- زاد إيران - المحرر
- 642 Views
كتب: علي دشتي
على الطريق الترابي الممتد من النجف إلى كربلاء، يشقّ ملايين الزوار خطاهم بثبات وقلوبهم مفعمة بالشوق، في واحد من أعظم التجمعات البشرية على وجه الأرض. مسيرة الأربعين، ذلك الطقس الضارب بجذوره في تاريخ ومعاني المذهب الشيعي، تُقام كل عام في اليوم الأربعين لاستشهاد الإمام الحسين بن علي، ثالث أئمة أهل البيت.
ليست هذه المسيرة مجرد شعيرة دينية، بل لوحة إنسانية كبرى تتجسد فيها أسمى معاني التضامن والإيثار، وتتعانق خلالها الأرواح متجاوزة الحواجز الجغرافية واللغوية والثقافية.
ورغم أن جذور المسيرة تمتد إلى تقاليد شيعية قديمة، فإن صورتها الحديثة كأضخم حشد شعبي برزت بعد سقوط نظام البعث في العراق عام 2003، وتذكر المصادر التاريخية أن زيارة الإمام الحسين في يوم الأربعين كانت موضع عناية منذ عصر أهل البيت، إذ عدَّ الإمام الحسن العسكري، الإمام الحادي عشر، هذه الزيارة إحدى علامات المؤمن، كما يُروى أن الصحابي الجليل جابر بن عبد الله الأنصاري كان أول من زار قبر الإمام الحسين في الأربعين الأولى بعد واقعة كربلاء سنة 61 هـ.
وعلى مر العصور، وبخاصة في زمن الأمويين والعباسيين، استمرت هذه السنة رغم شدة القمع والقيود، بل جرت أحيانا في الخفاء، حيث كان الزوار يشدّون الرحال إلى كربلاء، مخاطرين بحياتهم، لإبقاء ذكرى الإمام الحسين حيّة في القلوب.

في العصر الحديث، حظر نظام البعث في العراق هذه المسيرة خشية من قوة الحشود الشيعية، إذ تشير التقارير إلى وقوع حوادث إطلاق نار على الزوار خلال سبعينيات القرن العشرين، وبلغ القمع ذروته عام 1977 فيما عُرف بـ”انتفاضة صفر”، وبعد سقوط حكم صدام حسين، أُعيد إحياء هذه الشعيرة بدعم شعبي خالص ودون تدخل مباشر من الحكومات، وسرعان ما تحولت إلى واحد من أضخم التجمعات الدينية في العالم. ووفقا لما أعلنه تولية العتبة العباسية، فقد شارك في عام 2023 أكثر من 22 مليون زائر، فيما تشير الإحصاءات الأولية لعام 2025 إلى تجاوز عدد المشاركين 21 مليون شخص.
وتُصنَّف مسيرة الأربعين، بحجمها الهائل، كأكبر تجمع ديني سنوي في العالم، وتُقارن بمراسم مثل “كومبه ميلا” في الهند التي تُقام كل 12 عاما، أو بمناسك الحج إلى مكة المكرمة، لكن ما يميز الأربعين عن غيرها هو طابعها العفوي والشعبي؛ إذ بخلاف كثير من الشعائر الدينية التي تُنظم برعاية حكومية، فإن الأربعين تعتمد أساسا على جهود الناس أنفسهم، وتنتشر على طول الطريق “المواكب” وهي خيام ضيافة يُديرها متطوعون محليون ودوليون، يقدّمون فيها الطعام والمأوى والعلاج مجانا.
ولا تقتصر جاذبية هذه المسيرة على الشيعة وحدهم، بل تمتد لتشمل أتباع أديان ومذاهب أخرى؛ فقد أظهرت التقارير مشاركة زوار من أكثر من 70 دولة حول العالم، من إيران والعراق إلى باكستان والهند ولبنان والبحرين، وصولا إلى دول غير مسلمة مثل السويد وأستراليا والأرجنتين، حيث يجتمع الجميع في أجواء من المساواة للمشاركة في مسيرة الأربعين.

