- زاد إيران - المحرر
- 610 Views
كتب: الترجمان
في عالم الترجمة السياسية، يبدو الخطأ أحيانا كحجر صغير يُلقى في بحيرة هادئة؛ تظنه بسيطا، لكنه يصنع دوائر لا نهاية لها.
فالعمل مع الأخبار لا يعتبر مجرد نقل كلمات من لغة إلى أخرى، إنما هو عمل على خطوط التماس بين المعلومة والسياق، بين المصطلح والجهة التي تصدر عنه، وبين الواقع الذي تكتبه الصحافة والخيال الذي قد يصنعه مترجم متعجّل.
ومن بين النوادر الكثيرة التي مررت بها خلال عملي في ترجمة المواد الفارسية، نادرة طريفة — ومحرجة في نفس الوقت — بطلها هذه المرة مترجمة شابة، لكنها لم تكن قد تعلّمت بعد أنّ “المصدر” أهم من “النص” نفسه.
كنتُ في أحد الأيام أراجع مجموعة من المواد الإخبارية الواردة من إيران في غرفة الترجمة بموقع “زاد إيران”، مقالات، وتقارير، وبيانات رسمية. وكل مترجم كان مكلفا بقطعة معينة، ثم يجري جمعها في ملف التحرير النهائي.
وبينما أتصفّح إحدى المواد، وجدت في بدايتها تعريفا جميلا وبسيطًا:
“نشرت صحيفة (فارس) الإيرانية تقريرا جديدا حول تطورات الملف النووي…”
توقفت.
ثم أعدت القراءة مرة ثانية، وثالثة، ورابعة…
“صحيفة فارس الإيرانية”؟!
أيعقل أن تكون وكالة فارس للأنباء — وهي أشهر وكالة شبه رسمية في إيران — قد تحوّلت بين عشية وضحاها إلى صحيفة دون أن يخبرونا؟!
فتحت المادة الفارسية الأصلية لأتأكد، فوجدت الجملة واضحة وضوح الشمس:
“خبرگزاری فارس” أي وكالة فارس للأنباء. ولا وجود لأي كلمة تشير إلى صحيفة أو موقع خبري.
استدعيت المترجمة المسؤولة، وقلت لها بلطف:
– لماذا كتبتِ “صحيفة فارس الإيرانية “؟
قالت بثقةٍ تحسد عليها:
– لأن كلمة “agency” في العربية قد تبدو ثقيلة، فقلت أستخدم “صحيفة” بدلا منها… المهم أن القارئ يعرف أن هذا مصدر خبري!
ابتسمت وقلت لها:
– يا أستاذة… أنتِ بهذا التعريف لم تُبسّطي المعلومة، بل غيّرتِ المؤسسة نفسها! فالصحيفة شيء، والموقع شيء، ووكالة الأنباء شيء آخر تماما.
هذه ليست مرادفات… هذه كيانات إعلامية مختلفة!
ثم جلست أشرح لها — ولمن حضر الحوار — الفروق الثلاثة التي يقع فيها كثير من المترجمين:
الصحيفة (Newspaper)هي مطبوعة يومية أو أسبوعية لها هيئة تحرير، ورئاسة تحرير، وطابع تقريري وتحليلي. وحين تقول إن شيئا نُشر في “صحيفة”، فأنت تشير غالبا إلى رأي محرر، مقال كاتب، أو تحقيق مطوّل.
الموقع الإخباري (News Website)
وهو منصة رقمية قد تكون مستقلة، أو تابعة لصحيفة، أو مؤسسة خاصة. ولا يُعدّ بالضرورة مصدرا رسميا، وغالبا ما يعتمد على تجميع الأخبار من وكالات أخرى.
وكالة الأنباء (News Agency)وهنا تكمن الخطورة إن اختلط الأمر. فالوكالة ليست صحيفة ولا موقعا، بل هي الجهة التي تصنع الخبر الخام. الوكالة تملك مراسلين معتمدين، وتصدر الأخبار الرسمية للدولة، وتنقل تصريحات الوزراء والمؤسسات الحكومية. ويمكن أن تكتب صحيفة تقول: “أعلنت وكالة كذا”، لكن لا يمكن لصحيفة أن تحل محل وكالة.
قلت لها:
– عندما تكتبين “صحيفة فارس” بدل “وكالة فارس”، فأنتِ لا تغيرين كلمة… أنتِ تغيرين نوع المؤسسة، وطريقة تلقي الخبر، ومصداقيته، ودلالته السياسية.
الصحيفة تعطي انطباعا بالرأي والتحليل، بينما الوكالة تعطي انطباعا بالمعلومة الأولية الرسمية. الفارق جوهري.
هزّت رأسها بتفهّم، ثم سألتني:
– يعني يعتبر خطأ كبير؟
ضحكت وقلت:
– كبير إلى الحد الذي يجعل مسؤولا حكوميا يتساءل: “من قال ذلك؟ وكالة رسمية؟ أم صحيفة خاصة؟”
وفي السياسة… التفاصيل الصغيرة تُشعل أحيانا عناوين كبيرة!
وما يعمّق المشكلة أن كثيرا من المواقع العربية — للأسف — تنسخ الترجمة كما هي دون مراجعة، فيُصبح لدينا فجأة “صحيفة فارس”، و“موقع إيرنا”، و“وكالة اعتماد”، وكأن المترجمين قرروا إعادة هيكلة الإعلام الإيراني من الصفر!
والحقيقة أن تصنيف المؤسسة جزء من فهم السياق. فحين تقول إن خبرا صدر “عن وكالة إيرنا”، فهذا يعني ضمنا أنه خبر له صلة بالمؤسسة الرسمية.
وحين تقول إنه ورد في “صحيفة اعتماد”، فأنت تشير ضمنا إلى رأي صحفي إصلاحي قد يكون نقديا أو تحليليا.
وهذا الفارق يؤثر على القارئ، وعلى المحرر، وعلى من يتابع المشهد الإيراني، لأن كل مؤسسة تعبّر عن لون سياسي وإعلامي محدد.
الخلاصة التي خرجت بها من هذه النادرة أنّه لا يمكن لمترجم سياسي أن يعمل دون معرفة الفرق بين صحيفة، ووكالة، وموقع، ومجلة، وتلفزيون، وحساب رسمي.
وإلى لقاء في نادرة جديدة من نوادر المترجمين.

