- محمود شعبان
- 333 Views
نشرت الصحيفة الإيرانية “فرهیختكان“، الثلاثاء 2 سبتمبر/أيلول 2025، تقريرا ذكرت فيه أن زيارة الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، للصين للمشاركة في قمة منظمة شنغهاي للتعاون، تحمل أبعادا استراتيجية تتجاوز الطابع الدبلوماسي، وأكدت أن هذه الزيارة تأتي في ظل تشديد العقوبات الغربية وتزايد الحاجة إلى شريك اقتصادي قوي، حيث تراهن طهران على بكين في مجالات التجارة والطاقة والبنية التحتية.
منظمة شنغهاي
ذكرت الصحيفة الإيرانية “فرهیختکان” أن مسعود بزشكيان، رئيس الجمهورية الإيرانية، وصل يوم الأحد 31 أغسطس/آب 2025، إلى الصين للمشاركة في قمة قادة منظمة شنغهاي للتعاون والقمة المعروفة بـ”شنغهاي بلاس”.
وتابعت أن الرئيس الإيراني سيجري خلال هذه الزيارة التي تستمر أربعة أيام برامج ولقاءات متعددة، كما سيشارك في العرض العسكري واحتفالات الذكرى الثمانين لانتصار الحرب العالمية الثانية وانتصار الصين على اليابان.
وأضافت أن خبراء ومحللي العلاقات الدولية اعتبروا هذه الزيارة بالغة الأهمية والحيوية.
وأشارت إلى أن “نظرة على العلاقات التجارية بين إيران والصين تظهر أن هذه العلاقات بلغت في الوقت الراهن ذروتها، حيث سجّل البلدان رقما قياسيا سواء في مجال النفط أو في الصادرات غير النفطية، إذ ارتفع حجم التجارة غير النفطية لبلادنا من نحو 300 مليون دولار في عام 1995 إلى أكثر من 34 مليار دولار في العام الماضي، وهو ما يعكس نموا بمعدل 113 ضعفا”.
واستطردت أن الخبراء الاقتصاديين في حديثهم مع “فرهیختكان” يؤكدون أن أولوية إيران في التعامل مع الصين يجب أن تكون إنشاء هيكل رسمي للمدفوعات مع بكين، بحيث يتم جزء من التسوية التجارية لإيران، التي تُجرى حاليا بالدرهم الإماراتي، باليوان الصيني، وأن تنتقل من شبكة “تراستي” إلى الشبكة المصرفية.

استقلال المنظومة التجارية عن الدولار
وذكرت الصحيفة أن أحمد صالحي، الخبير الاقتصادي، أوضح أن أهم نقطة بخصوص زيارة الرئيس الإيراني للصين هي وضع برنامج شامل وطويل الأمد يقدّم صورة كبرى عن التعاون الثنائي.
وتابعت أن “هذا البرنامج يجب أن يتضمن خطوات تنفيذية قصيرة المدى، وأن يحمل في طياته طموحا بلا حدود، ولتحقيق النجاح، يجب قبل الزيارة تقديم خطة شاملة وكاملة إلى الطرف الصيني.
على أن يشمل هذا البرنامج جميع أبعاد التعاون، بدءا من المجالات التجارية والاقتصادية وصولا إلى السياسة والثقافة والسياحة وممرات النقل والجغرافيا السياسية وحتى التعاون العسكري.
وفي هذا السياق، من الضروري إجراء عصف ذهني داخلي وطرح الأفكار بلا قيود، بل يجب حتى مناقشة إمكانية إنشاء قاعدة عسكرية ضمن إطار القوانين الداخلية وبما يحفظ المبادئ القانونية، على أن يُتخذ القرار النهائي في حال الموافقة، رغم أن ذلك لن يتحقق في المدى القصير”.
وأضافت أن حجم التبادل التجاري بين إيران والصين يتراوح سنويا بين 40 و70 مليار دولار، وتشمل الصادرات الإيرانية بشكل رئيسي المواد الأولية، ويُعد أحد الأهداف الرئيسية تحقيق استقلال المنظومة التجارية عن الدولار والدرهم، والتركيز على المعاملات باليوان.
