“تصغير الدولة”.. آخر ابتكارات المترجمين في إصلاح الاقتصاد!

بقلم: الترجمان

من أخطر ما يقع فيه المترجم ليس الجهل بالكلمات النادرة، بل الاطمئنان الزائد إلى الكلمات المألوفة، تلك الكلمات التي يظنها سهلة، فيتلقفها دون تفكير، فإذا بها توقعه في مأزق يغيّر المعنى تماما، وتحوّل النص من سياسة واقتصاد إلى نكتة باهتة أو حتى كارثة فكرية.

أذكر يوما كنت في غرفة الترجمة بموقع “زاد إيران”، وكانت قد أرسلت إحدى المترجمات ترجمة لتقرير إيراني حول السياسات الاقتصادية الجديدة في إيران، كان النص الأصلي يقول:

“یکی از راهکارها کوچک‌سازی دولت است”.

رفعت بصري إلى الترجمة المقابلة، فوجدتها تقول:

“أحد الحلول هو تصغير الدولة”.

وقفت مدهوشا.. “تصغير الدولة”؟ أي دولة هذه التي سنصغّرها؟ أهي لعبة “بلاي موبيل” ليضعها الأطفال في جيوبهم؟ أم مشروع هندسي لتصغير إيران من مليون وستمائة ألف كيلومتر إلى مجرد جزيرة صغيرة عائمة؟

تخيلت للحظة أن القارئ العربي سيأخذ الأمر بجدية، سيرى العبارة في تقرير اقتصادي رسمي، ويبدأ يتساءل: “هل هناك تقنية جديدة لتقليص الدول؟ هل سيستخدمون أشعة ليزر لتصغير المباني؟ أم أن الحكومة الإيرانية قررت أن تخفي نصف البلاد في البحر لتقليل المصروفات؟ أم أن إيران سوف تتخلى عن بعض مناطقها الحدودية لتكون مساحتها أصغر؟”

التعبير الفارسي “کوچک‌سازی دولت” لا علاقة له بالخرائط ولا بالجغرافيا، هو مصطلح اقتصادي–سياسي معروف، يقصد به تقليص حجم الحكومة: أي تخفيف الجهاز البيروقراطي، وإلغاء بعض المؤسسات، وخصخصة قطاعات معينة، وتقليص التوظيف الحكومي لتخفيف العبء على الميزانية.

ذهبت مباشرة إلى المترجمة وسألتها مبتسما: هل تقصدين أننا بصدد مشروع “تصغير الدولة” فعلا؟
ابتسمت بتردد وقالت: الكلمة “کوچک‌سازی” تعني “تصغير”، أليس كذلك؟ أين الخطأ؟
أجبتها ضاحكا: نعم، لكنك نسيتِ أن الكلمات مثل الكائنات: لها حياة وسياق، ليست “تصغير” هنا بمعنى تصغير الأكواب أو الصور، بل في لغة الاقتصاد والسياسة تعني تقليص حجم الجهاز الحكومي وتخفيف البيروقراطية.

انفجر المكتب ضحكا، وأخذنا نتخيل عناوين ساخرة مثل: إيران تطلق خطة لتصغير الدولة إلى حجم الكف، والحكومة تتحول إلى نموذج صغير يوضع في المتحف الوطني، وخطة إصلاحية: دولة قابلة للطي والتخزين في الأدراج.

لكن خلف الضحك كان هناك درس مهم، فالترجمة ليست لعبا بالكلمات، بل مسؤولية في إيصال الفكرة كما أرادها الكاتب، فلو تركنا الترجمة كما هي، لانتقل للقارئ تصور مغلوط تماما عن سياسات إيران الاقتصادية.

وهنا تذكرت عشرات المواقف الشبيهة، المترجمون الجدد يقعون أحيانا في هذا الفخ بسبب ثقتهم بالكلمة المألوفة، رأيت من ترجم “خصوصی‌سازی” إلى “تخصيص” بدلا من “خصخصة”، وكأن الدولة ستجلس وتخصّص أوقاتا معينة للقطاعات الاقتصادية! بل رأيت من ترجم “برنامه پنج‌ساله توسعه” إلى “البرنامج الخماسي للتوسعة”، بينما المقصود “خطة التنمية الخمسية”.

الأمر إذن يتجاوز المزاح، القارئ العربي حين يقرأ تقريرا مترجما، لا يخطر بباله أن يشكك في الترجمة، بل يأخذها على محمل الجد، ويبدأ في بناء تصور كامل عن الواقع بناء على مصطلحات قد نُقلت خطأ، فيظن أن إيران تفكر في “تصغير الدولة”، بينما الحقيقة أنها تناقش إصلاح الجهاز الإداري.

المترجم، في مثل هذه المواقف، لا يكون مجرد ناقل نصوص، بل صانع وعي، كل كلمة يضعها تفتح نافذة أو تغلق أخرى، تبني صورة أو تشوهها.

والدرس الذي يجب أن نتعلمه من هذه النادرة أن المترجم يجب أن يتوقف دائما أمام المصطلحات الاقتصادية والسياسية، لا يكتفي بالترجمة الحرفية، بل يبحث عن مقابلاتها الدقيقة في العربية. فـ”کوچک‌سازی دولت” ليس “تصغير الدولة”، بل “تقليص حجم الحكومة”. و”خصوصی‌سازی” ليست “تخصيص”، بل “خصخصة”. و”مدیریت بحران” ليست “إدارة الأزمة” فقط، بل قد تكون “إدارة الكوارث” حسب السياق.

كل هذه التفاصيل تجعل من المترجم ليس فقط رجل لغة، بل رجل فكر، لأنه مسؤول عن جسر ثقافي، ولو أخطأ فيه، عبر القارئ إلى عالم آخر لا علاقة له بالواقع.

وهكذا، خرجنا في ذلك اليوم بضحكة ودرس معا: أن الكلمات المألوفة أخطر من الغريبة، وأن المترجم الذي يغفل السياق كمن يمشي في طريق مليء بالمطبات، يضحك الناس حين يسقط، لكنهم قد يسقطون معه في الوهم.

وإلى لقاء مع نادرة أخرى من نوادر المترجمين.