رحيل أحمد توكلي بعد رحلة سياسية وإعلامية ثورية ونضال وطني من أجل النزاهة والشفافية والعدالة (بروفايل)

كتب: ربيع السعدني 

في يوم الأربعاء 23 يوليو/تموز 2025، غيّب الموت الناشط السياسي المحافظ والبرلماني والوزير السابق أحمد توكلي، بعد صراع طويل مع المرض وإصابته بأزمة قلبية، رحل عن عمر يناهز 74 عاما، تاركا وراءه إرثا سياسيا وفكريا معقدا في إيران.

كان رمزا للالتزام بمبادئ الثورة لعام 1979، وناقدا صلبا للانحرافات عن تلك المبادئ، حيث جمع بين الثورية والبراغماتية في مسيرته الطويلة من خلال مناصبه العديدة، سواء كعضو برلمان، أو وزير، أو مرشح رئاسي سابق، أو مؤسس لمؤسسات إعلامية ورقابية، ترك توكلي بصمة لا تُمحى في المشهد السياسي والاقتصادي الإيراني. 

جذور الثورية في بهشهر

ولد أحمد توكلي عام 1951 في مدينة بهشهر الواقعة في إقليم مازندران، وهي منطقة تتميز بتاريخها الثقافي والاجتماعي العريق، كان جده تاجرا من أصفهان، وكان يتاجر مع القوقاز وروسيا في أواخر العهد القيصري، واستقر في شمال إيران بعد الثورة البلشفية، نشأ في عائلة متدينة، واهتم بالنشاط السياسي والثوري منذ صغره، حيث غُرست فيه قيم العدالة الاجتماعية والدفاع عن حقوق الفقراء منذ صغره، كان شغفه بالتعليم واضحا، حيث التحق بجامعة طهران لدراسة الاقتصاد، ليصبح لاحقا واحدا من أبرز الاقتصاديين الإيرانيين الذين حاولوا الجمع بين النظريات الاقتصادية الحديثة والمبادئ الإسلامية.

في عام 1969، التحق أحمد توكلي بجامعة بهلوي (شيراز حاليا) وبدأ دراسته في تخصص الهندسة الكهربائية، لكنه في عام 1971، طُرد من الجامعة قبل إكمال دراسته بسبب مشاركته في احتجاجات طلابية وإضراب ضد نظام محمد رضا بهلوي بعد الثورة، وفي الأشهر الأولى للثورة عام 1979، برز توكلي كشخصية ديناميكية، حيث شغل مناصب في اللجنة الثورية والنظام القضائي في بهشهر، كان يُنظر إليه كشاب طموح يحمل رؤية واضحة لتحقيق أهداف الثورة، التي كانت تدعو إلى العدالة الاجتماعية والاستقلال السياسي والاقتصادي.

استأنف توكلي دراسته، وفي عام 1989، بدأ دراسة الاقتصاد لاحقا، حصل على درجة الدكتوراه في الاقتصاد عام 1996 من جامعة نوتنغهام في إنجلترا، تناولت أطروحته أسباب التضخم في الاقتصاد الإيراني بين عامي 1972 و1990، وقد أُجري هذا البحث بدعم مالي من وزارة الثقافة والتعليم العالي الإيرانية.

علاقة وثيقة بآل لاريجاني

بعد عودته إلى إيران، انخرط توكلي في العمل الأكاديمي، حيث شغل منصب أستاذ مساعد في الاقتصاد بكلية العلوم الاقتصادية والسياسية في جامعة الشهيد بهشتي ثم واصل نشر العلم والبحث في أروقة الجامعة حتى اعتزاله في عام 2013، تاركا إرثا أكاديميا مميزا، كما تربط أحمد توكلي صلات عائلية وثيقة بآل لاريجاني، حيث يعد ابنه ابن عم غير شقيق للأخوين لاريجاني، وزوجته ابنة عمهما، ينعم بحياة عائلية غنية، فهو أب لسبعة أبناء: ابنتان وخمسة أبناء ومن بين أبنائه، زهير، الذي يرتبط بصهر صادق زيباكلام، الأكاديمي والمحلل السياسي الإيراني البارز، بينما كان ابنه الآخر، محمد توكلي، فنانا جرافيكيا موهوبا، لكنه فارق الحياة مبكرا عن عمر 34 عاما إثر إصابته بفشل كبدي.