وأشارت إلى أن ذلك يتطلب تحليلا دقيقا لمواطن القوة والضعف والفرص والتهديدات، لمعرفة أسباب عدم حدوث هذا التحول حتى الآن، وما هي الشروط اللازمة لتحقيقه، وأكدت أن تقليص دور الدرهم لا يعني وقف التعاون مع الإمارات، بل يهدف إلى تنويع سلة التعاملات واستخدام هذه العلاقات كأدوات في اللعبة الاقتصادية.
واستطردت أن الصينيين خلال السنوات الـ13 أو الـ14 الماضية لم يلتزموا بالعقوبات الثانوية، وأجروا مع إيران حجما ملحوظا من المعاملات المالية.
وبالتالي، إذا تم تقديم برنامج طويل الأمد بشكل صحيح، فإن إمكانية توسيع هذه التعاونات قائمة، وأحد القيود الراهنة هو عدم كفاية إنتاج النفط الإيراني للتصدير إلى الصين، لا ضعف رغبة بكين في شراء النفط الإيراني.
وزيادة إنتاج النفط يمكن أن تعيد السوق الصينية نحو إيران، كما يجب تطوير العلاقات المصرفية وعمليات الوساطة الثنائية مع البنوك الصينية، وهو موضوع ينبغي أن يحظى باهتمام خاص خلال هذه الزيارة.

إيران والصين
ميلاد ترابي، الخبير الاقتصادي، أوضح أن إحدى القضايا الأساسية في المفاوضات الاقتصادية والدولية هي النظرة السطحية والمركَّزة على المشاريع للحكومات.
وتابع ترابي أن النهج الإيراني في السنوات الماضية خلال التعامل مع دول مثل الصين كان يتركز أكثر على تنفيذ مشاريع منفردة، من دون الأخذ بالاعتبار الاستراتيجيات الكبرى، وهو ما أدى إلى أن العديد من المفاوضات لم تصل إلى نتيجة أو بقيت عند مستوى أدنى من الطاقات المتاحة.
وأكد أن ما يجب أن يكون الآن في صدارة الأولويات هو صياغة ومتابعة استراتيجية صناعية شاملة، تقوم على “دورات مغلقة ومتآزرة” في السياسة الصناعية، بمعنى إيجاد آلية متماسكة ومستدامة للتعاون طويل الأمد مع الدول المستهدفة، وعلى رأسها الصين.
وأضاف أن تحقيق هذا الهدف يتطلب الالتزام بعدة مبادئ أساسية:
- إيجاد هيكل رسمي للمدفوعات المالية مع الصين: وهو ما يقلل الاعتماد على المسارات غير الرسمية وتجاوز العقوبات، ويعزز الشفافية المالية، كما يمكن أن يحرر تسوية إيران التجارية التي تجري حاليا بالدرهم والخاضعة للرقابة الأمريكية، مما يقلل من هشاشة إيران في هذا المجال.
- تصميم سلسلة توريد آمنة ومشتركة: فبناء سلاسل توريد موثوقة بين البلدين يعد من أركان التعاون الصناعي طويل الأمد، ويجب السعي إليه بجدية.
- الفهم المتبادل للمصالح المشتركة: إذ إن المحللين الإيرانيين حتى الآن نظروا إلى الصين غالبا من زاوية داخلية، بينما يتعين في إطار التعاون الاستراتيجي الاعتراف بمصالح الطرف الصيني ووجهة نظره وأخذها بالحسبان.
وأشار إلى أنه في النهاية، لا يمكن الوصول إلى علاقات صناعية مستقرة ومفيدة إلا إذا بُنيت الأسس الأولية ــ بما في ذلك هيكل المدفوعات والتسوية التجارية الرسمية، وسلسلة التوريد الآمنة، والفهم المتبادل للمصالح ــ بشكل صحيح، وبعد ذلك يصبح من الممكن تطوير التعاونات المشتركة وتوسيع مستويات التفاعل.
