- زاد إيران - المحرر
- 658 Views
كتب: برهان محمودي
تُخصِّص إيران في تقويمها الرسمي الفترة من 22 إلى 28 سبتمبر/أيلول لإحياء “أسبوع الدفاع المقدس”، تخليدا لذكرى اندلاع الحرب مع نظام البعث العراقي عام 1980. ويُعد هذا الأسبوع محطة بارزة لاستحضار واحدة من أكثر المراحل مصيرية في تاريخ إيران المعاصر، حيث يعمل الإيرانيون من خلال مراسم تكريم الشهداء، والمعارض الثقافية، والبرامج التعليمية على نقل حقائق تلك المرحلة وقيمها إلى الأجيال الجديدة.
وهكذا، فإن أسبوع الدفاع المقدس لا يُختزل في كونه مجرد ذكرى لحرب دامت ثمانية أعوام، بل يمثل مناسبة للتأمل في منظومة القيم التي أسست لركائز الهوية الوطنية الإيرانية، من صمود ووحدة وتضحية وإيمان بالقدرات الذاتية.
انعكاسات الحرب: القدرات الدفاعية وثقافة المقاومة
على الرغم من الخسائر الجسيمة والآلام التي خلّفتها سنوات الحرب، فإن فترة الدفاع المقدس أفرزت مكاسب استراتيجية حددت مسار مستقبل إيران، ولعل أبرز هذه المكاسب كان تعزيز القدرات الدفاعية وتحقيق الاكتفاء الذاتي العسكري. فمع اندلاع الحرب، كان الجيش الإيراني يعتمد بشكل شبه كامل على الأسلحة وقطع الغيار الأمريكية التي حُرم منها بعد الثورة نتيجة العقوبات، لكن امتداد أمد الصراع دفع الصناعات المحلية إلى النهوض لتلبية احتياجات الجبهات.
وهكذا، أعيد تشغيل المصانع العسكرية بجهود مضنية من الخبراء الإيرانيين، وأُنتجت داخليا ذخائر متنوعة من قذائف المدفعية والهاون والألغام والأسلحة الخفيفة. هذا التأسيس للصناعة الدفاعية جعل إيران، في مرحلة ما بعد الحرب، قادرة على تصنيع معظم احتياجاتها التسليحية، واليوم، يتم تصنيع أكثر من 90% من معدات وتسليح القوات المسلحة الإيرانية محليا.
وقد انعكس هذا الاكتفاء مباشرة في تطور البرنامجين الصاروخي والطائرات المسيّرة، اللذين يستندان إلى دروس الحرب وتجاربها. فبعد إدراك محدودية سلاحها الجوي المتهالك في مواجهة نظام صدام وحلفائه، اتجهت الجمهورية الإسلامية إلى تطوير الصواريخ الباليستية كسلاح ردع استراتيجي. وكانت أولى هذه الصواريخ محلية الصنع ثمرة لمرحلة ما بعد الحرب، وهي التي غيّرت ميزان القوى في المنطقة. واليوم تُعَد إيران من القوى الصاروخية البارزة في الشرق الأوسط، بفضل ما تعلمته من تجربة الدفاع المقدس.
كما تركت الحرب بصمتها على إعادة تشكيل القوات المسلحة. فقد تحوّل الحرس الثوري خلال سنوات القتال من قوة ناشئة وغير منتظمة إلى جيش متكامل، وظل بعد الحرب أحد أعمدة القدرات الدفاعية الإيرانية. أما التنسيق الذي ترسخ بين قادة الجيش والحرس خلال العمليات، فقد أرسى مستوى غير مسبوق من التعاون ما زال يشكّل ركيزة لأمن البلاد حتى اليوم. إلى جانب ذلك، بقيت قوات الباسيج الشعبية بمثابة قوة احتياط استراتيجية، لعبت دورا حاسما كلما واجهت إيران تهديدا خارجيا أو داخليا.
لكن الأثر الأعمق لم يكن في العتاد العسكري وحده، بل في ترسيخ ثقافة الصمود وروح الاعتماد على الذات. فقد أيقن الإيرانيون خلال سنوات الحرب أنه بالإيمان والاعتماد على القدرات المحلية، وبشعار “نحن نستطيع”، يمكن التغلب على أصعب التحديات، هذه العقلية التي عُرفت لاحقا باسم “ثقافة المقاومة” أصبحت جزءا لا يتجزأ من هوية الثورة الإسلامية.