قال «سينا بوركاشاني»، الموظف المتقاعد من قطاع التأمين والمشارك في مسيرة الأربعين:
“الأربعين تجسيد للروحانية الاجتماعية والتضامن الإنساني، يتجاوز الحدود الجغرافية والدينية، وهذا ما يجعل منه منصة عالمية للحوار الحضاري”.
أما «ليلى جاهد»، وهي معلمة في الخامسة والستين من عمرها من مدينة رشت، شاركت في المسيرة للمرة الرابعة، فتقول:
“كنتُ دائما في حصص التاريخ أقول لتلاميذي إن عاشوراء ليست مجرد حدث ديني، بل مدرسة كاملة، واليوم، وأنا أخطو في هذا الطريق، أشعر أنني أعيش دروسي على أرض الواقع؛ هنا ترى الرحمة والإيثار نابضين بالحياة”.
وعلى الرغم من أن مسيرة الأربعين تشبه في بعض جوانبها رحلات الحج المسيحية إلى سانتياغو دي كومبوستيلا في إسبانيا، حيث يقطع الحجاج المسيحيون مسافات طويلة للوصول إلى مزارهم، فإنها تبقى فريدة من نوعها من حيث حجم المشاركين وتنوعهم الثقافي، كما أنها تؤدي دورا في «الدبلوماسية الشعبية»، إذ يجتمع الزوار من نحو 70 دولة دون وساطة الحكومات، ليشكلوا شبكة من الروابط الإنسانية العابرة للحدود.

ويقول «صادق بروجردي»، سائق تاكسي بالغ من العمر 42 عاما:
“أشارك كل عام في الأربعين وأسير من النجف إلى كربلاء. هذه الرحلة بالنسبة إليّ مسار روحي مليء بالسكينة. هنا كلنا إخوة، لا فرق بين شيعي وسني أو حتى مسيحي”.
أما الطريق البالغ طوله 80 كيلومترا بين النجف وكربلاء، والمُعلَّم بـ 1452 عمودا، فهو القلب النابض للمسيرة، يتحرك الزوار من الفجر حتى منتصف الليل، وعلى طول المسار تتوزع المواكب كل بضع خطوات لتقدم الشاي الساخن، والأطعمة التقليدية مثل «قيمة النجفي»، وحتى الخدمات الطبية مجانا.
وفي عام 2025، أعلن لجنة المشاركات الشعبية في هيئة الأربعين أن العراقيين أقاموا نحو 40 ألف موكب، فيما أنشأ الإيرانيون أكثر من 3 آلاف موكب خدم فيها أكثر من 200 ألف متطوع إيراني.
وفي مبادرة مبتكرة، تزامنا مع انطلاق مراسم الأربعين، تم إرسال ألف متطوع إيراني من حرم الإمام الرضا إلى العراق، لتقديم الخدمات في مدن مثل النجف والكاظمين وسامراء وكربلاء. وقد أنشؤوا مواكب تهدف إلى نقل رسالة “الرحمة والكرامة”.

ورغم حرارة الجو وغبار الطريق الذي ترافقه أحيانا أمطار متفرقة، فإن حماس الزوار لم يفتر. ففي أحد المواكب الإيرانية قرب العمود رقم 500، يفوح في الأجواء عبق الخبز الطازج ورائحة العدس الساخن. هناك، يقول «رضا زارعيان»، شاب إيراني يبلغ من العمر 27 عاما جاء من طهران:
“هنا كل شيء يبدو مختلفا، أنا في طهران موظف بنك، لكن هنا لا أرى نفسي إلا خادما يخبز الخبز لزوار الإمام الحسين. أشعر أن هذا العمل يقربني أكثر إلى الله”.
