حين يتحوّل الحزب إلى “لغز لغوي”!

في الترجمة الصحفية، كثيرا ما يكون التحدي الحقيقي ليس في الكلمات المعقدة أو المصطلحات التقنية، بل في الأسماء التي تبدو مألوفة في لغتها الأصلية، وغريبة تماما عند نقلها إلى لغة أخرى.

 والحديث هنا عن أسماء الأحزاب والتيارات السياسية، حيث قد يؤدي خطأ بسيط في الترجمة إلى أن يفقد النص معناه لدى القارئ، ومن الممكن جدا أن يقع المترجم في مصيدة يظن نفسها هو فيها قد أصاب لكن في الحقيقة قد أخطأ.

ومن أكثر المواقف التي علقت في ذهني، ما حدث مع اسم الحزب الإيراني الشهير “كارگزاران سازندگی”. هذا الحزب، الذي يُعد من أبرز تيارات الإصلاح في إيران، لعب أدوارا محورية منذ التسعينيات، وهو معروف في الإعلام العربي باسم “حزب كوادر البناء”.

بدأت القصة حينما أرسلت لي إحدى المترجمات في غرفة ترجمة موقع “زاد إيران” تقريرا فوجئت فيه بأن المترجمة أبقت الاسم كما هو في الفارسية، وكتبته هكذا “حزب كارگزاران”. 

حين سألت المترجمة عن سبب إبقائها اسم الحزب كما هو، فأجابت: “خفت أغير الاسم فيضيع المعنى الأصلي.” وهنا تتجلّى المشكلة: الترجمة ليست خوفا من التغيير، بل مسؤولية في إيجاد التغيير المناسب الذي يحافظ على روح النص ويجعله مفهوما.

الحقيقة أن “كارگزاران” في الفارسية تعني “الكوادر” أو “القائمون على الأعمال”، بينما كلمة “سازندگی” تعني “البناء” أو “الإعمار”. وبالتالي فإن الاسم الكامل للحزب يترجم إلى: “حزب كوادر البناء”، وهو التسمية المتعارف عليها في أدبيات الصحافة العربية.

إن إبقاء الاسم على صورته الفارسية ليس خطأ لغويا فحسب، بل خطأ اتصالي؛ لأنه يقطع الجسر بين النص والقارئ، فوظيفة المترجم الصحفي ليست أن يُظهر براعته في نقل الحروف كما هي، بل أن يختار المقابل الذي يجعل المعنى واضحا وسلسا في السياق الجديد.

هذا الموقف يفتح بابا أوسع للنقاش: كيف نترجم أسماء الأحزاب والتيارات الأجنبية؟
القاعدة الذهبية هنا أن نبحث أولا عن الاسم الشائع في الإعلام العربي، فإن كان له استخدام  كما في حالة كوادر البناء استخدمناه، أما إذا كان الحزب جديدا أو غير معروف، فيمكن أن نترجم الاسم ونضع الأصل بين قوسين، مثل:
حزب العدالة  (عدالت)

النادرة هذه المرة لا تكشف مجرد خطأ طريف فقط، بل تسلّط الضوء على دور المترجم الصحفي كوسيط ثقافي، لا كآلة حرفية، فالترجمة الدقيقة ليست في أن تبقي النص كما هو، بل أن تعيد إنتاجه ليصل إلى القارئ بلغته وبمفاهيمه.

وهكذا، نتعلّم من نادرة “كارگزاران” أن المترجم حين يكتفي بالنقل الحرفي، قد يظن أنه أنجز مهمته، بينما هو في الحقيقة ترك القارئ تائهًا أمام اسم بلا معنى، والنجاح في الترجمة الصحفية يكمن في أن تكون الكلمات جسورا تنقل المعنى بسلاسة ووضوح إلى القارئ، لا متاهات.

وفي النهاية، تبقى أسماء الأحزاب والتيارات السياسية اختبارا حقيقيا للمترجم الصحفي، فهي تكشف إن كان مجرد ناقل للحروف أم قارئا للسياق، وهكذا، فإن المترجم الذي لا يُدقّق في خلفية الاسم، قد يحوّل معلومة واضحة إلى لغز محيّر، بينما المترجم الحاذق يصنع من كل كلمة جسرا يوصل القارئ إلى المعنى بلا عناء.