إن ثقافة المقاومة تعني أن شعبا ما قادر على مواجهة عدو أقوى منه بالإيمان والتضحية، دون الخضوع لإملاءات القوى المتسلطة، وقد انعكس هذا الميراث الثقافي في العقود التالية على الأدب والفنون والتعليم في إيران، ليصبح إحدى الركائز الأساسية في الوعي الجمعي الوطني.

التأثيرات الإقليمية وإلهام الحركات
لم تقتصر تداعيات الحرب بين إيران ونظام البعث العراقي على الداخل الإيراني فحسب، بل تركت أثرا عميقا على معادلات المنطقة بأسرها، إذ إن كثيرا من تحولات الشرق الأوسط خلال العقود التالية ارتبطت بشكل مباشر أو غير مباشر بتلك الحرب.
لقد أسفر صمود إيران طيلة ثماني سنوات عن بروز محور مقاومة في مواجهة الهيمنة الأمريكية وحلفائها، وهو المحور الذي ما زال قائما حتى اليوم، فالحرب علّمت قادة الجمهورية الإسلامية أن ضمان العمق الاستراتيجي لإيران يتطلب بناء تحالفات إقليمية ودعم القوى المتحالفة معها في دول أخرى، بما يردع أي عدوان خارجي جديد على أراضيها.
من هنا بدأت إيران خلال سنوات الحرب دعمها المبكر للمعارضة العراقية، عبر تأسيس المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق ومساندة المقاتلين الشيعة والأكراد ضد نظام صدام. ورغم أن هذه الجهود لم تُسقط النظام آنذاك، فإنها أرست قاعدة للتواصل مع تلك القوى المعارضة، التي برز دورها لاحقا بعد سقوط صدام عام 2003.
كما كانت الإلهامات الأيديولوجية من أبرز نتائج الحرب، إذ تحوّل صمود إيران في وجه الغزو وتحملها كلفة باهظة دون استسلام إلى نموذج يُحتذى لدى كثير من الشعوب وحركات التحرر في المنطقة. ومع الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982، أرسلت إيران قوات من الحرس الثوري إلى البقاع، وساهمت في نشأة المقاومة الإسلامية في لبنان. ومن رحم تلك التجربة وُلد حزب الله، الذي استلهم الثورة الإسلامية وتجربة «الدفاع المقدس»، وجعل من «المقاومة حتى النصر» نهجا ثابتا. وقد تمكّن الحزب، رغم تواضع إمكاناته، من دحر القوات الإسرائيلية من لبنان لاحقا.
ويذهب بعض المحللين الغربيين إلى أن ما يُعرف بـ«هندسة الشهادة» في الشرق الأوسط يعود بجذوره إلى الحرب الإيرانية – العراقية، إذ حوّلت إيران التضحية بالنفس في سبيل العقيدة إلى سلاح استراتيجي. وقد طُبّق هذا النموذج أولا عبر المقاتلين الإيرانيين في لبنان، ثم طوّره حزب الله، قبل أن يمتد أثره إلى حركات فلسطينية مثل حماس في مقاومة الاحتلال.
وهكذا انتشرت فكرة الاستشهاد والمقاومة، التي نظّرت لها إيران ومارستها خلال سنوات الحرب، في مختلف أنحاء المنطقة، سواء في مواجهة الاحتلالات العسكرية كما في فلسطين ولبنان، أو في مقارعة أنظمة استبدادية.
ومن منظور جيوسياسي، حملت تلك الحرب سلسلة من التداعيات المتلاحقة. فالصراع الذي كان يُراد منه احتواء الثورة الإسلامية، انتهى إلى تعميق خطاب مناهضة الهيمنة الذي رفعت إيران رايته. ومع انتهاء الحرب، غدت طهران الداعم الأبرز لحركات التحرر في العالم الإسلامي: من الانتفاضة الفلسطينية، إلى المقاومة البوسنية ضد الصرب في تسعينيات القرن الماضي.
إن ما يُعرف اليوم بـ«محور المقاومة» في أدبيات المنطقة يجد جذوره في ثقافة المقاومة التي تبلورت إبان الحرب. وقد برهن هذا المحور في محطات حاسمة – كحرب لبنان عام 2006 (الحرب 33 يوما) وحروب غزة المتعددة – على قدرته على الصمود بوجه جيوش مدججة، مغذيا القناعة بأن إرادة المقاومة كفيلة بكسر أسطورة التفوق المطلق لأي قوة عسكرية.
