- زاد إيران - المحرر
- متميز
- 862 Views
تشهد منطقة الشرق الأوسط حالة من الاضطراب السياسي المتسارع، حيث تتداخل الأزمات الإقليمية مع توترات دولية تجعل أي تحرك دبلوماسي أكثر تعقيدا من أي وقت مضى، فلم تعد الزيارات الرسمية مجرد مناسبات بروتوكولية، بل تحركات محسوبة تحمل رسائل سياسية وتفتح أبوابا قد تغلق سريعا إذا لم تستثمر جيدا.
وفي هذا المشهد المليء بالضغوط والصراعات، تبرز تحركات وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي الأخيرة كخطوات ذات أهمية خاصة، لأنها تأتي في مرحلة حساسة تحاول فيها طهران إعادة ترتيب علاقاتها مع العواصم الغربية والدول الإقليمية، وسط تصاعد التحديات المحيطة بملفاتها النووية والسياسية.
زيارة باريس… المحطة الأخيرة والأهم في رحلة عراقجي
وصل وزير الخارجية الإيراني إلى العاصمة الفرنسية باريس، الأربعاء 26 نوفمبر/ تشرين الثاني 2025، في زيارة رسمية تتجاوز إطار اللقاءات البروتوكولية، لتشكل، بحسب مراقبين، واحدة من أهم الخطوات الدبلوماسية التي تقدم عليها إيران منذ سنوات.
وتأتي هذه الزيارة بدعوة رسمية من وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، الذي أكد في بيان صادر عن مكتبه أن باريس ترى في هذه المحطة فرصة لإعادة تفعيل الحوار السياسي مع طهران بعد أشهر من البرود والتوتر الحاد، خصوصا عقب تفعيل آلية الزناد، آلية العقوبات الأوروبية ضد إيران، وما نتج عنها من ارتداد سياسي واسع على علاقة إيران بالعواصم الأوروبية.

هذا فيما تكتسب الزيارة أهمية خاصة، لأن فرنسا، بحكم دورها التاريخي في الملف النووي وكونها عضوا دائما في مجلس الأمن، تمثل بوابة مهمة بالنسبة لطهران نحو إعادة تشغيل قنوات التفاوض مع الغرب، كما أن باريس قد اعتادت لعب دور الوسيط بين طهران وواشنطن، وهو ما يضفي على الزيارة بعدا إضافيا، خصوصا مع تصاعد التكهنات حول وجود قنوات غير معلنة للتواصل بين إيران والولايات المتحدة خلال الأسابيع الأخيرة، بعضها عبر دول عربية وأخرى عبر الأطراف الأوروبية.
وتتضمن زيارة باريس ملفات محورية يتصدرها ملف السجناء، إذ تصر باريس على إنهاء قضية مواطنيها سيسيل كولر وجاك باري، وهما محتجزان في طهران منذ أشهر بتهم تتعلق بالتجسس، في المقابل، تتابع إيران ملف مواطنتها مهدية اسفنديارِي المحتجزة في فرنسا، ورغم أن الوصول إلى اتفاق نهائي قد لا يتحقق خلال هذه الزيارة، إلا أن المؤشرات توحي بأن الجانبين باتا قريبين من حل ما، وربما تشكل هذه الزيارة أرضية للإعلان عنه لاحقا.

أما الملف النووي فهو العنوان الأبرز، إذ تصر باريس على ضرورة عودة إيران إلى التعاون الكامل مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وتطبيق التزاماتها وفق الاتفاق النووي، وفي الوقت نفسه، ترى طهران أن باريس ومجموعة الترويكا الأوروبية تبالغ في التصعيد السياسي، وتتعامل مع تطورات البرنامج النووي الإيراني من زاوية ضغوط لا من زاوية تفاوض.