مسيرة سياسية مضطربة

ترشح للانتخابات الرئاسية مرتين؛ مرة ضد هاشمي رفسنجاني، ومرة أخرى ضد محمد خاتمي، الذي حل ثانيا بعدهما في الجولتين، كما ترشح في الانتخابات الرئاسية التاسعة، لكنه انسحب قبل الانتخابات لصالح محمد باقر قاليباف.

في الثمانينيات: بدأ توكلي يترك بصمته على الساحة السياسية الإيرانية، وشغل منصب وزير العمل في حكومة رئيس الوزراء مير حسين موسوي، حيث ركز على تحسين ظروف العمال وتعزيز سياسات العدالة الاجتماعية لكنه، وبروح الناقد الثوري، استقال من منصبه احتجاجا على سياسات اقتصادية اعتبرها غير متوافقة مع مبادئ الثورة، هذه الخطوة عكست شخصيته المبدئية، التي لم تتردد في مواجهة السلطة عندما يتعلق الأمر بالمبادئ.

في التسعينيات: خلال فترة رئاسة أكبر هاشمي رفسنجاني، برز توكلي كواحد من أشد منتقدي سياساته الاقتصادية، التي رأى أنها انحرفت نحو الليبرالية وأثرت سلبا على الطبقات الفقيرة وفي عام 1993، ترشح للانتخابات الرئاسية ضد رفسنجاني، حيث قدم نفسه كبديل يدافع عن العدالة الاجتماعية ومبادئ الثورة ورغم خسارته، فإن حملته الانتخابية الرئاسية عززت مكانته كصوت قوي للمعارضة، في هذه الفترة، حصل على منحة دراسية لإكمال الدكتوراه في الاقتصاد في إنجلترا، مما أضاف إلى رصيده الفكري والأكاديمي.

في عهد خاتمي: ومع وصول محمد خاتمي إلى الرئاسة، اتخذ توكلي نهجا أكثر اعتدالا في النقد، مع التركيز على القضايا الاقتصادية، كان عضوا نشطا في البرلمان خلال الدورات السابعة والثامنة والتاسعة، حيث لعب دورا محوريا في استقرار أسعار الطاقة بالتعاون مع زملائه، مثل إلياس نادران، كما ساهم في صياغة سياسات تهدف إلى الحفاظ على استقرار الاقتصاد الإيراني في مواجهة التحديات الداخلية والخارجية.

في عهد أحمدي نجاد: أبدى توكلي تأييدا حذرا لسياساته، لكنه سرعان ما تحول إلى أحد أبرز منتقديه رأى توكلي أن برامج أحمدي نجاد الاقتصادية، مثل توزيع الإعانات النقدية، كانت غير مستدامة وأدت إلى تفاقم التضخم، هذا التحول عكس مرونته الفكرية وقدرته على تقييم السياسات بناء على نتائجها وليس على أساس الانتماءات السياسية.

في عهد حسن روحاني وإبراهيم رئيسي: واصل توكلي دوره كناقد معتدل، مع التركيز بشكل خاص على مكافحة الفساد الاقتصادي، كرئيس لمنظمة “مراقبة الشفافية والعدالة”، وصار أحمد توكلي صوتا قويا في كشف الفساد وتعزيز الشفافية في المؤسسات الحكومية.

وكان يرى أن الفساد هو أحد أكبر التحديات التي تواجه طهران، وأن العودة إلى مبادئ الثورة تتطلب إصلاحات جذرية في النظام الاقتصادي، وهو أيضا رئيس مجلس أمناء المجمع الثقافي والتربوي للمعلمين (للبنين)، الذي تأسس عام 1980.

لاحقا أصبح وزيرا للعمل ومتحدثا باسم حكومة المهندس موسوي، لكنه استقال بعد فترة وتفرغ للإعلام.