العقوبات
ذكرت الصحيفة أن وحيد شقاقي شهري، الخبير الاقتصادي، صرّح بأن إيران تواجه في الوقت الراهن تشديدا في العقوبات الدولية، عقوبات لم تقتصر على الاستمرار فحسب، بل تزداد شدتها يوما بعد يوم.
وتابعت أن تفعيل «آلية الزناد» بات مدرجا على جدول أعمال الدول الغربية، وهو ما سيؤدي على الأرجح إلى عودة عقوبات مجلس الأمن.
وفي الوقت نفسه، فرضت الولايات المتحدة بصورة منفردة عقوبات اقتصادية جديدة ضد إيران، والهدف الرئيسي منها هو إضعاف البنى الاقتصادية للبلاد.
وفي ظل هذه الظروف، فإن الأولوية الأهم للبلاد هي تأمين الاحتياجات الضرورية ومنع تعطل سلاسل إمداد السلع الأساسية والاستراتيجية، بعض المواد الأولية والسلع الوسيطة الحيوية، التي قد يؤدي غيابها إلى تعطيل الوحدات الإنتاجية، يجب توفيرها في أسرع وقت ممكن، كذلك ينبغي ضمان وصول السلع الاستهلاكية الاستراتيجية إلى المواطنين في الوقت المناسب ومن دون انقطاع.
وأضافت أن الصين يمكنها أن تؤدي دورا محوريا في تقليص آثار العقوبات، ولا سيما في ثلاثة مجالات:
1- تأمين المواد الأولية والسلع الوسيطة والاستهلاكية الاستراتيجية في الوقت المناسب،
2- ضمان استمرارية سلاسل إنتاج السلع الأساسية داخل البلاد،
3- التعاون في تنفيذ المشاريع الرئيسية مع التركيز على نقل المعرفة ورأس المال والتكنولوجيا.
وأشارت إلى أن الحكومة ينبغي أن تدخل في مفاوضات هادفة مع الجانب الصيني عبر تخطيط دقيق وشفاف، خصوصا في المشاريع التي تحتاج إلى التكنولوجيا والاستثمار الأجنبي، أو في القطاعات التي يتهدد توقف الإنتاج المحلي استمراريتها، ومن بين الحلول الفعالة، إقامة إنتاج مشترك مع العلامات التجارية الصينية داخل البلاد.
فعلى سبيل المثال، يمكن لمصنّع ألبسة إيراني أن يطلق علامة تجارية مشتركة مع شريكه الصيني في إيران، هذا النوع من التعاون يمكن أن يعزز جودة المنتجات ويوفر موارد مالية جديدة للمؤسسات المحلية.
ومن جهة أخرى، فإن المناطق الحرة التجارية والصناعية في إيران تمتلك طاقات كامنة لجذب الاستثمارات الصينية، ولا سيما بفضل الإعفاءات الضريبية وغيرها من الامتيازات، ومع توفير الأطر القانونية والتنفيذية اللازمة، يمكن أن تتحول هذه المناطق إلى بيئة للاستثمار المشترك ونقل التكنولوجيا.
واستطردت أن جميع هذه الأمور مشروطة بأن تكون الحكومة الإيرانية قد أجرت مسبقا تقييما دقيقا للاحتياجات، بما يشمل:
1- تحديد سلاسل الإنتاج الحيوية في البلاد.
2- تحديد دقيق للمواد الأولية والسلع الوسيطة والاستهلاكية الاستراتيجية.
3- إعداد قائمة بالمشاريع التي تحتاج إلى رأس المال والمعرفة الفنية الأجنبية.
4- استكشاف المجالات المحتملة للإنتاج المشترك بين المؤسسات الإيرانية والصينية.
وختمت الصحيفة بأن نجاح هذه التعاونات يتوقف على تقديم حزمة واضحة وموثقة وذات أرقام دقيقة من قبل الحكومة الإيرانية إلى الطرف الصيني، أما إذا لم تتوافر هذه المقدمات، فإن حتى اللقاءات السياسية رفيعة المستوى لن تفضي إلى نتائج اقتصادية ملموسة.