الزيارة تأتي كذلك في إطار جهد فرنسي لإعادة ترتيب ساحة التفاوض الأوروبية، حيث تتجه باريس ولندن وبرلين لمحاولة فتح قناة تفاوضية جديدة قبل نهاية العام، وهو ما يمنح زيارة عراقجي طابعا استراتيجيا لا يمكن تجاهله.
ومع كل هذه المعطيات، تبدو زيارة باريس محطة الذروة في جولة عراقجي، ومحورا قد يحدد مسار علاقات إيران مع أوروبا خلال الأشهر المقبلة.
مسقط الوجهة الأولى بوابة الوساطة الهادئة
هذا وقد كانت سلطنة عمان المحطة الأولى في جولة عراقجي، والتي زارها 24 نوفمبر/ تشرين الثاني 2025، وهي محطة تحمل رمزية خاصة في سياق العلاقات الإيرانية الغربية، فمنذ سنوات طويلة، لعبت مسقط دور الوسيط الرئيسي في التقريب بين طهران وواشنطن، وأسهمت في إطلاق مرحلة المفاوضات التي أفضت لاحقا إلى توقيع الاتفاق النووي عام 2015، ولذلك، فيرى مراقبون أن بدء جولة عراقجي من مسقط يحمل دلالة واضحة على أن طهران تسعى لإعادة فتح القنوات الدبلوماسية بطريقة مدروسة.

التقى عراقجي خلال الزيارة بوزير الخارجية العماني بدر البوسعيدي في اجتماع تركز على ثلاث قضايا أساسية، العلاقات الثنائية، التطورات الإقليمية، والملف النووي الإيراني، وكان لافتا أن الطرفين تطرقا بشكل واسع إلى العدوان الإسرائيلي على غزة، والتداعيات الإقليمية الناتجة عنه، لا سيما أن عمان، بحكم سياستها المتوازنة، تحاول في كثير من الأحيان لعب دور تهدئة بين الأطراف المتصارعة في المنطقة.

وفي هذا السياق، فقد شكل اللقاء فرصة لإيران كي تظهر أن تحركاتها الدبلوماسية لا تقتصر على مصلحتها النووية فقط، بل تشمل أيضا قضايا إقليمية أوسع، فطهران، التي تواجه ضغوطا متزايدة من الولايات المتحدة وإسرائيل، ترى في عمان شريكا موثوقا يمكن الاعتماد عليه في إيصال الرسائل وإدارة التوترات، وقد أكد عراقجي خلال الاجتماع تقدير بلاده للجهود العمانية في دعم الحوار حول الملف النووي، مشيرا إلى أهمية استئناف الاتصالات غير المباشرة التي كانت مقررة أن تنعقد في مسقط قبل أن تتسبب الهجمات الإسرائيلية في تأجيلها.
ومن زاوية أخرى، يبدو أن الزيارة جاءت في وقت تحاول فيه عدة عواصم عربية، من بينها قطر ومصر والسعودية، القيام بدور الوساطة لتجنب حرب إقليمية واسعة، فالتوتر بين إيران وإسرائيل وصل إلى مستويات غير مسبوقة خلال الأشهر الأخيرة، والدول العربية تدرك أن أي انفجار عسكري جديد قد ينسف مشاريعها الاقتصادية الضخمة وخططها التنموية، ومن هنا تمثل مسقط عقدة الربط بين هذه المبادرات العربية وبين الاتصالات الأوروبية غير المعلنة.
وعلى ذلك، فإن زيارة مسقط لم تكن مجرد محطة أولى عابرة، بل كانت بمثابة تأسيس للخطوط العامة للجولة الأوروبية اللاحقة، وخصوصا في ملف الوساطة المحتمل بين إيران والولايات المتحدة، فوفق تقارير إعلامية، شهدت العاصمة العمانية خلال الأسابيع الماضية اتصالات هادئة بين ممثلين غير رسميين من الطرفين، ويبدو أن عراقجي استكمل في هذه الزيارة مسارا بدأ قبل دخوله إلى العواصم الأوروبية، وهذا يمنح مسقط موقعا محوريا في فهم كامل خريطة التحركات الإيرانية.
لاهاي المحطة الثانية…. رسائل نووية من قلب منظمة حظر الأسلحة الكيميائية
كذلك، فقد شكلت زيارة لاهاي المحطة الثانية في جولة وزير الخارجية الإيراني، حيث شارك عراقجي في الاجتماع الثلاثين للدول الأعضاء في منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، وهي منصة ذات طابع دولي مهم توفر لإيران فرصة للتعبير عن مواقفها في ملفين مترابطين، السلاح الكيميائي، والملف النووي.

