دبلوماسية حافة الهاوية: هل تنجح وساطة “المثلث الإقليمي” في كبح جماح الانفجار الكبير؟

كتب: الترجمان

تتجه أنظار العالم بأسره نحو الساعة الرملية التي وضعها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على طاولة الصراع الإيراني، معلنا مهلة “خمسة أيام” قد تكون الفاصل الزمني الأخير قبل انزلاق منطقة الشرق الأوسط نحو حرب طاقة شاملة لا تبقي ولا تذر. 

هذه المهلة، التي جاءت في أعقاب تصعيد عسكري غير مسبوق لم تكن مجرد تراجع تكتيكي، بل كشفت عن طبقات معقدة من الدبلوماسية السرية التي تقودها قوى إقليمية وازنة. 

وبينما يحاول البيت الأبيض تصوير المشهد كاستجابة لـ “مفاوضات جادة” أملتها القوة العسكرية الغاشمة، تقف طهران على ضفة التشكيك، معتبرة أن التراجع الأمريكي ليس إلا نتيجة مباشرة لـ “توازن الرعب” الذي فرضه التهديد الإيراني باستهداف كافة منشآت الطاقة في غرب آسيا، مما يضع المنطقة أمام مخاض عسير تتشابك فيه الرسائل الدبلوماسية بأصوات المدافع.

Image

مناورة الأيام الخمسة: استراتيجية “حافة الهاوية” في نسختها الترامبية

لم يكن إعلان ترامب عبر منصته “تروث سوشيال” وتصريحاته اللاحقة لشبكة “فوكس بيزنس” مجرد إعلان عن هدنة مؤقتة، بل كان تجسيدا حيا لمدرسته المفضلة في “فن التفاوض” القائم على الضغط الأقصى المتبوع بعرض مفاجئ للسلم. 

فبعد أسابيع من القصف الذي طال البنية التحتية العسكرية، وادعاءات واشنطن بتدمير 90% من منصات إطلاق الصواريخ و158 قطعة بحرية إيرانية، اختار ترامب التوقف عند عتبة “نقطة اللاعودة” وهي استهداف المفاعلات ومحطات التوليد. 

وبرر ترامب هذا التحول بحدوث “محادثات عميقة ودقيقة” مع شخصيات إيرانية وصفها بالمرموقة، مدعيا أن الجانب الإيراني بات يدرك الآن أن اللعبة انتهت بفضل تفوق السلاح الأمريكي. 

إلا أن التدقيق في ثنايا التصريحات يكشف أن ترامب يحاول شراء الوقت لتجنب أزمة طاقة عالمية قد تعصف بالاقتصاد الأمريكي، خاصة وأن أسعار النفط والغاز بدأت تخرج عن السيطرة، وهو ما دفع حلفاءه الأوروبيين والعرب لممارسة ضغوط هائلة عليه لثنيه عن “الانتحار الطاقوي” الذي قد ينتج عن رد فعل إيراني غير منضبط.

وتشير التقارير إلى أن دائرة ترامب الضيقة، التي تضم ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، انخرطت في ماراثون اتصالات ليلية تهدف لانتزاع “اتفاق إطار” سريع يتضمن 15 نقطة جوهرية، تضمن عدم حصول إيران على سلاح هستيري وتضمن إعادة فتح مضيق هرمز. 

ترامب، الذي يرى نفسه “المفاوض الأكبر في التاريخ”، يحاول تقديم هذا التراجع للداخل الأمريكي كـ “نصر دبلوماسي” تحقق بفضل “الخوف” الذي زرعه في قلوب القادة الإيرانيين، متفاخرا بأن أحدا في طهران لم يعد يجرؤ على التقدم لشغل منصب المرشد أو القيادة بعد الضربات المتلاحقة. 

Image

لكن هذا الخطاب الاستعلائي يصطدم بواقع ميداني مختلف، حيث لا تزال إيران تملك أوراقا قوية قادرة على تعطيل الملاحة الدولية وشل حركة حلفاء واشنطن في المنطقة، وهو ما يفسر لماذا لم تنفذ واشنطن تهديدها “بالسحق الشامل” حتى الآن.

وساطة المثلث (القاهرة – أنقرة – إسلام آباد)

في غمرة هذا الضجيج العسكري، كشف موقع “أكسيوس” الأمريكي عن تحرك دبلوماسي استثنائي تقوده ثلاث دول إقليمية محورية هي مصر وتركيا وباكستان. هذا المثلث الوسيط لا يتحرك بدافع الرغبة في السلام فحسب، بل بدافع الضرورة الوجودية لمنع انهيار الاستقرار الإقليمي. 

وبحسب المصادر، فإن وزراء خارجية الدول الثلاث، وعلى رأسهم بدر عبد العاطي وهاكان فيدان ومحمد إسحاق دار، تحولوا إلى قنوات اتصال حية بين ستيف ويتكوف ووزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي. 

وتبرز هنا أهمية الدور الباكستاني بشكل خاص، حيث يقود الجنرال عاصم منير، قائد الجيش الباكستاني، جهودا مكوكية مستندا إلى علاقاته الشخصية القوية مع ترامب وقربه الجغرافي والاستراتيجي من طهران. باكستان، التي ظلت حتى الآن بمنأى عن الاستهداف الإيراني المباشر، تحاول تثبيت موقعها كحكم محايد قادر على إقناع الطرفين بالجلوس إلى مائدة المفاوضات في إسلام آباد قبل نهاية مهلة الخمسة أيام.

وتتجاوز هذه الوساطة مجرد نقل الرسائل التقليدية إلى صياغة مقترحات عملية تهدف لحل جميع القضايا العالقة. ففي حين تركز واشنطن على ضمان أمن الملاحة ومنع التسلح النووي، تسعى الدول الوسيطة لضمان عدم استهداف البنية التحتية المدنية الإيرانية، مقابل التزام طهران بخفض التصعيد الإقليمي. 