دور الشهداء والمضحّين في إعادة الإعمار بعد الحرب
شكّل عام 1988، مع انتهاء الحرب، بداية فصل جديد في تاريخ إيران؛ فصل إعادة إعمار ما دُمِّر وترميم الجراح الغائرة. وفي قلب هذا الفصل، برز دور الشهداء والمصابين وأسرهم في صياغة البعد الثقافي والروحي لمرحلة ما بعد الحرب. فقد قدّم المجتمع الإيراني ثمنا باهظا دفاعا عن استقلاله، إذ خسر ما يقارب نصف مليون بين قتيل وجريح، الأمر الذي استدعى صون قيمة تلك التضحيات وتحويلها إلى رصيد وطني للمستقبل.
لهذا الغرض، أُنشئت مباشرة بعد الحرب مؤسسات مخصّصة لتكريم ورعاية المضحّين، كان أبرزها “مؤسسة الشهيد وشؤون المضحّين”، التي تولّت رعاية أسر الشهداء والمصابين، وقدّمت لهم مساعدات مالية وخدمات طبية، إلى جانب امتيازات في مجالات العمل والتعليم. كما تكفّلت الدولة بدعم أسر الشهداء الذين فقدوا مُعيلهم عبر معاشات شهرية وحصص توظيفية، فيما خضع المصابون بإعاقات جسدية أو إصابات كيميائية لعلاجات طويلة الأمد، وأُنشئت مراكز تأهيل خاصة بهم. هذه الإجراءات لم تقتصر على البُعد المعيشي، بل حملت رسالة أخلاقية واضحة للمجتمع: “تضحيات هؤلاء لم ولن تُنسى، والأمة مدينة بدماء الشهداء ومعاناة الجرحى”.
ومع مرور الوقت، تحوّل الشهداء إلى رموز وطنية ونماذج أخلاقية. فقد أُدرجت وصاياهم وملاحمهم في الكتب الدراسية للمدارس والجامعات لتربية الأجيال الجديدة على مبادئهم وقيمهم، فيما اهتمت وسائل الإعلام بنشر مذكّرات المقاتلين وأسر الشهداء، التي لاقت صدى واسعا بين الناس. كما زُيّنت الساحات العامة بصورهم، وخلّدت أسماؤهم في شوارع ومبانٍ ومؤسسات. ومن أبرز الأمثلة، قصة الفتى الشهيد حسين فهميدة التي أُدرجت في المناهج الدراسية، ويُحيى ذكراه سنويا في “يوم التعبئة الطلابية”.
المتاحف وإرث الشهداء في الذاكرة الوطنية
في طهران وسائر المدن الإيرانية، أُنشئت متاحف الدفاع المقدس حيث تُعرض مقتنيات شخصية للشهداء، وصورهم، وتذكارات الحرب، في إطار جهود ترمي إلى إبقاء ثقافة الشهادة والتضحية حيّة في الذاكرة الجمعية للإيرانيين.
وبهذا المعنى، أصبح استحضار الشهداء معيارا للتديّن والولاء للوطن، فيما عُدّ التمسك بقيمهم وأهدافهم واجبا أخلاقيا على عاتق الأجيال اللاحقة. كما ساهمت أسر الشهداء والجرحى، بصبرها وثباتها، في إعادة بناء النسيج الأخلاقي للمجتمع، إذ تحوّل كل بيت من بيوتهم إلى مدرسة في التضحية والعطاء.
أما المقاتلون والجرحى أنفسهم، فقد أدّوا بعد الحرب دورا نشطا في إعادة إعمار البلاد. فكثير من قادة الأمس وأعضاء الباسيج الجبهات غدوا جنود البناء والتشييد، يواصلون بذات الروح الجهادية مشاركتهم في مشاريع عمرانية وصناعية وتنموية. كما تحوّلت الوحدات الهندسية التابعة للحرس الثوري إلى مقرات للبناء والإعمار، تسهم في تشييد الطرق والسدود والمساكن والمصانع. وكان لحضور هؤلاء المجرَّبين في ميادين العمل أثر بارز في تسريع إعادة إعمار المناطق المنكوبة بالحرب، مثل خرمشهر، وعبادان، والأهواز، وعشرات القرى الحدودية التي استعادت حياتها بفضل جهودهم.
إن إرث الشهداء والمصابين لا يزال حتى اليوم عاملا يوحّد المجتمع الإيراني ويغذّيه بالإلهام. فكلما واجهت البلاد تهديدا خارجيا جديدا، سواء في ظل ضغوط الولايات المتحدة أو مع تحركات الجماعات الإرهابية، كان استدعاء بطولات سنوات الحرب مع نظام البعث كفيلا بتعبئة الشعب والمسؤولين معا للدفاع عن الوطن.