فخلال كلمته الرسمية، شن عراقجي هجوما واضحا على السياسات الغربية، معتبرا أن منطق القوة العسكرية حل مكان القانون الدولي، ومشيرا إلى أن الدول التي زودت النظام العراقي بالسلاح الكيميائي مسؤولــة عن الجرائم التي ارتكبت ضد الشعب الإيراني، وهذا الخطاب، وفق محللين، لا يأتي في سياق استعادة الماضي فحسب، بل يستخدمه عراقجي كمدخل لتأكيد اعتراض إيران على تسييس الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وهي النقطة التي تشكل محور الخلاف الأساسي بين طهران والدول الأوروبية.
على أن كلمة عراقجي قد تجاوزت البعد التاريخي لتصل إلى اللحظة الراهنة، حيث اتهم إسرائيل بالمسؤولية عن الإبادة الجماعية في غزة، وهجماتها على عدة دول في المنطقة، بما فيها عمليات القصف التي استهدفت مواقع إيرانية، وفي السياق ذاته، اعتبر أن الهجمات الإسرائيلية والأمريكية تشكل انتهاكا واضحاً لمعاهدة عدم الانتشار النووي ولقواعد القانون الدولي.
وعلى هامش الاجتماع، عقد عراقجي لقاء ثنائيا مع ديفيد فان ويل، وزير الخارجية الهولندي، تناول العلاقات الثنائية وتطورات الشرق الأوسط.
لكن الأهمية الأكبر لهذه المحطة تكمن في توقيتها، فهي تأتي بعد صدور قرار جديد من مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية يطالب إيران بتقديم معلومات إضافية حول مخزونها من اليورانيوم عالي التخصيب، والسماح لمفتشي الوكالة بزيارة بعض المواقع الحساسة، وكانت طهران قد ردت بالقول إن الاتفاق الذي تم التوصل إليه مع الوكالة بعد حرب الـ 12 يوما في القاهرة لم يعد قائما، معتبرة أن الأوروبيين بادروا إلى تفعيل آلية العقوبات بشكل سياسي.

وفي ظل هذا التصعيد، جاءت مشاركة عراقجي في لاهاي لتكون رسالة مزدوجة، تمسك بالموقف الإيراني الرافض للضغوط الغربية، وفي الوقت نفسه رغبة في عدم إغلاق الأبواب أمام أي تفاهم محتمل، وهذا ما بدا واضحا في التصريحات الأخيرة لمدير الوكالة، رافائيل جروسي، الذي قال إن الوكالة تسعى إلى العودة إلى تفاعل كامل مع إيران، وهي عبارة فسرها متابعون بأنها تعكس وجود مساع خفية لإعادة وصل ما انقطع.
بهذا المعنى، لا تبدو لاهاي مجرد محطة في جولة دبلوماسية، بل امتداداً للصراع السياسي ـ النووي بين إيران والغرب، حيث تحاول كل طرف توظيف المنصات الدولية لتعزيز موقفه أو تخفيف الضغوط عنه.
دلالات الجولة ومستقبل المسار الدبلوماسي
من الواضح أن جولة وزير الخارجية الإيراني لا يمكن النظر إليها كتحرك اعتيادي، بل تمثل مرحلة انتقالية في مسار السياسة الخارجية الإيرانية، فطهران، التي تجد نفسها محاصرة بقرارات أممية وضغوط أوروبية وأمريكية، تدرك أن استمرار الجمود في علاقاتها الخارجية سيزيد من كلفة المواجهة السياسية والاقتصادية، وفي الوقت نفسه، لا ترغب إيران في تقديم تنازلات تفهم كاستسلام أو تراجع، ما يجعلها تتبع أسلوب التحرك على حافة الهاوية دون السقوط فيها.

