- زاد إيران - المحرر
- 376 Views
من أطرف ما يمكن أن يواجهه المترجم في عمله اليومي، أن يصطدم بكلمة مألوفة في ظاهرها، لكنها محمّلة بمعانٍ ثقافية ودينية عميقة. وهنا تحديدا يقع الفخ: فالمترجم يتعامل مع الكلمة كأنها مجرد أحرف متجاورة، بينما هي في حقيقتها رمز ودلالة في مجتمع كامل.
في أحد تقاريرنا بموقع “زاد إيران”، كان النص الأصلي بالفارسية يتناول نشاط أحد كبار رجال الدين، يقول:
“دیدار آیتالله … با مسئولان”
أي ببساطة: “لقاء آية الله (فلان) بالمسؤولين”.
لكن المترجمة التي تولّت العمل أرسلت الترجمة على هذا النحو:
“التقت السيدة آية الله بالمسؤولين…”
تخيّلوا الموقف! القارئ العربي سيتصور أن في إيران سيّدة اسمها “آية الله”، ربما ناشطة اجتماعية أو شخصية عامة جديدة، بينما في الحقيقة النص يتحدث عن مرجع ديني شيعي، له مكانة فقهية معتبرة.
حين سألتها بدهشة: “كيف فهمتِ أن آية الله اسم سيدة؟”
ابتسمت وقالت بثقة: “الكلمة واضحة! بدأت بآية وانتهت بالله، فظننتها اسما شخصيا، مثل منة الله أو آية جمال. أليست أسماء الفتيات عندنا تبدأ بآية؟”
كان عليّ أن أوضح لها أن المسألة ليست مجرد تركيب لغوي، بل مصطلح ديني راسخ. فكلمة “آية الله” لا تُطلق في إيران إلا على كبار المراجع، وهو لقب رسمي لا يلتبس على أحد في الثقافة الإيرانية. المترجم هنا لم يخطئ لغويا فقط، بل أخطأ ثقافيا، إذ تجاهل السياق الذي خرجت منه الكلمة.
هذا النوع من الأخطاء يكشف لنا حقيقة أساسية في الترجمة: أن الاعتماد على المعنى الحرفي أو الفهم السريع قد يقودنا إلى نتائج مضحكة وربما صادمة. مثلا، إذا ترجمنا “آية الله” كاسم أنثوي، فإننا نمسخ المعنى من جذوره ونُدخل القارئ العربي في دوامة من اللبس، وربما نفقد مصداقية النص كله.
المفارقة أن مثل هذا الخطأ لا يقتصر أثره على الطرافة، بل قد يُحدث بلبلة سياسية أو اجتماعية لو انتشر في وسيلة إعلامية واسعة. تخيل أن يقرأ الناس خبرا عن “السيّدة آية الله” التي اجتمعت بالمسؤولين في قم، كيف ستكون التعليقات؟ بين من يسخر ومن يظنها ناشطة نسوية، بينما الموضوع في الأصل يتعلق بمرجع ديني يحظى باحترام واسع.
الترجمة، كما نقول دائما، ليست مجرد نقل كلمات، بل نقل ثقافة. والمترجم لا يُطلب منه فقط أن يعرف اللغة، بل أن يعرف ما وراءها من دلالات اجتماعية ودينية وسياسية، الكلمة في موطنها الأصلي ليست مجرد رمز لغوي، بل تحمل حمولة ثقافية كاملة.
خطأ بسيط كهذا يوضح الفارق بين مترجم يقرأ النص بعين القاموس، ومترجم يقرأه بعين الثقافة، الأول قد يثير الضحك بسوء فهمه، والثاني ينجح في إيصال الرسالة كما أرادها صاحب النص.
لهذا نقول دائما لزملائنا: كن حذرا، لا تترجم “آية الله” كأنها فتاة تُدعى “آية”، ولا “بي حجابی” كأنها تعني “العري “، فالمترجم الحقيقي هو من يجمع بين اللغة وروحها، بين النص وظلاله الثقافية.
وإلى اللقاء في نادرة جديدة من نوادر المترجمين، حيث لا تنتهي المفاجآت، ولا يتوقف الدرس: المعرفة وحدها لا تكفي… لا بد من الفهم.

