها، لم تكن لتمنحه صدارة في فئته.

من أبرز انتقادات الصحيفة ما وصفته بأزمة الجودة، إذ رأت أن وجود ٣٣ فيلما في المسابقة لا يعني بالضرورة تنوعا أو ثراء، بل على العكس كشف عن ندرة الأعمال القادرة على البقاء في الذاكرة، وذهبت إلى القول إن عدد الأفلام الجديرة بالذكر في هذه الدورة كان صفرا تقريبا، بينما لم يتجاوز عدد الأعمال المقبولة فيلما أو فيلمين، في حين أن المهرجانات الكبرى عادة ما تفرز عدة أفلام متميزة كل عام.

وتوقفت الصحيفة مطولا عند ما اعتبرته تضخما في الأفلام ذات الطابع المؤسساتي والشعاري، والتي تناولت موضوعات مثل حرب الاثني عشر يوما، والاختراق، والفساد الاقتصادي، والتخريب، لكنها، بحسب رأيها، افتقرت إلى العمق الفني، بل تحولت أحيانا إلى كوميديا غير مقصودة بسبب ضعف المعالجة. واعتبرت أن هذا الميل نحو الخطاب المباشر أضر بالهوية الفنية للمهرجان، وأضعف قيمته بوصفه حدثا سينمائيا وطنيا.

Image

وفي هذا السياق، أثارت الصحيفة مسألة إلغاء هيئة الاختيار، التي كانت تقوم سابقا بفرز الأفلام قبل وصولها إلى المسابقة الرسمية، وبرأيها، فإن تحميل أمين المهرجان وفريقه مسؤولية الاختيارات بشكل مباشر يستوجب قدرا أكبر من الشفافية والمساءلة، خصوصا في ظل الانتقادات الواسعة لمستوى بعض الأعمال المعروضة.

كما انتقدت خراسان أجواء المؤتمرات الصحفية، معتبرة أنها تحولت إلى ساحات استقطاب وانفعالات، بدل أن تكون منصات حوار مهني هادئ، وأشارت إلى أن بعض الندوات شهدت توترات، فيما بدت أخرى باهتة بحضور محدود، وهو ما يعكس، في رأيها، حالة من التشتت بين الرغبة في الإثارة الإعلامية وغياب النقاش النقدي العميق.

ولم تغفل الصحيفة عن الإشارة إلى ما اعتبرته ارتباكا تنظيميا، بدءا من آلية تسجيل الإعلاميين واختيارهم، وصولا إلى تعدد التغييرات في جدول العروض، بل وحتى عرض فيلم كان قد أُعلن خروجه من البرنامج في بعض صالات الجمهور، ورأت أن مثل هذه الارتباكات لا تليق بحدث يفترض أنه الأهم في صناعة السينما الإيرانية.

وفي تقييمها لليوم الختامي، وصفت الصحيفة العروض الأخيرة بأنها لم تكن على مستوى التوقعات، معتبرة أن اختيار أفلام ضعيفة نسبيا لليوم الأخير أضعف الأثر الرمزي للمهرجان، كما رأت أن عدم عقد مؤتمر صحفي لأحد الأفلام في اليوم الأخير كان بمثابة تجاهل لدور الإعلام، ما ترك انطباعا سلبيا لدى الصحفيين.

مهرجان فجر الرابع والأربعون… دورة بين التتويج والجدل وإعادة رسم المشهد السينمائي الإيراني

يعد مهرجان فجر السينمائي الحدث الأبرز في روزنامة السينما الإيرانية، إذ ارتبط منذ انطلاقه مطلع الثمانينيات بالاحتفاء بالثورة الإسلامية، وتحول تدريجيا إلى منصة سنوية تعرض فيها أبرز الإنتاجات السينمائية، وتمنح من خلالها جوائز السيمرغ البلورية التي تعد الأعلى قيمة رمزية في الصناعة المحلية. وفي دورته الرابعة والأربعين، التي أُقيمت في طهران واختتمت في قاعة الوحدة، والتي انطلقت فعالياتها بحضور الرئيس الإيراني، مسعود بزشكيان، جاء المهرجان محملا بسياق سياسي واجتماعي حساس، انعكس بوضوح على خطابات الافتتاح والختام، وعلى طبيعة بعض الأعمال المشاركة.

وعلى مستوى الجوائز والأعمال المشاركة، لاسيما المسابقة الرسمية السيمرغ البلورية، فقد تنافس ٣١ عملا روائيا طويلا، في دورة تميزت بنسبة ملحوظة من أفلام المخرجين الجدد، إذ شكلت الأعمال الأولى قرابة ثلث الأفلام المشاركة، حيث رأت إدارة المهرجان في ذلك مؤشرا على توجه نحو تجديد الدماء، ومنح فرصة لجيل شاب يسعى إلى تثبيت حضوره في صناعة تواجه تحديات إنتاجية وتسويقية متزايدة.