أول ما يكشفه مسار هذه الجولة هو أن إيران تستعيد تدريجيا استخدام الدبلوماسية المتعددة الاتجاهات، فبدل الاكتفاء بقناة واحدة أو طرف واحد، تعتمد طهران اليوم على شبكة من العواصم، عمان، لاهاي، باريس، لكل منها دور مختلف، فعمان للوساطة، لاهاي للرسائل السياسية، وباريس للتواصل الحاسم مع أوروبا، هذا التعدد يعكس، حسب محللين إيرانيين، إدراكا إيرانيا بأن الأزمة الحالية تحتاج إلى هندسة دبلوماسية واسعة وليس إلى تحرك أحادي أو ضيق.
ثانيا، تشي الجولة بأن إيران بدأت تنظر إلى العلاقة مع أوروبا بشكل جديد، فبعد سنوات كانت فيها العلاقة تدار من منظور المفاوضات النووية فقط، يبدو أن طهران تسعى لفتح ملفات أخرى مثل التعاون الإقليمي وقضية السجناء، في محاولة لخلق أرضية مشتركة مع العواصم الأوروبية، وهذا يعكس براغماتية جديدة، هدفها منع أوروبا من الاصطفاف الكامل مع الولايات المتحدة في أي مرحلة تصعيد محتملة.
أما ثالثا، فالملف العربي حاضر بقوة في خلفية كل زيارة، فصعود دور السعودية وقطر وعمان ومصر، في منع اندلاع حرب إقليمية واسعة يضع إيران أمام واقع جديد، حيث لا يمكن لطهران تجاهل وزن هذه الدول في توازنات الإقليم، ومع تزايد الحديث عن وساطات عربية بين إيران والولايات المتحدة، يصبح الدور العربي مكملا للحضور الأوروبي، وليس بديلا عنه.
واحدة من أهم الدلالات أيضا هي أن إيران تدرك حاجة الغرب إلى التفاوض، ليس فقط بسبب الملف النووي، بل بسبب المخاوف الكبرى من التوسع العسكري للصراع في المنطقة، فأوروبا تخشى من اندلاع مواجهة تمتد إلى البحر الأحمر والخليج، وتهدد شرايين الطاقة والتجارة العالمية، وهذا يمنح إيران ورقة قوة، رغم الضغوط الكبيرة عليها.
وفي سياق مواز، تحاول طهران استخدام ورقة التعاون المشروط مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، فإيران لا ترفض التعاون مبدئيا، لكنها ترفض ما تسميه التفتيش السياسي، وتحاول دفع الوكالة إلى موقف أكثر توازنا، وفي المقابل، يبدو أن جروسي يحاول بدوره إبقاء باب التواصل مفتوحا حتى لا تتدهور الأمور بشكل غير قابل للعودة.
في المحصلة، تشير كل هذه العناصر إلى أن الجولة الأخيرة لعراقجي قد لا تكون مجرد جولة دبلوماسية، بل محاولة لرسم خارطة الطريق للمرحلة المقبلة من علاقة إيران مع الغرب، وإذا نجحت باريس في انتزاع توافق أولي، فقد نكون أمام عودة تدريجية لمسار التفاوض النووي، وربما حتى بداية تهدئة أكبر في الإقليم، أما إذا فشلت، فقد تكون الجولة إيذانا بمرحلة جديدة من التصعيد المتعدد الجبهات