وتلعب مصر دورا جوهريا في هذا الإطار من خلال تنسيق المواقف مع الفاعلين الدوليين لضمان عدم انفجار الوضع في مضيق هرمز، وهو الممر الحيوي الذي يربط مصالح الجميع. إن نجاح هذا المثلث في “تليين” المواقف المتصلبة يعتمد بشكل أساسي على قدرة الوسطاء على إقناع طهران بأن ترامب مستعد لصفقة حقيقية، وإقناع ترامب بأن استمرار الحرب سيؤدي إلى كارثة اقتصادية لا يمكن جبر ضررها، خاصة مع ارتفاع صرخات القارة الأوروبية من تداعيات نقص إمدادات الطاقة.

Image

جدار الصد الإيراني: إنكار المفاوضات وتوازن الردع الميداني

على الجانب الآخر، تتبنى طهران خطابا يتسم بالصلابة والرفض القاطع لكل ما يروجه البيت الأبيض عن وجود “مفاوضات مباشرة”. فمن المتحدث باسم الخارجية إسماعيل بقائي إلى رئيس البرلمان محمد باقر قالیباف، تصر القيادة الإيرانية على أن ما يسميه ترامب “حوارا” ليس إلا “حربا نفسية” تهدف للتغطية على تراجعه عن ضرب محطات الكهرباء. 

وترى الأوساط الإيرانية أن ترامب أدرك أخيرا أن استهداف منشآت الطاقة الإيرانية سيعني بالضرورة تحول كافة محطات الطاقة والتحلية في دول الجوار إلى أهداف مشروعة للصواريخ الإيرانية، وهو ما وصفته طهران بـ “الرد القاطع والفوري والمؤثر”. 

هذا التهديد، الذي وصل لآذان الحلفاء العرب ونقلوه بدورهم لترامب بلهجة تحذيرية، هو المحرك الفعلي للمهلة الأمريكية، وليس رغبة طهران في التفاوض من موقع ضعف كما يدعي الرئيس الأمريكي.

وفي الداخل الإيراني، يسود غضب عارم يعكسه رد فعل المجتمع العلمي والأكاديمي بعد اغتيال سعيد شمقدري، الذي وُصف بأنه “رائد الصناعات الدفاعية”. هذا التصعيد العسكري الذي يستهدف الكوادر البشرية والمنشآت التاريخية (حيث تضررت أكثر من 120 بناية أثرية) يعزز من موقف التيار المتشدد الرافض لأي حوار تحت التهديد. 

Image

وبالنسبة لطهران، فإن الموقف من مضيق هرمز والشروط لإنهاء الحرب لم يتغير؛ فهي تربط استقرار الملاحة برفع الحصار العسكري والتوقف عن الانتهاكات السيادية. وبينما يزعم ترامب أن “السيارة الإيرانية كانت تسير بسرعة جنونية وأوقفناها”، ترد طهران بأن “المقاومة” أثبتت قدرتها على تعطيل أهم شريان طاقة في العالم، وهو ما دفع المستشارين الاقتصاديين لترامب، مثل لارس كريستنسن، للاعتراف بأن هذه الحرب بدأت بلا وجهة واضحة ولا أفق للنصر، وأنها لم تحقق أيا من شعارات “حرية الشعب الإيراني” المزعومة.

سيناريوهات “اليوم السادس”: هل تنتهي المهلة بانفجار أم بصفقة؟

مع اقتراب تلاشي ساعات المهلة الخمسة، يبرز السيناريو الأول المتمثل في “الانفراجة الهشة”، حيث قد تنجح وساطة المثلث الإقليمي في التوصل إلى تفاهمات تقنية تسمح بفتح جزئي لمضيق هرمز مقابل تمديد الهدنة ووقف الضربات الجوية، وهو ما قد يصوره ترامب كبداية لـ “صفقة القرن” الجديدة في الشرق الأوسط. 

هذا السيناريو تدعمه رغبة ألمانيا والاتحاد الأوروبي في استقرار الأسواق، ومطالبة الصين المتكررة بوقف إطلاق النار والعودة للمسار الدبلوماسي الذي كانت تسلكه المنطقة قبل اندلاع الحرب. إلا أن هذا المسار محفوف بالألغام، حيث تتطلب أي تسوية ضمانات أمنية معقدة لا يبدو أن الطرفين مستعدان لتقديمها بالكامل في الوقت الراهن.

Image

أما السيناريو الثاني، فهو العودة إلى “مربع الصدام الشامل”، وهو ما قد يحدث إذا ما اعتبرت إدارة ترامب أن المهلة لم تحقق أهدافها المنشودة وقررت المضي قدما في ضرب مزيد من منشآت الطاقة. في هذه الحالة، ستدخل المنطقة نفقا مظلما من الردود المتبادلة التي قد تؤدي إلى شلل تام في إمدادات الطاقة العالمية. 

وهناك سيناريو ثالث يتمثل في “اللاحرب واللاسلم”، حيث تستمر الوساطة الإقليمية في محاولة “تجميد الصراع” عند مستواه الحالي، مع استمرار المناوشات المحدودة والضغوط الاقتصادية، بانتظار حدوث تحول داخلي في أي من العاصمتين. 

إن الحقيقة الثابتة وسط كل هذه المتناقضات هي أن المنطقة باتت رهينة لخمسة أيام من “الدبلوماسية القسرية”، حيث يقف العالم على رؤوس أصابعه بانتظار ما سيسفر عنه صراع الإرادات بين واشنطن وطهران.