أما «أمير علي مالكي»، الميكانيكي البالغ من العمر 39 عاما، فيروي تجربته قائلا:
“في موكبنا قرب كربلاء، أُعد الشاي من الصباح حتى الليل وأقدمه للزوار، في أحد الأيام جاءني شيخ عربي، وضع يده على كتفي وقال: يا بني، جزاك الله خيرا، هذا الشاي أزال عني التعب، كلماته جعلتني أبكي، أنا في تبريز أعمل ميكانيكيا، لكن في الأربعين أشعر أن مهمتي الوحيدة هي أن أدفئ قلوب الناس، وهذا الإحساس لم أجده في أي مكان آخر”.
عند معبر مهران، أحد أهم المنافذ الحدودية للزوار الإيرانيين، تتكدّس أعداد هائلة من الحافلات والسيارات الخاصة، ووفقا للإحصاءات الرسمية، سجّل أكثر من مليوني إيراني أسماءهم في نظام “سماح” للمشاركة في مسيرة الأربعين لعام 2025، فيما يُتوقّع أن يتجاوز عدد الزوار الإيرانيين أربعة ملايين شخص.
ورغم طول الصفوف عند البوابات الحدودية، فإن الأجواء مليئة بالأحاديث الودّية، حتى وسط الإرهاق. تقول «فاطمة توحيديان» (34 عاما) القادمة من شيراز، وهي تجرّ حقيبتها على الأرض:
“هذه أول مرة أشارك في مسيرة الأربعين. كنت أظن أن الرحلة ستكون مرهقة جدا، لكن عندما أرى الجميع يساعد بعضهم بعضا، أشعر وكأن التعب يغادر جسدي”.

وقد تجاوز عدد المواكب الإيرانية في عام 2025 حاجز 3 آلاف موكب، تلعب دورا محوريا في خدمة الزوار، وتتنوّع بين خيام بسيطة ومنشآت مجهزة، تقدّم الطعام والمأوى، إضافة إلى خدمات مثل التدليك العلاجي وتلميع الأحذية. في أحد المواكب الإيرانية قرب كربلاء، تنشغل مجموعة من النساء المتطوعات بطهي طبق «قورمة سبزي» الشهير. تقول «حديث ملكوتي» (22 عاما) من أصفهان:
“كل عام نخصّص بضعة أيام من حياتنا لخدمة زوار الإمام الحسين، نطبخ هذا الطعام بكل حب، لأن زوار الحسين هم ضيوف الله”.
وفي موكب علاجي قرب العمود رقم 950، تعمل «مائدة سليماني»، طالبة في السنة الأخيرة من كلية الطب، متطوعة في علاج الزوار، وتقول:
“في الجامعة نتعلّم كيف نخدم المرضى، أما هنا فنكتشف كيف نخدم الإنسانية. عندما أعالج زائرا متعبا وقد امتلأت قدماه بالبثور، وأرى ابتسامته، أتأكد أنني سأواصل هذا الطريق كل عام”.
ووفقا للتقارير، فقد شارك الإيرانيون في عام 2025 بأكثر من 200 ألف متطوع في المواكب، التي لم تقتصر خدماتها على الزوار الإيرانيين فقط، بل شملت القادمين من دول أخرى أيضا. يقول «راجش»، زائر هندي يبلغ من العمر 48 عاما:
“خلال الطريق، قدّموا لي في أحد المواكب الإيرانية وجبة ساخنة، بل ودعوا لي أيضا، هذا الشعور بالأخوّة انطبع في قلبي”.
أما «جان»، مصوّر سويدي في الرابعة والعشرين من عمره، فيروي تجربته:
“أنا مسيحي، وقد جئت إلى مسيرة الأربعين من أجل مشروع تصوير، لكن ما شاهدته فاق كل توقعاتي، هذا القدر من المحبة والوحدة لم أره في أي مكان في العالم، عند أحد الأعمدة، دعتني عائلة إيرانية لتناول الطعام معهم، وشعرت حينها وكأني فرد من عائلتهم”.
إن مسيرة الأربعين، بما تحمله من أبعاد، تتجاوز كونها شعيرة دينية لتصبح ظاهرة اجتماعية وثقافية شاملة. فمن منظور علم الاجتماع، تمثل هذه المناسبة مثالا حيا على “رأس المال الاجتماعي العابر للحدود”، حيث يجتمع الزوار من جنسيات وثقافات مختلفة في أجواء متساوية، ويتبادلون الطعام والمأوى وقصص حياتهم، ليشكّلوا شبكة واسعة من الروابط الإنسانية. وهذه الروح التضامنية، في عالم يمزقه الانقسام السياسي والثقافي، تحمل إلى العالم رسالة قوية عن الوحدة والتآخي الإنساني.
يقول علي رضا ناجي، القادم من أصفهان برفقة زوجته وطفله البالغ من العمر عامين:
“كثيرون قالوا إن السفر مع طفل صغير سيكون صعبا، لكننا كنا نؤمن بأن الإمام الحسين للجميع، حتى لأطفالنا، خلال الطريق، ساعدنا الجميع؛ من العراقيين الذين جاؤوا ببطانيات، إلى الإيرانيين الذين حضّروا الحليب الساخن لطفلي، لن أنسى هذه الطيبة أبدا”.
ومن منظور ثقافي، تشكّل مسيرة الأربعين منصة لإعادة إنتاج الهوية الشيعية وتعزيز الروابط بين الثقافات. فشعار “لبيك يا حسين”، الذي يتردّد على طول الطريق، ليس مجرد هتاف ديني، بل رمز للمقاومة في وجه الظلم والدفاع عن العدالة، وهذا الرسالة، الضاربة بجذورها في نهضة عاشوراء، تحمل جاذبية حتى لغير المسلمين، وتشجعهم على التعرف بعمق أكبر إلى الثقافة الشيعية.
ومع ذلك، تبقى هناك تحديات، إذ حاولت بعض وسائل الإعلام الغربية تصوير الأربعين كحركة سياسية أو طائفية، وهو تصوير يمكن لأي مشارك في المسيرة أن يلمس زيفه من خلال الأجواء الحية على الأرض.
ويقول عبد الكريم مختاري، مزارع من زابل:
“أنا من قرية صغيرة، ولأجل الحضور في كربلاء قمت بحصاد محصول هذا العام مبكرا. حين أصل هنا، أشعر أننا جميعا كحبات القمح المصطفة جنبا إلى جنب؛ معا ومن أجل هدف واحد، ويجب أن نحمل هذه الروح المتآخية معنا حين نعود إلى بيوتنا”.
كانت مسيرة الأربعين لعام 2025، كما في الأعوام السابقة، عرضا مدهشا للإيمان والتضامن والإيثار، فقد اجتمع ملايين الزوار، من إيران والعراق وباكستان، بل ومن دول غير مسلمة، على الطرق المؤدية إلى كربلاء لإحياء ذكرى الإمام الحسين.
هذه الشعيرة، الضاربة بجذورها في التاريخ والروحانية، تجاوزت كونها طقسا دينيا لتغدو منصة عالمية للحوار الإنساني، وأيضا ساحة لإبراز قوة الإسلام في صورته الأخلاقية، وقد جسّدت المواكب الإيرانية والعراقية، من خلال استقبالها للزوار بلا مقابل، أن المحبة والإنسانية قادرتان على تخطي الحدود.
وفي عالم تتزايد فيه الانقسامات والنزعات الفردية، تحمل مسيرة الأربعين رسالة وحدة وإنسانية، لا تخص الشيعة وحدهم، بل تخاطب كل إنسان باحث عن الحقيقة، لتدعوه نحو قيم العدل والحرية والمحبة.