الإرث الإعلامي

بعد استقالته من الوزارة، أسس أحمد توكلي صحيفة “رسالة”، ثم سافر إلى إنجلترا لمواصلة دراسته، وبعد حصوله على الدكتوراه، عاد إلى إيران عام 1987 وأصدر توكلي صحيفة “فردا”، التي كانت تهدف إلى أن تكون منبرا للنقاش الفكري والسياسي المستقل، على الرغم من توقف الصحيفة عن الصدور بعد فترة بسبب تحديات مالية وسياسية، إلا أنها ساهمت في إثراء الحوار العام في إيران، لاحقا، أطلق موقع الأخبار “ألف”، وهو من أوائل المنافذ الإعلامية التحليلية باللغة الفارسية في الفضاء الإلكتروني، ولا يزال أحد شخصياته المؤثرة الذي واصل مهمته في تعزيز الشفافية ونقل الحقائق إلى الجمهور. 

هذه المبادرات عكست إيمانه بأهمية الإعلام كأداة للتغيير الاجتماعي والسياسي.

في العام 2015، أطلق مبادرة “مراقبة العدالة والشفافية”، وهي منظمة غير حكومية لا يزال يقودها بفعالية حتى اليوم وفي عام 2019، وجه أحمد توكلي رسالة إلى إبراهيم رئيسي، رئيس السلطة القضائية آنذاك، كاشفا فيها عن عملية استيلاء قام بها عنصران أمنيان على أراضٍ في مدينة قزوين.

رؤية لم تكتمل

كان توكلي من الاقتصاديين القلائل الذين حاولوا الجمع بين الاقتصاد الحديث والمبادئ الإسلامية، سعى إلى إنشاء نظام اقتصادي يعكس قيم العدالة الاجتماعية والبساطة التي دعت إليها الثورة. 

ومع ذلك، واجه تحديات كبيرة في تحقيق هذه الرؤية على سبيل المثال، ساهم في صياغة قانون العمل في الستينات، لكنه أثار جدلا بسبب إصراره على وقف سياسات التكيف الاقتصادي في السبعينيات وتثبيت الأسعار في الثمانينات، وهي خطوات اعتبرها البعض غير فعالة أو أدت إلى انحرافات في النظام الاقتصادي.

كان توكلي مزيجا فريدا من الثورية العاطفية والبراغماتية العقلانية، كان يؤمن بأن السياسات يجب أن تخدم الجماهير، وأن الشفافية والعدالة هما أساس الحكم الرشيد لكنه، في الوقت نفسه، لم يكن متعصبا لفكرة واحدة، بل كان مستعدا لتغيير مواقفه بناء على الأدلة والنتائج، هذا التوازن جعله شخصية محترمة حتى بين خصومه، رغم أن نقده الحاد أحيانا جعله عرضة للانتقادات.

التحديات والإرث

على الرغم من جهوده الكبيرة، واجه توكلي تحديات جمة في تحقيق رؤيته، لم يتمكن من إصلاح النظام الاقتصادي بشكل كامل، ولم تكن كل سياساته ناجحة ومع ذلك، فإن إصراره على الشفافية ومكافحة الفساد، ودعمه لمبادئ الثورة، جعله رمزا للنزاهة في السياسة الإيرانية، كان توكلي يرى أن طهران بحاجة إلى تجديد مستمر لتبقى وفية لأهدافها الأصلية، وهي رسالة ظلت تتردد في أعماله حتى اللحظات الأخيرة من حياته.

خسارة وطنية

في الأيام الأخيرة من حياته، عانى توكلي من مرض خطير أدى إلى نقله إلى أحد مستشفيات طهران، وفاته تركت فراغا في الساحة السياسية الإيرانية، حيث فقدت البلاد صوتا ناقدا ومصلحا كرس حياته لخدمة الشعب والدفاع عن العدالة، إرثه سيظل حيا من خلال منظمته “مراقبة الشفافية والعدالة”، وكذلك من خلال الأجيال التي ألهمها بنهجه المبدئي في السنوات الأخيرة، تم تشخيص إصابة أحمد توكلي بمرض باركنسون، ولهذا السبب نادرا ما ظهر في الأوساط العامة والإعلامية قبل رحيله.