Image

في جائزة أفضل فيلم، حصد فيلم أرض الملائكة السيمرغ البلورية، ليخرج بوصفه أحد أبرز الفائزين في الدورة، كما نال مخرجه بابك خواجه ‌باشا جائزة أفضل إخراج، فيما أثار خطاب المخرج عقب تسلم الجائزة اهتماما واسعا، إذ تطرق إلى قضايا الانقسام الاجتماعي، داعيا إلى الحفاظ على التماسك الوطني في مواجهة ما وصفه بمحاولات التفريق.

Image
Image

أما جائزة أفضل ممثل دور أول، فذهبت إلى بهرام أفشاري عن فيلم مغسل الموتى، في حين فازت آزيتا حاجيان بجائزة أفضل ممثلة دور أول عن كافية السلطان، كما منحت لجنة التحكيم جائزة خاصة للممثلة سلاف فواخرجي عن دورها في أرض الملائكة، والتي ألقت كلمة ذات بعد إنساني وسياسي، أهدت فيها جائزتها إلى غزة وسوريا ومصر، مؤكدة أن السينما بالنسبة إليها التزام أخلاقي قبل أن تكون صناعة.

Image
Image

في الفئات التقنية، برز فيلم اسكورت الذي حصد جوائز أفضل صوت وأفضل مونتاج، بينما نال فيلم منتصف الليل جائزة أفضل تصوير سينمائي، إضافة إلى جائزة أفضل فيلم من منظور وطني، التي منحت لمنتجه حبيب والي ‌نجاد ومخرجه محمد حسين مهدويان. وقد عكست هذه الجوائز تقديرا للأعمال ذات الطابع الفني الصرف، إلى جانب تلك التي تحمل مضامين وطنية مباشرة.

Image
Image

كما شهدت الدورة تكريما لعدد من الممثلين في فئات الأدوار المساعدة، حيث نالت مارال فرجاد جائزة أفضل ممثلة مساعدة عن فيلم مغسل الموتى، وفاز شهرام حقيقت ‌دوست بجائزة أفضل ممثل مساعد عن فيلمه ارديبهشت. وفي فئة السيناريو، حصل مهدي يزداني خرم وأعظم بهروز على السيمرغ عن منتصف الليل، في حين منح دبلوم الشرف لأفضل سيناريو مقتبس لفيلم الرحيل.

Image

ولم تقتصر الجوائز على الأفلام الروائية، إذ خصص المهرجان مساحة معتبرة للأفلام الوثائقية والقصيرة. فقد منحت جائزة أفضل فيلم قصير لفيلم التجاوز، فيما حصد الوثائقي غابة قائم جائزة الإخراج، ونال من أجل ابنتي جائزة أفضل إخراج وثائقي. كما منحت جائزة أفضل إنتاج وثائقي لفيلم على ضفاف التايمز، ما يعكس استمرار اهتمام المهرجان بهذه الفئات، رغم هيمنة المسابقة الروائية على الاهتمام الإعلام. وشهدت الدورة أيضا تكريما لعدد من الممثلين الأطفال، بمنح دبلومات شرف لأبطال التجديف في طهران وأرض الملائكة والرحيل، في إشارة إلى الحضور اللافت للطفولة في بعض الأعمال، سواء على مستوى البطولة أو في البناء الدرامي.

Image

من بين اللحظات البارزة في حفل الختام، كانت كلمة رئيس الجمهورية، الذي دعا إلى ترميم الجراح وتعزيز الوحدة، معتبرا أن دور الفنان لا ينفصل عن دور السياسي في حماية تماسك المجتمع. وقد أثارت كلمته تفاعلا واسعا، خصوصا في ظل الانتقادات التي طالت المهرجان من بعض المنابر الإعلامية.

Image

على مستوى التنظيم، سعت إدارة الدورة إلى تقليص التشتت في العروض، والتركيز على عدد محدد من الصالات في طهران، غير أن بعض التعديلات في جدول العروض أثارت جدلا، كما لفتت الأنظار كثافة المؤتمرات الصحفية، التي تراوحت بين جلسات مزدحمة وأخرى محدودة الحضور، ما عكس تباين الاهتمام بالأفلام.

وفي ختام الدورة، منحت جائزة سيمرغ الجمهور لفيلمي مغسل الموتى واسكورت بعد تقارب كبير في الأصوات، في دلالة على انقسام الذائقة بين أعمال ذات طابع درامي اجتماعي وأخرى ذات معالجة أكثر مباشرة.

في المجمل، عكست الدورة الرابعة والأربعون من مهرجان فجر صورة مركبة للسينما الإيرانية اليوم، حضور شبابي ملحوظ، تركيز على موضوعات وطنية وسياسية، سعي إلى التوازن بين الاحتفالية والرسالة، وجدل واسع حول مستوى بعض الأعمال وآليات الاختيار. وبين الإشادة الرسمية والانتقاد الإعلامي، يبقى مهرجان فجر حدثا مفصليا في المشهد الثقافي الإيراني، يختصر في كل دورة تحولات الفن والمجتمع والسياسة في آن واحد.

كلمات مفتاحية: