أحمدي‌ نجاد.. من معجزة الألفية الثالثة إلى لغز السياسة الإيرانية

نشرت صحيفة هم‌میهن الإيرانية، الأحد 17 أغسطس/آب 2025، سلسلة مقالات حول الرئيس الإيراني الأسبق محمود أحمدي ‌نجاد، بعد مرور عشرين عاما على ما وُصف حينها بـ«معجزة الألفية الثالثة». وقد تناولت هذه السلسلة، في أربعة أجزاء متكاملة، مسار صعود الرجل من رئاسة بلدية طهران إلى قمة السلطة التنفيذية، مرورا بالخطاب الشعبوي الذي اعتمد فيه على شعارات العدالة الاجتماعية، وصولا إلى موقعه الحالي كأحد أكثر السياسيين إثارة للجدل في إيران.

ذكرت الصحيفة تحت عنوان إيجابيات وسلبيات أحمدي نجاد، أن ظاهرة محمود أحمدي نجاد ربما كانت من الناحية النفسية انعكاسا لحاجة شعر بعضهم أن إيران تحتاج إليها، فأولئك الذين كانوا يعتقدون أن مسألة التنمية في إيران انصبّت أكثر على الحرية، ورأوا في ذلك انعكاسا لمعسكر ليبرالي في حكومة محمد خاتمي. حكومة خاتمي، رغم أنها لم تصل إلى السلطة بشعارات اقتصادية، وكانت تمتلك مع ذلك أفضل سجل اقتصادي، اعتبرت نفسها رائدة في تنمية عقلانية، خفض مستوى التوتر، الحوار مع المجتمع الدولي، طرح شعار المجتمع المدني، والتمسك بالقانون، وكانت تحاول أن تمنح هويتها معنى.

وأضافت أنه ربما بلغت ذروة الخلافات عند إعداد البرنامج التنموي الرابع، حيث جرت تدخلات من فوق بأن قانون التنمية الرابع يحتاج إلى وقف ومراجعة والاهتمام ببعض القضايا، أو مثلا المحاولات التي قام بها المرحوم توكلي وأصدقاؤه لمنع رفع سعر البنزين، دون أن يدركوا التأثيرات القاتلة لذلك على الاقتصاد الإيراني.

وأوضحت أنه في مثل هذا المناخ، استطاع أحمدي نجاد أن يكون رمزا وصورة لسياسي يدّعي أنه يريد استعادة الفئات المنسية، لكننا رأينا عمليا أن النتيجة جاءت بالعكس، فحكومة أحمدي نجاد لم ترفع مستوى قدرة وصمود الطبقات الهشة، بل أدت إلى زيادة التضخم.

ذكرت “هم ميهن” أن فترة رئاسة محمود أحمدي نجاد (2005-2013) شهدت تحولات كبيرة في السياسة الداخلية والخارجية الإيرانية، حيث تميزت ولايته بتحقيق إيران لأعلى عائدات نفطية في تاريخها، إلا أن سوء إدارة هذه الثروة أدى إلى إهمال البنية التحتية وتبني مشاريع غير مدروسة مثل “مسكن مهر”، مما خلق مشاكل اقتصادية طويلة الأمد.

وأضافت أنه على الصعيد الدولي، اتسم عهد أحمدي نجاد بمواقف مثيرة للجدل، أبرزها إنكار الهولوكوست والخطابات المتشددة التي زادت من عزلة إيران، كما أن سياسته الخارجية ركزت على مشاريع دعائية في أمريكا اللاتينية أكثر من كونها مشاريع تنموية حقيقية، بينما أدت مواقفه إلى فرض عقوبات دولية قاسية على البلاد.

وبينت أن أحمدي نجاد تميز بأسلوب قيادي شعبوي، حيث نجح في تقديم نفسه كـ”رجل الشعب” من خلال مظهره البسيط وخطاباته التي تستهدف الفقراء والمهمشين، هذه الصورة جعلته يحظى بشعبية كبيرة بين شرائح واسعة من الإيرانيين، رغم كونه في الواقع جزءا من النظام الحاكم.

وأشارت إلى أنه ما يزال أحمدي نجاد يمثل شخصية مؤثرة في المشهد السياسي الإيراني، حيث يحتفظ بقاعدة شعبية وقدرة على التعبئة، فتحليله للوضع الإيراني الحالي يشير إلى أنه قد يكون يعد نفسه لدور أكبر في أي تحولات سياسية مستقبلية، خاصة مع تزايد السخط الشعبي والتحديات الاقتصادية التي تواجهها إيران.

انتقلت الصحيفة للحديث عن أحمدي نجاد وتجربته تحت عنوان المساس بروح الانتماء والولاء، فذكرت أن موضوع أحمدي نجاد وتجربته ليس نقاشا أحادي الجانب، بل هو ظاهرة تمثل مسارا وجريانا لفكرة لها جذور وفترة ازدهار وما زالت مستمرة.

وذكرت أنه خلال فترة حكومة أحمدي نجاد، كان المتطرفون المسلمون في أوروبا يقارنونه بأسامة بن لادن، ويقولون إنهما الأمل الوحيد لمستقبل العالم الإسلامي.

وأضافت أنه في فترة أحمدي نجاد كان الشعب لا يبالي بالغد ولا يملك رؤية استراتيجية للمستقبل، وهذا في الواقع هو جوهر الشعبوية والديماغوجية والانقياد وراء العامة، فقد كان أحمدي نجاد قد أدرك جيدا أن عددا من مسؤولي الجمهورية الإسلامية قد تغيّروا لأسباب مختلفة، وبالتالي اعتقد أنه مع فريقه وتنظيمه يستطيع أن يستند إلى آراء أولئك الذين يرون أن الجمهورية انحرفت ويمكن إعادة الثورة إلى مسارها.

وأوضحت أنه بناء على ذلك، انقسم أنصار أحمدي نجاد إلى مجموعتين: الأولى من الطبقات الدنيا أو ذات التوجه الأيديولوجي، ممن اعتقدوا أن الثورة بحاجة إلى إصلاح ومُصلح جديد بدماء جديدة؛ والثانية من أولئك الذين رأوا أن الثورة يجب أن تنهار، ومن الأفضل أن يحدث ذلك من الداخل، ولم يجدوا أفضل من أحمدي نجاد ليقوم بذلك. في البداية، كانت الفئة الأولى هي الأغلبية، لكن مع مرور الوقت أصبحت الفئة الثانية هي الأغلبية. 

وتابعت أن النقطة التالية بشأن حكومة أحمدي نجاد فهي أن سياساته ودعايته السياسية كانت قائمة على كسر البنى أو تغيير الهياكل التي وصفها بأنها فاسدة وغير فعالة، لكنه عمليا بدأ بتقويض وإلغاء المؤسسات التي كانت تاريخيا مسؤولة عن الشفافية. في حين أن تعطيلها وإضعافها أدى في الواقع إلى تقليص تكافؤ الفرص.

وأشارت إلى أنه في فترة حكمه التي استمرت ثماني سنوات، خصوصا أحداث عام 2009 كان الخاسر الأكبر هو تراجع أو اهتزاز حسّ الانتماء والولاء الذي يمثل ركيزة أي دولة، ونقطة أخرى كانت في مجال الدبلوماسية العامة: ففي البداية كان الأداء جيدا، لكنه سرعان ما أظهر أنه لا يملك الجرأة أو الحكمة لاستخدام أدوات الدبلوماسية العامة، فاستعاض عنها بخطوات خاطئة، إذ جعل “الدبلوماسية العامة” حكومية، بينما هي بطبيعتها لا يمكن أن تكون كذلك.

ذكرت “هم ميهن” تحت عنوان قراءة في مسار صعود محمود أحمدي ‌نجاد وتحوّلات مواقفه اليوم، أنه قد مرّت عشرون سنة منذ أن أدى محمود أحمدي نجاد اليمين الدستورية رئيسا للجمهورية في إيران. 

وأضافت أنه رجل وُلد من قلب التيار اليميني، وكان منذ وصوله إلى الرئاسة محلَّ انقسام بين مؤيدين ومعارضين، فمن جهة، كان الإصلاحيون الذين وقفوا ضده منذ البداية وحتى اليوم، ومن الجهة الأخرى، كان الأصوليون الذين تعاملوا معه بنوعين من المواقف.

وبينت أنه في السنوات الأولى، أطلقوا عليه لقب معجزة الألفية الثالثة، وشربوا بقايا كأس مائه في البرلمان السابع تبركا، وفعلوا كل ما بوسعهم من أجله في انتخابات عام 2009، لكن في ولايته الثانية بدأ تدريجيا بالابتعاد عن قاعدة أنصاره المقرّبين، حتى وصل الأمر إلى أن بعض وزرائه وقّعوا رسائل براءة وتبرؤ منه.

وأشارت إلى أنه في ندوة حديثة بعنوان “محمود أحمدي نجاد؛ الزمان والسجل”، قدم خبراء وسياسيون قراءات معمقة لإرثه، عباس آخوندي، الوزير السابق في حكومة حسن روحاني، قدم تحليلا لاذعا يرصد ثلاثة تحولات كبرى، وهي تحطيم البنى السياسية التقليدية، وتحول النظام إلى دولة أمنية، والكلفة الباهظة للسياسات الخارجية والاقتصادية.

وأوضحت الصحيفة أن أحمدي نجاد ترك وراءه نظاما سياسيا مهتزا واقتصادا منهكا وعلاقات دولية متوترة، والأكثر خطورة هو التحول الجذري في طبيعة النظام السياسي، من نظام يقوم على التنافس بين تيارات إلى هيمنة أمنية شبه كاملة.

وبينت أن هذه التحولات العميقة تضع إيران أمام تحديات وجودية قد تستغرق عقودا لتجاوزها، مما يجعل تقييم تجربة أحمدي نجاد أكثر من مجرد استعادة للتاريخ، بل محاولة لفهم حاضر إيران واستشراف مستقبله

وفي المقال الرابع تناوت صحيفة “هم ميهن” الأساليب الشعبوية والاستراتيجيات السياسية التي اتبعها محمود أحمدي نجاد خلال فترة عمادته لطهران (2003-2005) وكيف مهدت هذه الفترة لصعوده إلى الرئاسة لاحقا.

فذكرت تحت عنوان الشعبوية في إطار العدالة الاجتماعية، أنه في عام 2003 قبل أن يُنتخب أحمدي نجاد عمدة لطهران، عُقد اجتماع قصير قال فيه إنني كنت أقول للأصدقاء الأصوليين إننا قادرون في هذه الانتخابات على هزيمة الإصلاحيين والسيطرة على البلدية، لكن الأصوليين لم يكونوا يؤمنون بأنفسهم، ثم أضاف: بعد عامين، حين تأتي الانتخابات الرئاسية، سأصبح رئيسا للجمهورية. منذ ذلك الوقت كان يمتلك هذه الثقة بالنفس.

وأضافت أنه عندما أصبح أحمدي نجاد عمدة، قام ببعض الأعمال الجيدة أيضا، مثلا أول جسر مشاة جُهِّز بسلالم كهربائية كان في حي “مُشيريّة” في طهران، ذلك الجسر لم يكن يعبره عدد كبير من الناس، لكن كونه يقع في جنوب شرق طهران كان كافيا بحد ذاته، وقد كان مردوده السياسي على أحمدي نجاد مرتفعا جدا.

وتابعت أنه من الأمور الأخرى التي اهتم بها، أنه قد أجرى نوعا من “السوسيولوجيا العملية”، وهي تقديم الدعم الكبير للهيئات الدينية، فقد تعرّف على عدد كبير من المنشدين الدينيين المعروفين وشبه المعروفين، وأمر بأن تُقدَّم لهم إمكانات من ميزانية بلدية طهران، وبهذا الإجراء، حقق هدفين مهمين: الأول، كسب تأييد المجتمع المتدين، والثاني، جذب الشرائح الهشة اجتماعيا نحوه ذهنيا. وكان قد فهم جيدا أهمية تشكيل “مجموعات مرجعية” يستطيع أن يستفيد منها إلى أقصى حد.

وأردفت الصحيفة أن نحو 90% من مساجد طهران كانت بشكل أو بآخر تروّج له، فمنذ عام 2003، كان أحمدي نجاد يمارس عملا انتخابيا داخل البلدية. في تلك الفترة، كان هناك برنامج تلفزيوني يُبث باسم “المقعد الساخن” (صندلي داغ)، بدأ عرضه منذ 2003، وفي صيف 2004، جاء أحمدي نجاد ضيفا على البرنامج، وعندما حضر، قال المخرج له: سيد أحمدي نجاد، كل ما تفعله في البلدية مرتبط بالانتخابات المقبلة وهدفك الحصول على أصوات الناخبين، وعلى عكس ما كنا قد سمعناه عن أنّ أحمدي نجاد شخص مهذب وصبور، فقد غضب بشدة، وثار ووجّه ألفاظا نابية، ولم يسمح ببث ذلك البرنامج.

وأشارت إلى أن هناك مفهوما كان موجودا في المجتمع ولا يزال، وهو العدالة الاجتماعية،  فأي كارثة اقتصادية ألحقها أحمدي نجاد بإيران، كان يغطيها تحت شعار العدالة الاجتماعية وأن هذه الأعمال الشعبوية كانت تُقدَّم دائما في إطار العدالة الاجتماعية.